حماس … ثقة بالنفس وقرار مسئول

 

 

بقلم :رأفت ناصيف

 

 

ليس غريبا أن نرى العدو قبل الصديق يترقب وينتظر قرار حركة المقاومة الإسلامية حماس وماذا سيكون ، ومن الطبيعي أن نشهد هذا الالتفاف الشعبي حول موقف حركة حماس في ذات الوقت الذي لا نستغرب تعبير كافة الأوساط الشعبية والرسمية الوطنية منها والإقليمية والدولية عن ارتياحها إثر إعلان حماس لموقفها ( مع الإدراك أن لكل دافعه ) .

ولا بد لكل من واكب فترة دراسة حماس للمتغيرات والتطورات إلا وقد لمس المتابعة الكبيرة الرسمية والشعبية والإعلامية لحركة حماس وما سيكون عليه موقفها المنتظر عبر الكم الهائل من التصريحات والتحليلات والتوقعات ، كما لمس كذلك ما حظي به موقف حماس من التفاف شعبي وثناء وطني وإقليمي ودولي فور إعلانه .

وبالوقوف أمام هذا الاهتمام المميز والكبير بموقف حركة حماس نجد بأنه يأتي كنتيجة لما تتمتع به حركة حماس من مسئولية عالية ومصداقية وحس وطني قائم على المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني والتمسك بالثوابت من جهة ومن جهة أخرى نابع من إدراك بالتأثير القوي لحركة حماس والذي يعكس قوة وأصالة نهجها وخياراتها وما تتمتع به من ثقل لا يمكن تجاوزه في أي طرح يتعلق بالقضية الفلسطينية مهما حاولت هذه المشاريع من تجاوز ذلك أو محاولة الإقصاء الجبري لحماس كما يحاولون اليوم دون جدوى .

ومع أن موقف حماس جاء في هذه الظروف التي تبدل بها الجهود لتمرير الحلول السياسية التي تتجاوز الثوابت والحقوق الفلسطينية الأساسية وما تحظى به هذه الجهود من تأييد دولي رسمي وكذلك في ظل الحملة المركزة على حركة حماس التي أعلنت رفضها لهذه التسويات إلا أن ذلك لم يؤثر على حجم الالتفاف والدعم الذي حظيت به حماس إثر إعلانها لموقفها بل تعزز ذلك وأعتبر خطوة واعية ومسئولة من حماس .

أما قرار حماس فقد جاء بعد دراسة متأنية أشركت فيه كل مواقعها التنظيمية رغم شدة الظروف التي تعيشها الحركة حيث تحسست الحركة في دراستها هموم أبناء شعبنا الفلسطيني وتلمست مصالحه ومطالبه فكان قرارها المستند على التمسك بخيار المقاومة كإستراتيجية للتحرير وعلى الحرص على الوحدة الوطنية ووحدة الصف الداخلي وتفويتا للمحاولات الهادفة لدب الفرقة بين أبناء الشعب الفلسطيني ، هذا القرار الذي أعلنت فيه حماس تعليق العمل العسكري لفترة محدودة وبشروط واضحة محددة تخص عموم الشعب الفلسطيني وتشكل المطلب الوطني الفلسطيني ليدلل هذا القرار على مدى الوعي والمسئولية والقوة والحكمة ومدى الثقة بالنفس الذي تتمتع بها حماس .

أما كونه يتميز بالوعي فذلك لعدم تجاهل حماس لما يدور من حولها من أحداث بل إنها تأخذها بالدراسة والمتابعة لتحديد أسبابها وتداعياتها ومن تم تحدد الآليات والسياسيات الأنسب للتعامل والحركة في ظل هذه المتغيرات ودون أن يعني ذلك الانجرار مع هذه المتغيرات والانسياق معها حتى لو تعارضت مع ثوابت الحركة وحقوق الشعب الفلسطيني وإنما تقوم بتحديد سياساتها بناء على الثوابت وتمشيا مع تحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ومن هذا المنطلق فإنها تجتهد للتقليل من أضرار المتغيرات وتداعياتها على القضية الفلسطينية في ذات الوقت تعمل على استثمار ما يمكن لصالح مشروع الشعب الفلسطيني القاضي بضرورة زوال الاحتلال ، فحماس لا تتعامل مع المستجدات انطلاقا من منهج المنهزم وإنما من منهج الواثق بنفسه وقدرته وشرعية مطالبه وحقوقه والوسائل التي تكفل له تحقيق هذه الحقوق ، وحماس التي اختارت الإسلام كمنهج لها فإنها تتمتع بالمرونة وشمول الرؤيا التي استمدتها من ديننا الحنيف .

وهو يتصف بالمسئولية كون حماس لا تتعامل بانفعال وبردة الفعل لا سيما فيما يختص بقضاياها المركزية وإنما هي تدرك جسامة الرسالة التي تحملها والمهمة التي أخذتها على عاتقها والمتمثلة في تحقيق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني فهي يوم تنطلق تضع نصب أعينها مصلحة شعبها أولا وقبل كل شئ آخر حتى لو كان ذلك الشيء هو مصلحتها الخاصة ومصلحة أبناءها وقادتها لذلك نرى أن حركة حماس تأخذ كل الأمور بالدراسة المتأنية لتبحث عن الخيارات الأفضل لصالح قضيتها عبر موازنتها بين الخيارات المتاحة والتي غالبا ما تكون بين الحسن والأحسن أو بين السيئ والأقل سوءا فضلا عن الحسن والسيئ ، ولذلك نراها تتمتع بهذه المصداقية العالية عند شعبنا .

وهو قرار يدلل على أنها حركة قوية حكيمة واثقة بنفسها لأنها حركة

-لم تثنها الظروف الاستثنائية التي تعيشها واستهدفها من أخذ الوقت اللازم للدراسة المتأنية والمعمقة بكل هدوء واتزان للأمور المطروحة على جدول البحث .

-لأنها لم تسمح للحملة ضدها من أن تعيقها عن أداء دورها والقيام بواجباتها بثبات وحيوية فهي في الوقت التي تدرس فيه المستجدات تواصل مقاومتها على الأرض دون أن يعيق ذلك نشاطها السياسي والدبلوماسي على مختلف المستويات وكل ذلك مع استمرار عطائها في شتى الجوانب الأخرى الاجتماعية والإغاثية … الخ .

-لم تلجأ إلى إعلان موقف مخالف لما نتج عن دراستها بتعليق عملها العسكري لفترة لتظهر عدم صوابية التحليلات والتصريحات التي جانبت الصواب عندما عزت موقف حماس إلى التهديدات التي تتعرض لها وقياداتها وآثرت تقديم ما رأته في مصلحة شعبها على مصلحتها برغم تلك التفسيرات البعيدة عن الحقيقة ، تاركة لتاريخها كشف بطلان ما ذهبت إليه بعض الأصوات حيث أن الفترة السابقة للظروف الحالية كانت أشد على قادة الحركة من هذه الفترة ، فإن تميزت الفترة الأخيرة بتكثيف التهديدات والمحاولة الفاشلة بحق الدكتور الرنتيسي فقد شهدت الفترة السابقة تتقيدا فعليا حيث معظم قيادييها في الضفة بين شهيد وأسير وثلة من قيادييها في القطاع شهداء ولم يثنها ذلك عن مسارها .

-أنها ورغم وصولها إلى القرار عبر الدراسة المتأنية فإنها لم تتعجل الإعلان عن موقفها رغم أن الإعلان قد يسجل لصالحها وربما يخفف عنها ولكنها مرة أخرى تقدم المصلحة العامة على مصلحتها الخاصة فتتوجه بقرارها نحو فصائل المقاومة لتعرض قرارها عليهم سعيا منها لتعزيز الوفاق الوطني عبر توافق مشترك على ما يمكن إعلانه .

-لم يثنها إمكانية أن يستغل موقفها من قبل المؤمنين بالمفاوضات وخطة الطريق التي أعلنت رفضها القاطع لها عن إعلان موقفها بكل ثقة وذلك لتعزز قناعتها بأن التسويات المطروحة آيلة إلى الفشل لا محالة كونها تتجاهل حقوق الشعب الفلسطيني مهما تظاهرت بأنها قوية ومهما نتج عنها من خطوات شكلية على شاكلة ما تم في القطاع وبيت لحم.

-وتتجلى حكمة ووعي حماس عندما قررت إعلام الأشقاء والأصدقاء الذين بادروا بالاتصال بها وبذلوا الجهود الداعمة للوحدة الفلسطينية تقديرا منها لهذه الجهود فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله ،وكذلك بحكمة ووعي قررت إطلاع الإخوة في السلطة على قرارها قبل إعلانه ممثلة بالرئيس أبو عمار ورئيس الوزراء أبي مازن .

من هنا ومن أجل كل ذلك كانت حماس جديرة بهذا التأييد والالتفاف الشعبي حول قرارها ، وبهذا تتجلى حماس كحركة صاحبة رؤيا عميقة وشمولية طرح ومرونة على أساس التمسك بالثوابت ، صاحبة مصداقية ومسئولية عالية ، قوية بمواقفها متماسكة بالتزام أبنائها بقراراتها ، فاستحقت بجدارة أن توصف بالمنتصرة ، هذا ما يؤكده عدم قدرة الحملة ضدها من تحقيق مآربها ولعل ما قاله أكثر من صهيوني يشهد بذلك حيث كتبوا ( رغم الحملة الدولية التي قادها الرئيس بوش ضد حركة حماس إلا أن هذه الحركة استطاعت أن تنتصر وأن تعيد الكرة إلى ملعب الحكومة .. وكذلك حققت حماس انتصارا آخر عندما كثفت الحكومات اتصالاتها معها بدلا من مقاطعتها كما أراد الرئيس الأمريكي في حين لم تملك الحكومة ما تعمله سوى انتظار هدنة حماس ) .