الوحدة الفلسطينية الداخلية تزيد من تفاقم المأزق الاسرائيلي

 

 

 

بقلم : د. بشير موسي نافع

 

كان مدهشا ان يصرح رئيس اركان الجيش الاسرائيلي، عشية اعلان القوي الفلسطينية قرارها بوقف اطلاق النار، ان قواته حققت الانتصار علي الانتفاضة. ولم تمض ساعات علي تصريحات رئيس الاركان حتي جاء الرد في استطلاع للرأي العام الاسرائيلي، مدللا علي ان اكثر من سبعين بالمئة من الاسرائيليين لا يوافقون رئيس اركان جيشهم في استنتاجه. يشير هذا التباين الي مستوي اليأس الذي يحيط بتصور قادة الدولة العبرية للأمور وتهاوي سراب الانتصار علي الفلسطينيين الذين تابعوه بوحشية لا مثل لها طوال الاعوام الثلاثة الماضية. نعم، لقد قبلت فتح وحماس والجهاد بوقف لاطلاق النار، ولكن خطوة لم تقدم عليها قوي المقاومة الفلسطينية منذ زمن اتسمت بالحكمة والثقة وبعد النظر والصلابة التي اتسمت بها خطوة وقف اطلاق النار. لقد اوضح الفلسطينيون خلال شهور الانتفاضة الطويلة ان شعبا صغيرا موحدا قادر علي الصمود امام اعتي آلة عسكرية وامنية في العالم والوقوف امام تحالف سياسي دولي. جاء قرار وقف اطلاق النار ليثبت الفلسطينيون علي انهم قادرون علي الحفاظ علي وحدتهم مهما بلغت الظروف السياسية المحيطة بهم من التعقيد.

لخص ارييل شارون برنامجه، عند توليه رئاسة الوزارة الاسرائيلية، في نقطتين اساسيتين: التعهد بالقضاء علي الانتفاضة الفلسطينية خلال ثلاثة شهور، ورفض استئناف التفاوض مع السلطة الفلسطينية الا بعد توقف الجانب الفلسطيني نهائيا عن العنف المناهض للاحتلال ولفترة زمنية تحددها الحكومة الاسرائيلية. لأجل تحقيق اهدافه، وكلما تعقدت الطرق امامه، سارع شارون الي تصعيد وتيرة العنف الاسرائيلي العسكري الموجه ضد الفلسطينيين وقياداتهم ومختلف جوانب حياتهم. استهدف شارون الرئيس عرفات، ساعيا الي ابعاده نهائيا عن المناطق الفلسطينية، اعطي اوامره للجيش الاسرائيلي باجتياح كل مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، واغلب قطاع غزة، وفي موازاة ذلك، اطلق حملة اغتيالات واسعة للقيادات والكوادر الفلسطينية من كافة التوجهات. في كل بقعة وصلت اليها وحدات الجيش الاسرائيلي، سالت الدماء، دمرت البيوت، واقتلعت الاشجار. وبعد عامين علي توليه السلطة وذهابه الي اقصي مدي ممكن من العنف كان فشل شارون قد اصبح محققا. قوي المقاومة الفلسطينية، وحتي قبل ساعات من اعلان وقف اطلاق النار، كانت توجه ضرباتها الموجعة اينما ارادت وكيفما ارادت. وبالرغم من الاغتيالات المتكررة للقادة والكوادر الفلسطينية، فان قوي المقاومة وصلت الي مستوي من القوة والالتفاف الشعبي لم تصله منذ توقيع اتفاق اوسلو. للتخلص من حماس والجهاد وكتائب شهداء الاقصي لا بد من التخلص من قطاع مترام من الشعب الفلسطيني، وهو امر غير متأت لا للحكومة الاسرائيلية ولا لأي مؤسسة امنية فلسطينية. عرفات بالطبع ما زال في موقعه، وقد كسب الكثير من التأييد الشعبي الذي كان قد خسره اثناء سنوات القمع والفساد والتراجع امام الاسرائيليين.

وشارون اضطر اخيرا الي التفاوض مع السلطة الفلسطينية تحت دوي القذائف والهجمات، متناسيا شروطه السابقة. الشعار الاسرائيلي الشهير: دع الجيش ينتصر سقط في اوحال جنين ورفح وجباليا. فلماذا اذن وافقت قوي المقاومة الفلسطينية الرئيسية علي وقف اطلاق النار؟

لم تصدر قوي المقاومة الفلسطينية قرارها بوقف اطلاق النار في اطار تفاوض مع الدولة العبرية ولا حتي بفعل وساطة خارجية بين قوي المقاومة والقيادة الاسرائيلية. كان القرار قرارا فلسطينيا داخليا للاستجابة لشأن فلسطيني داخلي. لقد واصلت القوي الفلسطينية مقاومتها للاحتلال بلا تهاون ولا قلق من الخسائر او التحولات. كان متوقعا مثلا ان تنحني القوي الفلسطينية ولو قليلا بعد الاجتياح الاسرائيلي الدموي للضفة الغربية في ربيع العام الماضي، ولكن ما حدث ان وتيرة المقاومة تصاعدت بعد الاجتياح عما كانت عليه قبل. وبالرغم من التهديدات الامريكية والذهول الذي اصاب المنطقة والعالم بعد سقوط بغداد، فان نشاط المقاومة الفلسطينية استمر بلا هوادة. الواضح ان خطوة وقف اطلاق النار استهدفت تعزيز الوضع السياسي للسلطة الفلسطينية في مواجهة الدولة العبرية والضغوط الامريكية، كما استهدفت تعزيز اللحمة الفلسطينية الداخلية وتجنب انفجار صراع فلسطيني ـ فلسطيني.

ليس هناك من شك بأن مباحثات كامب ديفيد في صيف 2000 قد اشرت الي مرحلة جديدة من الاجماع الفلسطيني عندما رفض الوفد الفلسطيني، بما في ذلك عرفات وابو مازن، المقترحات الامريكية ـ الاسرائيلية للتسوية النهائية. استقبل الموقف الفلسطيني الرسمي في كامب ديفيد استقبالا ايجابيا من الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع والشتات. وقد ولدت الانتفاضة من هذا الموقف ومن الاجماع الفلسطيني الذي نجم عنه. ولكن الحقيقة ان تيارا داخل القيادة والسلطة الفلسطينية نظر دائما الي حدث الانتفاضة بقلق، خاصة بعد ان تحولت نشاطات الانتفاضة، تحت وطأة العنف الاسرائيلي، من العصيان المدني الي العمل المسلح. هذا التيار، الذي يقف ابو مازن علي رأسه، هو الذي يمسك بمعظم خيوط القرار الفلسطيني السياسي الآن. ولكن رؤية ابي مازن من هذه الزاوية فقط هي رؤية جزئية.

ابو مازن 2003 ليس ابو مازن 1993. فقد ذهب منذ زمن بعيد التفاؤل الذي صاحب توقيع اتفاق اوسلو، وبات واضحا لأبي مازن والكثير ممن وضعوا كل رهانهم علي مسار اوسلو ان الصراع علي فلسطين اكثر تعقيدا مما ظنوا، وان عملية التفاوض تتعلق اكثر بتدافع الارادات منها بأوهام تأسيس الثقة مع الجانب الاسرائيلي والصبر علي الانحياز الامريكي. والمؤكد ان التيار الذي دفع باتجاه قرار وقف اطلاق النار والحكمة الفلسطينية التي احاطت عملية اتخاذ القرار ارتبطا معا بتلك الخلفية، خلفية القلق من التحول في مسار الانتفاضة والخبرة المريرة لمسار أوسلو.

الجهة الرئيسية التي تسعي الي تهدئة وتيرة الصراع في فلسطين هي بالطبع الولايات المتحدة. وتقف وراء هذا السعي الامريكي عدة اسباب. تدرك واشنطن، اولا، ان الحليف الاسرائيلي قد فشل في ايقاع الهزيمة بالفلسطينيين وحسم الصراع بالقوة، وان الصمت الامريكي علي العنف الاسرائيلي الهمجي يجر الكثير من المتاعب علي الولايات المتحدة في العالمين العربي والاسلامي كما في العالم ككل. وتريد واشنطن، ثانيا، ان يساهم تدخلها في الشرق الاوسط باتجاه التسوية في تحسين موقعها الدولي الذي اهتز اهتزازا مقلقا بسبب الغزو غير المبرر وغير الشرعي للعراق. ولكن اهم الاسباب ربما، ان سوء الحسابات الامريكية في العراق اخذت في تحويله الي مستنقع كبير لقوي الاحتلال. ومن المنطقي ان تري الادارة الامريكية في تصاعد المواجهة الدموية في فلسطين خطرا علي اوضاع القوات الامريكية في العراق.

ومن هنا جاءت الضغوط الامريكية المتزايدة علي الدول العربية الرئيسية ذات العلاقة المباشرة بالوضع الفلسطيني، وعلي القيادة الفلسطينية الجديدة الممثلة بأبي مازن. ان مشروع التهدئة في فلسطين سابق علي الغزو الامريكي للعراق، ولكن احتلال العراق ضاعف من مستوي الضغوط الامريكية في هذا الشأن. علي ان من الضروري التذكر بأن واشنطن تدرك ايضا حقيقة المأزق الاسرائيلي، ولذا فان تحركها الجديد لم يتجل في ضغوط التهدئة فحسب بل ايضا في وعود العمل علي اقامة دولة فلسطينية مستقلة خلال عامين، بغض النظر عن مصداقية هذه الوعود. حققت الضغوط والوعود الامريكية استجابة عربية واضحة، تبلورت كما هو معروف في بيان شرم الشيخ. ومهما قيل حول بيان أبي مازن في العقبة، فلا بد ان يري في ضوء البيان العربي السابق عليه وفي ضوء الاستجابة الفلسطينية الرسمية الحذرة والذكية للضغوط الامريكية.

لقد ارتفعت اصوات سياسية واكاديمية فلسطينية قريبة من الدوائر الامريكية والاسرائيلية تدعو رئيس الوزراء الفلسطيني الي بدء التفاوض حول الانسحاب الاسرائيلي بغض النظر عن موقف القوي الفلسطينية المقاومة. والهدف من تلك الدعوة كان واضحا وهو جر الفلسطينيين الي مواجهة دموية داخلية. ولكن تحرك أبي مازن جاء منضبطا وحذرا وحريصا. فقد رفض تسلم اية مناطق من الاسرائيليين قبل التوصل الي اتفاق وقف اطلاق النار، ورفض استهداف البني التحتية للمقاومة او نزع سلاحها، وجعل هدفه التهدئة والتفاهم الفلسطيني الداخلي، متجنبا الصدام الي اقصي درجة ممكنة. خلف هذه السياسة الحذرة والحريصة تقف تجربة التسعينات وعجز الفلسطينيين عن المضي بمسار اوسلو الي نهايته عبر التفاوض المجرد. يدرك ابو مازن، ربما اكثر حتي من عرفات، ان تسليم كل الاوراق الفلسطينية من البداية ومرة واحدة لن يأتي للفلسطينيين بشيء، لا من حكومة شارون ولا من ادارة بوش. وخلف ذلك ايضا توازنات القوي الداخلية وادراك القيادة الفلسطينية ان الحديث لا يدور حول قوي معزولة بل عن تيار شعبي كبير بات يمثل الاغلبية الفلسطينية في الضفة والقطاع والمهجر.

ليس هذا اول وقف لاطلاق النار بين الفلسطينيين والاسرائيليين. في الحقبة اللبنانية، انتهي وقف اطلاق النار في الجنوب باجتياح اسرائيلي لكل لبنان. وقد شنت الاجهزة الفلسطينية في 1996 حملة قمع شاملة ضد حماس وجهاد، ليتحول اتفاق واي ريفر الي آخر الاتفاقات في مسار اوسلو. وقد شهدت الانتفاضة الحالية عدة محاولات لفرض وقف لاطلاق النار، انتهت في اغلبها بخروق اسرائيلية سافرة. المأزق الحقيقي في الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي هو مأزق اسرائيلي، سواء كان هناك اطلاق نار او تفاوض، وذلك لان الدولة العبرية عاجزة عن كسر الارادة الفلسطينية من جهة وعن الاستجابة لادني المتطلبات الدولية للسلام من جهة اخري. وقد اراد شارون من خارطة الطريق ان تصدر مأزقه الي الجانب الفلسطيني، وان تبدأ بحرب اهلية فلسطينية. فكان ان نجحت القوي الفلسطينية في تعزيز الوحدة الداخلية وتعميق المأزق الاسرائيلي.

هذا الصراع، في النهاية، هو صراع طويل. ان كان قد مر عليه حتي الان اكثر من خمسة وثمانين عاما، فليس من المتوقع له ان ينتهي خلال عام او عامين او حتي عشرة اعوام. ولكن نتيجته لا يجب ان تكون موضع شك. ولعل من الضروري التذكر دائما ان توازنات قوي هذا الصراع هي فلسطينية فقط في تجلياتها، ولكنها عربية في جوهرها وحساباتها. وقد يتحول العراق اخيرا من سبب لتفكك الوضع العربي وضعفه وتصاعد حالة الهجوم الامريكي الي سبب لاعادة التماسك الي الوضع العربي وفرض تراجع امريكي. مما هو مؤكد، علي اية حال، ان الصراع علي فلسطين سيكسب في النهاية بالنقاط وليس بالضربة القاضية.