المقاومة العراقية.. هوية وطنية

 

 

 

بقلم :د. كريم العاني

 

كثيرا ما يسأل بعض الاصدقاء في مناقشاتنا المستمرة عن العراق قبل العدوان الامريكي ـ البريطاني، واثنائه، فيما اذا كنت لا ازال اراهن علي الوطنية العراقية في مقاومة الاحتلال؟ ولا اظن ان هذا السؤال بحاجة اليوم الي جواب بعد تطور عمليات المقاومة وتصاعدها الذي اربك سلطة الاحتلال واعتبرتها كما اعتبرها وزير الدفاع الامريكي بانها فلول النظام المنهار، في حين حصرتها بعض اجهزة الاعلام في نطاق ما اصبح مصطلحا اعلاميا المثلث السني ولسنا بصدد مناقشة هذا الرأي او ذاك ومدي صحة كل منهما، فالأمر يحتمل مشاركة عدة جهات عراقية فيها، ولذا فاننا سنحاول التركيز علي مؤشرات عامة برزت في الاسبوع الماضي تشير بشكل او بآخر بأن ابعاد المقاومة تتجاوز هذه التسميات والتقسيمات الجاهزة، من هذه المؤشرات التصاعد الذي تشهده وتيرة عمليات المقاومة والنجاح الذي تحققه والذي يستهدف اساسا افراد قوات الاحتلال ومعداتها العسكرية واصابة اهدافها بدقة، حتي ان هذه القوات رغم كثافتها وانتشارها لم تنجح حتي الآن بالقبض علي اي من افراد المقاومة رغم تصاعد هذه العمليات، وقد نقل الكثير من المراسلين الاجانب وخاصة مراسلي الصحف البريطانية والامريكية حالة الهلع التي تسيطر علي جنود الاحتلال وخوفهم من ضربات المقاومة التي لا يعرفون من اين تأتي، ولذا فهم في حالة تحفز دائم وانقضاض مبالغ فيه علي اية حركة مهما كان مصدرها.

المؤشر الآخر اتساع رقعة المقاومة التي تجاوزت ما يسمي (بالمثلث السني) المحصور بين شمال بغداد وغربها الي الجنوب منها في الاسكندرية والسماوة مما يضيف ابعادا جديدة علي اتساع نطاقها وان كان تدريجيا، ويغذي هذا الانتشار بشكل رئيسي تصرفات قوات الاحتلال المفرطة في ايذاء المواطنين العراقيين ومحاولات اذلالهم والنيل من نفسيتهم واستباحة املاكهم ومقتنياتهم الخاصة في عمليات المداهمة التي لا تعرف ليلا او نهارا ولا تميز سنيا عن شيعي حسب التصنيفات التي تحرص اجهزة الاعلام علي ترديدها باستمرار، وما حصل يوم الجمعة 20 حزيران (يونيو) في قرية (مقر الذيب) علي مقربة من الحدود السورية العراقية دليل علي ذلك، اذ داهمت هذه القوات بالطائرات وانواع الاسلحة الارضية من قاذفات ومدفعية بيوت القرية التي لا تعدو ان تكون بيوت بسيطة وعددا من الخيام وكانت حصيلتها قتل رجل كبير وامرأة وطفلها وحصار القرية ليوم كامل استنادا الي معلومات استخبارية لم يتبين شيء من مصدرها او صدقها، ان هذا النوع من المعلومات اصبح فخا لقوات الاحتلال وقصة لا تنتهي كقصة البحث عن اسلحة الدمار الشامل العراقية، كما ان افتقارها للمصداقية وكثرتها وتقبل قوات الاحتلال لها معهما بلغت درجة افتقاره الي الدقة والمصادر الموثوقة جعل مردودها عكسيا علي هذه القوات.

المؤشر الثالث الذي برز نهاية الاسبوع ايضا اعلان ثلاث مجموعات مقاومة (لأول مرة)، عن نفسها ومسؤولياتها عن هذه الحوادث احداها (سرايا المقاومة الوطنية العراقية) التي بعثت ببيان الي احدي الفضائيات العربية تعهدت فيه بمقاومة قوات الاحتلال، ووصفت النظام السابق بأنه عدو اسهم في ضياع الوطن وتعميق جراحه ووضع البيان النظام ونتيجة سياساته في مرتبة الاحتلال وبالتالي لا يمكن ان تكون هذه المجموعة علي علاقة به او محسوبة عليه، المجموعة الاخري التي اعلنت عن نفسها باسم (حركة الفدائيين الوطنيين العراقيين) قالت بانها ستقارع قوات الاحتلال الي ان يغادروا البلاد او ترسلهم باكياس بلاستيكية الي الرئيس الامريكي والمجموعة الثالثة اطلقت علي نفسها اسم كتائب المجاهدين السلفية في العراق .

اذن فان عمليات المقاومة في خطاب هذه المجموعات تشير الي انها اسلامية الاتجاه وتستند الي الارضية الدينية لواقع الشعب العراقي وخاصة اجيال الشباب منه الذي شهد صحوة اسلامية عامة في العقدين الاخيرين وتمسك باهداب الاسلام وآمن بفكره الجهادي علما بأن قيادات الحركات الاسلامية السنية منها والشيعية سبق ان تعرضت لبطش وتصفية وتهجير النظام السابق.

ولا شك بأن تطور هذه العمليات ودرجة اتساعها ومن ثم الاعلان عن تفاصيلها وبياناتها المقبلة ستلقي مزيدا من الضوء عن اتجاهاتها الوطنية والدينية او القومية.

واذا اضفنا الي هذه المؤشرات الحالة التي يعيش فيها العراق حاليا من اضطراب وفلتان امني يجعل الانسان لا يأمن علي بيته وعائلته وامواله، واعمال السلب والنهب المستمرة التي تقع ليل نهار، واضطراب هذا الوضع الذي اصبح الشكوي الدائمة لكل عراقي بسبب اقدام سلطات الاحتلال علي هدم جميع مؤسسات الدولة العراقية وما سببه من فراغ امني وسياسي من دون ان تحاول السلطة ايجاد بدائل عنه وانشغالها فقط بتأمين امن قواتها وافرادها ودون ادني اهتمام بأمن المواطن وامن المجتمع العراقي. والبطالة الرهيبة التي يعيشها العراق والتي تقدرها الاوساط الدولية واحزاب المعارضة بأكثر من 80% من العراقيين وحالة اليأس من اصلاح هذا الوضع الذي يزداد سوءا وتضخم هذه البطالة نتيجة قرارات سلطة الاحتلال باضافة مجموعات جديدة الي مجموع العاطلين مع حل كل مؤسسة عراقية وتوقف القطاع العام عن العمل الذي يقدر عدد العاملين فيه بخمسة ملايين شخص وحرمان هذه الاعداد بالاضافة الي افراد الجيش ومنتسبي وزارات الداخلية والأمن والاعلام والتصنيع العسكري من اية رواتب او معاشات جعل الكثير منهم في مظاهراتهم اليومية ضد قوات الاحتلال يطلقون صيحات تحذير وتهديد باللجوء الي المقاومة المسلحة اذا لم تحل مشاكلهم وشعارهم قطع الاعناق ولا قطع الارزاق .

تشير تقارير برنامج الغذاء العالمي ايضا الي ان اكثر من 60% من العراقيين يعيشون حاليا تحت خط الفقر وهؤلاء كانوا يتلقون قبل الاحتلال حصة غذائية تموينية منتظمة وباسعار رمزية، هذه التقارير تشير ايضا الي ان خمسة ملايين عراقي يعيشون في حالة فقر مدقع مع ان العراقيين يعتبرون بلدهم غنيا ولذا ينظرون بازدراء الي الطريقة المذلة التي تدفع لهم بها قوات الاحتلال الـ 20 دولارا من اموالهم، الصليب الاحمر الدولي هو الآخر يعترف بخطورة الوضع الصحي وبأمله الوصول بالخدمات الطبية الي المستوي الذي كانت عليه قبل الاحتلال رغم اقراره ببعض التحسن التدريجي الذي يعود الي كفاءة الطاقم الصحي العراقي وتحمله مسؤولية العمل في الفترة الماضية بظروفها القاسية وبشجاعة عالية.

واذا اضفنا الي كل ما تقدم الاجراءات القمعية التي تقوم بها قوات الاحتلال من استهداف المساجد ومداهمات للبيوت وما يصاحبها من عنف وافراط باستعمال القوة واهانات وسرقات واذلال للمعتقلين واطلاق النار علي المتظاهرين كما حصل قبل ايام علي مظاهرة افراد الجيش العراقي وعدم التمييز في القتل بين المدني والعسكري، الكبير والصــغير وقتل الاسري والجرحي وترك بعضهم يحتضرون (حسب شهادات جنود امريكيين لصحيفة ايفنينغ ستاندرد البريطانية).

ان كلا من هذه الاسباب يمكن ان يكون مبررا لبلورة مقاومة وطنية لمحاربة الاحتلال وقواته في العراق، فكيف اذا اجتمعت جميعا في بلد واحد ونزلت علي شعب اشبع وعودا بأمل التحرير والديمقراطية ونهاية الديكتاتورية وبدولة الرفاهية ومماطلة سلطة الاحتلال وتسويفها بتسليم السلطة الي العراقيين واقامة حكومة وطنية عراقية بعد الوعود البراقة التي اطلقتها ادارة بوش بأن لا مطامع لها في العراق وان هدفها تحرير الشعب العراقي وان يترك له حرية اختيار حكومته ومساعدته علي اقامة نظام ديمقراطي يمثل جميع فئات وطوائف العراق، ثم بين ليلة وضحاها وبعد ان سيطرت علي العراق انقلبت هذه الوعود الي تراجعات ورغبة بابقاء قواتها في العراق لسنين غير معلومة والسعي لاقامة قواعد عسكرية فيه، واباحة العراق وفتح ابوابه ومنافذه امام الوافدين الجدد واولهم الاسرائيليون، ولقد تنبه العراقيون الي حال بلادهم فاخذنا نسمع من خطباء الجوامع تحذيرات للعراقيين بعدم التعامل مع الاسرائيليين وتحريم بيعهم اراضي او بيوت او التعامل مع شركات تسعي للمشاركة في اعمار العراق بالتعاون مع بعض الشركات العربية. ورغبتها باستئناف ضخ النفط العراقي الي اسرائيل واعادة تشغيل خط (الموصل ـ حيفا) الذي توقف العمل به منذ عام 1943.

اخيرا يجب الاعتراف بأن المقاومة الوطنية العراقية في بداياتها، وقد تظهر مجموعات اخري جديدة ويتوسع نطاق عملها، كما يجب الاعتراف ايضا ان هذه المقاومة لا تستطيع انهاء الاحتلال بالسرعة التي سيطر فيها علي البلاد ولكنها تستطيع ارباك خططه ومشاريعه باقامة دائمة او قواعد ثابتة في العراق وتحويل حياة جنوده الي جحيم مرعب، ولذا تسعي الادارة الامريكية بعد ان بدأت تعترف بخطر ضربات المقاومة الي اشراك دول اخري حليفة لها في مهمة حفظ الأمن بالعراق لتخفف العبء عن قواتها.