أفق مراجعة الإشكالية القومية

 

 

 

بقلم :ياسين الحاج صالح 

 

كلا على حدة او كتلة، الدول العربية اليوم اقل استقلالا مما كانت في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته. وهي الى ذلك اقل وزنا دوليا، أضيق آفاقا، اقل تفاعلا فيما بينها، اقل اندماجا داخليا، أقل ثقة بالنفس، واحتياطيها من الممكنات على اي من هذه الصعد قريب من الصفر. وإذ هي لم تنجح في التصرف كتلة فإن أيا منها لم تسجل فرقا ذا بال في التصرف المؤثر منفردة.

كيف نقارب هذا الواقع؟

نصدر غالبا في تفكيرنا بالشأن العربي عن اشكالية تقابلية: كتلة عربية او دول منفردة، او وفقاً للغة القومية العربية عن ثنائية قومي/ قطري. ومن الطبيعي أن تكون النتيجة التي نصل اليها واحدة من اثنتين: إن الرابطة العربية هي التي تمنع الدول المفردة من التحرك الطليق في عالم الحداثة والعولمة، او بالعكس إن انفراد الدول العربية هو السبب في عجزها عن تحقيق تقدّم منسجم على الصعد التنموية والاستراتيجية والديموقراطية.

لكن الملاحظ أننا لسنا حيال عجز عن التصرّف <<القومي>> يفتح الآفاق <<القطرية>>، ولا حيال عجز عن التصرّف <<القطري>> لأن الآفاق <<القومية>> مغلقة او غير مواتية. فالعسر الذي تعاني منه الفكرة العربية على المستويين الفكري والمؤسسي لم يحرر <<الدولة القطرية>> كما قد يفضل <<القطريون>> او الوطنيون المحليون، لكن هذا العسر ليس كذلك السبب في عجزها وتكرار فشلها كما قد يفضّل <<القوميون>>. والأرجح أن العجز عن العمل القومي والقطري معاً يعود الى عجز عام عن العمل لا يجد أسسه التحليلية أو العملية في إطار إشكالية قومي قطري. فالدولة العربية ليست عاجزة لأنها دولة <<قطرية>> ولا لأنها تمارس سياسة قومية وتضحي من اجل العرب أجمعين كما تحب بعض نخبها ان تصور الأمر. فإذا أردنا فهم شلل هذه الدولة الدول فيجب ان نبحث عنه في مكان آخر. وهذا المكان الآخر هو بنى السلطية الداخلية وأنماط ممارسة السلطة في هذه الدول. وهي بنى وأنماط لا تشتق من <<الوطنية القطرية>> ولا من <<القومية العربية>>، حتى لو تمفصلت مع تلك وهذه بأشكال مختلفة خلال نصف القرن المنصرم.

تنقلب الاشكالية من هذا المنظور انقلابا تاما. فالدول التي نفضت يدها من اية سياسة <<قومية>> عربية لم تستطع ان تمارس سياسة <<وطنية>> محلية منسجمة ومثمرة. وهذا بالضبط لأنها لم تستطع، قبل هذه وتلك، ان تكون دولاً وطنية حديثة. فلم يعد الخيار ولعله لم يكن يوما بين ان تكون هذه الدول قومية او وطنية بالمعنى الشائع للكلمتين، بل ان تكون دولا حديثة (وبالتالي وطنية فعلا، وربما <<قومية>>) او ان لا تكون. ومن منظور الدولة الحديثة لا يمكن لانفساح فرص العمل العربي المشترك ان يتأسس على غير انفساح الآفاق امام القوى الاجتماعية والسياسية في كل من الدول العربية. والعكس صحيح. فلو حصل بمعجزة ما ان اندمجت الدول العربية الحالية في دولة واحدة فسيكون هناك 22 حزبا انفصاليا في هذه الدولة. وبالعكس، لو كان في كل من هذه الدول 22 حزبا سياسيا وتيارا إيديولوجيا حرا فإن من المحتمل جدا ان يكون احد محاور تنافسها هو من منها يسبق الى شكل مثمر من اشكال التعاون العربي.

الأمة علاقة وليست كياناً

إذا لم نكتشف الأمة في داخل كل بلد فلن تكون الأمة العربية غير تجريد بلا مضمون من النوع الذي تتاجر به أنظمة دكتاتورية لتأبيد نفسها. وهذا لأن الأمة نظام حكم ديموقراطي ورابطة سياسية مدنية قبل ان تكون <<قوماً>> أو رابطة ثقافية او لغوية. وهي علاقة اجتماعية بين الافراد الاحرار وليست جوهرا او كيانا او مجموعاً. والأمر بكل بساطة ان الديمقراطية في عصرنا ليست الصيغة الوحيدة لحكم الأمم بل لوجود الأمم بالذات. ولا نقصد بذلك بقاءها او صمودها في مواجهة التحديات بل كون الأمة غير الديموقراطية مفهوم متناقض او متهافت ذاتيا. بل إن الأمة حتى بالمفهوم الثقافي او الماهوي تواجه خارج تنظيمات الديموقراطية واحدا من خيارين لا ثالث لهما: الانحلال، او التحجر في اختلاف انثروبولوجي محض.

هناك اليوم معنى واحد لأن تكون الدولة دولة وطنية حديثة، هو ان تكون دولة ديموقراطية. وهذا نقيض المعنى الايديولوجي الدارج الذي يكاد يرسخ ارتباطا ثابتا بين وطنية الدولة واستبداديتها. ومن المرجح انه بقدر ما تكون الدول العربية وطنية بهذا المعنى فإنها ستجد العمل العربي المشترك هو الأفق الأقرب والأنسب (لكن ليس الحصري بالضرورة وليس من المرغوب ان يكون الحصري) لتقدمها والبيئة الطبيعية لحياتها وتفاعلها. فبما هي الصيغة الوحيدة للدولة الوطنية فإن التنظيمات الديموقراطية هي ايضا البيئة الاكثر صحية لممارسة سياسة قومية عربية. ثم إن الديمقراطية ايضا هي الاطار الوحيد لتجديد شباب الفكرة العربية ولنشوء موجة قومية جديدة. وبالعكس لم يفض الاستبداد إلا الى <<بهدلة>> الفكرة العربية وتشويه سمعتها وتنفير الناس منها، وهو ما ينسجم تماما مع الأجندة الاميركية في المنطقة العربية منذ ستينيات القرن العشرين وحتى اليوم.

إن الإشكالية <<القومية>> التي اعتادت أن تدير ظهرها للمواطنين الافراد وبناء دولة الحق والحريات العامة واستقلال المجتمع المدني وتداول السلطة لم تثمر غير حلول فوقية وشكلية زادت المشكلات العربية تعقيدا بدلا من ان تبسطها. واستمرارها اليوم لم يعد يتيح حتى هذه الحلول، إن لم نقل إنه يغطي سياسات استبدادية تقوّض الاستقلال <<الوطني>> والتعاون <<القومي>> معاً، ومضمونها المحتوم هو الالتحاق التبعي بمعسكر الغالبين. وبالعكس لا يمكن للفكرة القومية أن تجدّد حيويتها إلا من نافذة اشكالية الديمقراطية والاستبداد. ويستحيل ان تكتسب هذه الفكرة مضمونا ديمقراطيا دون ان تتجاوز مطلب الاستقلال والتحرر من السيطرة الاستعمارية نحو بناء التنظيمات الديمقراطية الداخلية. وإنما بدأنا العودة الى العصر الاستعماري بسبب الفصل بين الوطنية او القومية المناهضة للامبريالية (وهي تنحدر اليوم الى مستوى <<سياسة الهوية>> وصناعة الكاريزما) وبين الوطنية او القومية المبنية على الموطنة والحرية والمساواة.

المسألة كلها بالتالي في نمط ممارسة السلطة وهياكل الحكم ونوعية العقد الاجتماعي في الدول العربية، وليست في الايديولوجية التي تعتنقها النخب الحاكمة. ولذلك حين تكون هذه الدول غيرالديمقراطية اقل <<قومية>> فإنها لا تكون أكثر <<وطنية>>، وحين تكون اقل نرجسية محلية فإن العروبة لا تكسب شيئا لأننا في كل الحالات نبقى في عالم الايديولوجيا وحده.