المؤتمر القومي العربي وأوهام التأثير على أمريكا من داخلها

 

 

 

بقلم :د. ابراهيم علوش

 

تضمن البيــان إلى الأمة الصادر عن المؤتمر القومي العربي الرابع عشر المنعقد في صنعاء، اليمن، في 23-26 حزيران/يونيو 2003، الكثير من الإيجابيات مثل التشديد على الربط بين حق العودة والتحرير،وكالإشارة إلى خطورة الاختراق الأمريكي-الصهيوني للعديد من المؤسسات الأهلية عن طريق المعونات المالية المشبوهة، كما تضمن الكثير من نقاط الضعف مثل عدم التأكيد على عروبة كامل فلسطين في معرض التنديد بما قيل في مؤتمر العقبة عن يهودية الدولة الصهيونية، وكالاعتبار الضمني أن قضيتي التنمية والديموقراطية في الوطن العربي مشاريع يمكن تحقيقها قطرياً بمعزل عن المشروع الوحدوي العربي.

 

وليس ضرورياً اتفاق المشاركين في أي اجتماع على كل تفصيل وجزئية، غير أن بعض الفقرات والمقررات في صدر البيان بصدد العمل السياسي داخل أمريكا تبدو وكأنها تسربلت بأوهام التأثير على الإدارة الأمريكية من داخلها، وهي مشاريع الاندماج بالنظام الأمريكي التي تروجها بين العرب والمسلمين الأمريكيين لسنوات اللجنة العربية الأمريكية لمكافحة التمييز ADC ومجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية CAIR.

 

فقد جاء القرار الأول للمؤتمر القومي العربي كما يلي: «1 - إنشاء مركز عربي لدراسة الشؤون الأمريكية داخل الولايات المتحدة الأمريكية، يتولى تشريح المسرح السياسي والاجتماعي الأميركي ودراسة آليات عمله ودوافعه وعلاقات قواه وطرائق صنع القرار وتوفير فهم افضل لهذا المشهد المركب والبالغ التعقيد، واعتبار هذا المركز هو المدخل الأجدى والأصح في هذه المرحلة لتأسيس عناصر قوة ضغط وتأثير متدرج وممكن في صياغة القرار الرسمي الأمريكي».

 

ولعل تسرب أضغاث أحلام التأثير «في صياغة القرار الرسمي الأمريكي» عن طريق العمل من داخل أطر النظام السياسي الأمريكي من أخطر الاختراقات التي حققها التيار الرسمي الأمريكي على الإطلاق في مؤتمر العروبيين المجتمعين في صنعاء.وهو اختراق يكفي وحده ليشكل موطئ قدم لتهتك نزعتهم النضالية بالكامل ولإلحاقهم مستقبلاً بالآلية السياسية للمشروع الأمريكي-الصهيوني بذريعة المناورة أو كسب الرأي العام في معسكر الخصم، تماماً كما أدت النقاط العشر في المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974،وقرار تعزيز الاتصالات مع ما يسمى بقوى السلام أو اليسار «الإسرائيلي» في نفس المجلس من خلال أبو مازن وعصام السرطاوي، لوضع موطئ قدم فلسطيني للاعتراف بحق دولة العدو بالوجود، وفي النهاية، للالتحاق بعملية أوسلو وملحقاتها.

 

فتأثير العمل السياسي داخل النظام الأمريكي لا يأتي من فراغ كما يتوهم البعض، وهو بالأساس ليس نظاماً مفتوحاً للتأثيرات بالقدر الذي يتصوره دعاة تقليد اللوبي اليهودي-الصهيوني في الولايات المتحدة.ولا يتم تأثير اللوبي اليهودي على الكونغرس بمعزل عن القوة الاقتصادية والسياسية والإعلامية للجالية اليهودية ككتلة متماسكة ضمن المجتمع الأمريكي، وهي بالأصل جزءٌ لا يتجزأ من قوة المؤسسة الحاكمة الأمريكية.

 

والأهم أن سبب دعم الإمبريالية في أمريكا، وفي أوروبا قبلها، للحركة الصهيونية يعود لتقاطع المصالح بين الطرفين، لا بسبب العلاقات العامة الذكية للوبي الصهيوني فحسب، حتى لو افترضنا جدلاً عدم وجود قوة اقتصادية يهودية عالمية متميزة. فأوروبا الاستعمارية رأت من مصلحتها أن تنشأ دولة «إسرائيل» منذ أواسط القرن التاسع عشر لمنع قيام الوحدة العربية، وأمريكا ما زالت مستمرة بدعم الكيان الصهيوني للسبب نفسه: تقاطع المصالح والحاجة الأمريكية-الصهيونية المشتركة لإبقاء الوطن العربي ضعيفاً ومجزأً.وشتان ما بين هذا الموقع وموقع العرب والمسلمين الأمريكيين الذين يضرون بمصالح المؤسسة الحاكمة الأمريكية في الهيمنة على موارد وجغرافية المنطقة العربية بقدر ما ينجحون في سعيهم لدعم قضيتي تحرير فلسطين والوحدة العربية.

 

وقد ورد في قرار آخر في البيان الختامي للمؤتمر القومي العربي بند ينسج على نفس المنوال: «3 - تفعيل دور الجالية العربية والإسلامية في الولايات المتحدة وبريطانيا وكل دول الغرب ... وإدراجها في الحياة السياسية العامة من خلال النضال من اجل قضايا المواطنة...».ولكن الأمور ليست بهذه البساطة.فما يتبع عادةً دعوات «الانخراط» في النظام الأمريكي هو إدانة «الإرهاب» واللقاءات مع رئيسه لإضفاء الدعم الإسلامي عليه عند المفاصل الحساسة، ودعوات التركيز على الشؤونالداخلية على حساب القضايا العربية والإسلامية «البعيدة».

 

وعلى أية حال، أدعو القراء الكرام لمتابعة النقاش حول أوهام العمل العربي والإسلامي من داخل النظام السياسي الأمريكي على الرابط التالي:

 

http://www.freearabvoice.org/arabi/maqalat/HawlaAwham.htm