أي تحريض؟

 

 

 

 

بقلم : عدلي صادق

 

كأن أي كلام، يمكن أن نقوله لشبابنا، عن بشاعة الاحتلال، وعن نُبل المقاومة، سيرفع منسوب الغضب في نفوسهم، أكثر مما ترفعه الحواجز، والمعابر، والحصارات، هذا إن كنا سنضع جرائم القتل والهدم والتجريف والاعتقال، خارج الحسبة، مراعاة لأدبيات الهدنة، وإكراماً لسواد عيون خارطة الطريق !

فقد سمعت من رجل عجوز، محبوس مع أسرته، ضمن المحشورين بين خانيونس وبحرها، في منطقة المواصي أن المحتلين المتطفلين علي رقعتنا الضيقة، أوقفوا ذات يوم، ترتيبات إدخال المؤن، للعائلات القاطنة هناك، منذ ثلاث سنوات. وعندما استفسر سكان المواصي عن سبب حرمانهم من إيصال قوت يومهم، لبيوتهم المحاصرة، التي هي علي أرض وطنهم، قال لهم الضابط الإسرائيلي، أن الكلبة التي يعتمدون عليها، في شم وتفتيش المؤن، متوعكة صحياً، وأنها تحت المعالجة، وبالتالي ليس علي البشر الفلسطينيين، إلا انتظار قيامها بالسلامة، وعودتها الي عملها، لكي تشم، وتسمح بمرور المؤن!

ہ ہ ہ

إن حاولنا الربط، بين مثل هذه الواقعة، كمثال، وعملية رفع منسوب الغضب في النفوس، التي هي عملية التحريض أصلاً، نصبح أمام منطقين، أحدهما (وهو البوشي ـ الكونداليزي، والشاروني ـ الموفازي) الذي قد يري في الكتابة عن هذه الواقعة، ومثيلاتها، تحريضاً صريحاً، ولا يري في الواقعة نفسها، إلا نوعاً من الدفاع عن النفس، الطبيعي والمثير للإعجاب. وفي المنطق الثاني، تكون هذه الواقعة، ومثيلاتها، هي مادة التحريض الخطيرة، التي ترفع منسوب الغضب، الي حد الفيضان بالديناميت!

كيف نحسمها أو نحسبها، في موضوع التحريض، بينما العرب كلهم، ومنذ نحو رُبع القرن، لم يصلوا مع الأمريكيين، الي تعريف للإرهاب، يستثني المقاومة المشروعة من ذمائمه؟! فماذا يكون التحريض، إن لم يكن هو مُحصلة الأقوال والأفعال، التي تستثير الناس، وتشحذ مشاعرهم ضد الإحتلال، وتؤثر حتي في اللامبالين منهم، حيال الصراع، فتجعلهم علي درجات متفاوتة من العداء للدولة العبرية، ومن الاستعداد للمقاومة؟!

ہ ہ ہ

رب قائل فلسطيني، قبل قائل إسرائيلي، أن لغة الحماسة الزائدة، والخطاب العقائدي، المشبع بمُدركات القضية الفلسطينية، والخُطب المتأججة في المساجد والمهرجانات، هي مادة التحريض الأساسية التي يجب منعها أو وقفها؛ لكني أقول، من منطلق الزعم بمعرفتي، لآليات تشكيل الرأي العام، ولمدي تأثير الكلام المحكي والمقروء، بأن كل ما تنضح به اللغة، لم يكن سيرفع منسوب الغضب، في نفس الفلسطيني، الي حد الطوفان بالديناميت، ولا الي ما هو فوق مستوي المظاهرة الصاخبة؛ دون أن يحدث القتل الإسرائيلي، الذي تأتي اللغة الحماسية والثأرية، كرد فعل طبيعي عليه!

إن الكلام العقائدي وحده، يرسّخ القناعات، ويمنح الإنسان، منظاراً يري به الأمور. وعلي هذا الصعيد، ما أكثر القناعات، وما أرسخها، في العالمين العربي والإسلامي. غير أن ما يجعل الفتي الفلسطيني، يتحين الفرصة، لأن يتخطي العقبات، لكي يفوز بتفجير نفسه، هو تراكم شواهد الإذلال وامتهان الكرامة، وتحولها الي نار متأججة، في أعماق هذه النفس. فهذه معادلة يعرفها شارون وإن كان يتجاهلها، ولا يعترف بأنه تعلمها. لكننا نعرف أنها ستفرض نفسها عليه، وعلي غيره!

ہ ہ ہ

اليوم مثلاً، وفي ذروة الحديث عن التهدئة، يُمارس إذلال شعبنا علي المعابر، وعلي الحواجز، بين محتشداته في الضفة الفلسطينية، فيُحرم الإنسان من أبسط حقوقه، ومن مجرد الخروج من البلاد، للعلاج، أو لقضاء حاجاته، بينما المستوطنون المتطفلون علي الأرض وعلي الناس، يمارسون العربدة، بحرية كاملة. فماذا يكون التحريض، إن لم يكن هو جميع التعبيرات السلوكية، عن وجود قوات الإحتلال والمستوطنين؟! وهل يرون في الشعار الفلسطيني، علي الجدران، مادة تحريضية، ولا يرون في سفالاتهم، مادة تحريضية إغراقية؟!

نحذر من انجرارنا الي استخدام مصطلح التحريض وتداوله، حتي وإن نصت عليه خطة خارطة الطريق . لأن الكلام والتوجهات السياسية الفلسطينية، التي يريدون وصمها بصفة التحريض، ليست ملفقة، لكي تسمي تحريضاً. وربما يصح أن نستخدم مصطلح وقف التحشيد، أو وقف التعبئة القتالية، لأن التحريض ينطلق من باطل، بينما تنطلق التعبئة، من حيثيات قضية. وإن كان المحتلون، بصدد وقف التحريض فعلاً، فما عليهم إلا أن ينتهزوا الفرصة، ليقلعوا عن ممارساتهم التي ترفع منسوب الغضب، وتمثل أسوأ محرّض، سيغيب التحريض بغيابه. وبهذه الطريقة فقط، يمكن إخماد النار، وإلا فأي تحريض هذا الذي يتحدثون عنه؟!