لماذا نتجاهل الشيشان ؟!

 

 

 

بقلم : عاطف الجولاني

 

ذكرت سابقا، وفي هذا المكان، أن قضية الشعب الشيشاني المسلم، ومثلها قضية الشعب الكشميري المسلم، لمتحظيا بالدرجة التي تستحقانها من التعاطف والتأييد، وظلتا قضيتين ثانويتين على هامش اهتمام العرب، ربمالأن الخصم ليس أمريكا التي تحظى في عالمنا العربي بكراهية وعداء شديدين.

 

وخلال العام الأخير تطور أداء المقاومة الشيشانية بصورة مثيرة للإعجاب، وتمكنت من إيقاع خسائر فادحة بقوات الاحتلال الروسي، الذي بدأ يدرك كم هو مكلف استمرار سيطرته على أرض الشيشان وشعبه وثرواته، لكنه ما زال يكابر ويرفض الانصياع لمنطق الحكمة والعقل، ويصرّ على التعنت واعتماد الخيار العسكري في معالجة أزمته في الشيشان، موصدا كل الأبواب أمام خيار الحل السياسي، الذي يحفظ للمواطنين الروس أمنهم، ولجيشهم عودة سالمة من الشيشان.

 

في ظل هذا التطور النوعي في أداء المقاومة الشيشانية، وتعمق أزمة الجيش الروسي الذي ظهر عاجزا عن حسم المعركة عسكريا، بدأت القضية الشيشانية تأخذ أبعادا جديدة، وتحظى باهتمام أوسع في المحافل السياسية الدولية، لكن ذلك لم يرافقه اهتمام مواز في العالم العربي والإسلامي، المبتلى والمنكوب بكثير من الهموم والجراحات.

 

ويحتج بعض مدّعي الحكمة، بأن لا مصلحة لنا في اتخاذ مواقف قد تثير علينا حفيظة روسيا الصديقة، التي يمكن استقطابها لنصرة قضايانا العربية في مواجهة الهيمنة والتفرد الأمريكي. وذات الحجة يطرحونها بخصوص القضية الكشميرية، فلا مبرر في رأيهم لخسارة الهند صديقة العرب التاريخية.

 

وينسى هؤلاء أن العالم تغير، وتغيرت معه مواقف أصدقاء الأمس وحلفاؤه. فهند نهرو وعدم الانحياز، ولّتعلى ما يبدوإلى غير رجعة، ويحكم الهند منذ أعوام حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي المتطرف، الذي وصلت درجة عدائه للعرب والمسلمين، وتحالفه مع العدو الصهيوني، مستويات متقدمة. وروسيا الشيوعية المعادية لأمريكا والإمبريالية انتهت، ويحكمها الآن حفنة رأسماليين باحثين عن الدولارات والمساعدات الغربية، حتى وإن كانت على حساب الكرامة والمبادئ، التي لم يعد لها مكان في عالم اليوم لدى كثير من السياسيين المنحرفين.

 

إن مواصلة تجاهل معاناة الشعب الشيشاني المسلم الذي يرزح تحت نير الاحتلال الروسي وظلمه وقهره، خطأ كبير ينبغي التوقف عن اقترافه. فقد أظهر الشعب الشيشاني روحا قتالية عالية، وفدائية واستعدادا غير محدود للتضحية، وصمودا أسطوريا، وتصميما على على السعي نحو الانعتاق والتحرر مهما كان الثمن. وفوق ذلك قدم صورة غير مسبوقة من تميز دور المرأة وفعلها الاستشهادي الذي بات يثير حيرة العالم.

 

ولمدّعي الحكمة والعقلانية نقول:

 

حين نخذل الآخرين هل يحق لنا أن نطلب منهم أن يتفاعلوا مع قضايانا؟ فكما أنلنا قضايا عادلة تستحق دعمهم ومساندتهم، لهم أيضا قضايا عادلة تستحق دعمنا وإسنادنا. ومن لا يعطي لا يحق له أن يطلب.

 

ويخطئ بعض مثقفينا إن هم لم يقتنعوا بعد كل ما شهدناه من متغيرات، بأن عمقنا الإسلامي مهم جدا لقضايانا، وإن كان عمقنا العربي أقرب وألصق.

 

بقي أن أقول، إن الأخوة الشيشان في الأردن والعالم العربي، مطالبون أكثر من غيرهم، بتبني قضيتهم، وتفعيل التعاطف معها عربيا وإسلاميا. ولا أقصد التقليل من جهودهم ودورهم البارز الذي قاموا ويقومون به في خدمة قضيتهم، لكن أعتقد أن عدالة قضيتهم، تستدعي منهم ومنا اهتماما أكبر.