"إسرائيل" خارج محور الشر.. لماذا؟!

 

 

 

 

بقلم :إبراهيم الصياد

 

أذاعت محطة تليفزيون ال بي بي سي البريطانية مؤخراً برنامجاً وثائقياً حول القدرات النووية لإسرائيل ومن الناحية الموضوعية لم يقدم البرنامج جديداً غير أنه ألقى الضوء على قضية سياسية وأمنية تهم منطقة الشرق الأوسط وهي استمرار "إسرائيل" في بناء غطاء من الردع النووي تهدد به جيرانها العرب دون أن تراجعها أي جهة دولية أو إقليمية معنية بضبط التسلح النووي في هذه المنطقة الأكثر حساسية وسخونة من العالم.

 

 ولاشك أن الخبرة النووية لإسرائيل ليست حديثة العهد إنما تعود إلى سنوات وعقود مضت وتحديداً منذ الستينيات من القرن الماضي عندما جندت الدولة الصهيونية خيرة علمائها في الداخل والخارج لتطوير مفاعل ديمونه في منطقة صحراء النقب القريبة من الحدود المصرية والأردنية. ويمكن القول إنه نتيجة غياب مراجعة وتفتيش وكالة الطاقة الذرية على البرنامج النووي الإسرائيلي استطاعت تل أبيب أن تغير وتتمادى في هذا البرنامج بشكل يهدد بالخطر الأمن القومي العربي إلى الحد الذي جعل الكثير من المصادر المطلعة والقريبة من الأوساط الإسرائيلية تؤكد أن ترسانة "إسرائيل" النووية تشمل حوالي مائتي قنبلة ذرية بالإضافة إلى تطوير عدد غير محدد من الصواريخ المزودة برؤوس نووية، وبغض النظر عن المبالغة المحتملة في هذه التقديرات فإن بعض التقارير ذكرت أن "إسرائيل" تمتلك بالفعل أسلحة بيولوجية وكيماوية. ومنها أسلحة تعمل بالغازات السامة مثل غاز السارين الذي ثبت من خلال تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية ومنظمة العفو الدولية أن قوات الاحتلال الإسرائيلي استعملت هذا الغاز القاتل بتوجية من أرييل شارون ضد الفلسطينيين في جنين العام الماضي واستعملها شيمون بيريز - الحائز على جائزة نوبل للسلام - ضد اللبنانيين في عمليته الشهيرة عناقيد الغضب.

 

 ومن الثابت أن "إسرائيل" تتمتع بحصانة خاصة لا تمكن أحداً من محاسبتها مهما فعلت من انتهاكات للقوانين والأعراف الدولية أو ارتكبت من جرائم بحق الإنسانية وهو الأمر المحير فعلاً إذا ما بحثنا فيما تطرحه الولايات المتحدة من حجج تبرر بها سياساتها ضد الدول الأخرى فمن بين هذه الحجج أن واشنطن لا تقبل أن تقوم أي دولة باستخدام برامجها النووية لتهديد الأمن والسلم الدوليين.

 

ومن هنا سارعت إدارة الرئيس جورج بوش عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام ألفين وواحد إلى تصنيف العالم إلى محورين أحدهما للأخيار والآخر للأشرار وضمت لمحور الشر الدول التي تدعي أنها تمتلك أسلحة للدمار الشامل وحددتها في ثلاث العراق وإيران وكوريا الشمالية وتحت ذريعة هذه الأسلحة المزعومة كان غزو ثم احتلال العراق، وفي تقديري أنه كان يجب أن تكون "إسرائيل" من أولى الدول المرشحة للانضمام لمحور الشر حسب المفهوم الأميركي وكما أوضحنا أنها تمتلك مؤهلات عضوية هذا المحور خاصة أن السجل النووي الإسرائيلي مليء بالقرائن التي تدينها إذا أرادت واشنطن أن تلتزم بالعدالة عند التعامل مع الدول الأخرى.

 

 ولا اعتقد أن هناك دولة عربية بما فيها العراق - سابقاً - تمثل تهديداً نووياً لإسرائيل لأن معظم الدول العربية قامت بالتوقيع على اتفاقية حظر الأسلحة النووية التي رفضت حكومات "إسرائيل" المتعاقبة التوقيع عليها أو الالتزام بها والتزمت الدول العربية بإخضاع منشآتها النووية التي تستخدم في الأغراض السلمية لتفتيش مستمر من قبل الوكالة الدولية للطاقة النووية وكأن الدول العربية فقط هي التي يجب أن تراجع ويجري الحد من قدراتها نووية كانت أو غير نووية أما "إسرائيل" فهي خارج حدود الرقابة الدولية وفوق أي مراجعة حتى ولو كان برنامجها النووي مصدر تهديد لجيرانها.

 

 وهنا يبرز سؤال لماذا هذا التعامي عن النشاط النووي الإسرائيلي وخاصة من قبل الولايات المتحدة ؟

 

في تقديري أن العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب تلعب دوراً مهماً في الإجابة على هذا التساؤل لأن "إسرائيل" منذ إنشائها عام 1948 المنفذ الأساسي للسياسات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط والقاعدة المتقدمة لحماية المصالح الحيوية للولايات المتحدة لاسيما بعد إعلان واشنطن حربها على الإرهاب الدولي بعد أحداث سبتمبر وعلية يمكن تفسير سياسة المعايير المزدوجة التي تلجأ إليها الإدارة الأميركية في التعاطي مع الجانب العربي والإسرائيلي تعود بالدرجة الأولى إلى تناغم المصالح الأمريكية الإسرائيلية.

 

 وتبقى كلمة أخيرة تتعلق بدور المنظمات الدولية المعنية بضبط الأنشطة النووية في المجالات العسكرية خصوصاً حيث نلاحظ أن السياسات الأميركية تلقي بظلالها على فاعلية هذه المنظمات فتشل من قدرتها على أداء دورها بالنسبة لإسرائيل وتضغط عليها للتحرك للتفتيش والرقابة على الدول الأخرى خاصة تلك المصنفة تحت لائحة دول محور الشر أو الدول التي ترى واشنطن أنها مناوئة لمصالحها ومخططاتها. إن ازدواجية المعايير ستظل العقبة أمام التحرك الدولي لتحقيق الحد الأدنى من العدالة بين الدول.