كيف تنظر "إسرائيل" لاحتلال العراق؟!

 

 

بقلم : عدنان أبو ناصر

 

ترى "إسرائيل" أن ما حدث في العراق يشكل فرصة ذهبية لابد من استغلالها في مشروعات سياسية واقتصادية، وحتى أمنية تصب في مصلحة الأطماع الصهيونية وتتيح توجيه ضربات جديدة للعرب .تنظر "إسرائيل" إلى الاحتلال الأنكلو- أمريكي للعراق كنافذة فرص لتمرير أوسع قدر من المطامع الإسرائيلية إليها، فإضافة إلى المكسب العسكري والسياسي الذي تحقق لإسرائيل بإسقاط العراق، فإن الصهاينة يحاولون نسج منظومة من المصالح الاقتصادية التي بدؤوا بإطلاقها والتخطيط لها حتى قبل الاحتلال. تدور الأطماع الاقتصادية الإسرائيلية بما يخص العراق حول جملة من المشاريع، ورغم أن من بينها ما يعبر عن أمان أكثر من كونها مشاريع حقيقية قابلة للتنفيذ، خاصة أنها تفتقر للقابلية العملية للتنفيذ وللجدوى الاقتصادية نفسها، إلا أن مثل هكذا مشاريع تعبر بشكل أو بآخر عن مدى الشهية الإسرائيلية للسعي نحو الاستغلال الكامل لما حصل في العراق، ونشير هنا إلى بعض الخطط الإسرائيلية التي يتداولها الإعلام الإسرائيلي منذ فترة، ملقياً بذلك الضوء على بعض المطامع الإسرائيلية المخطط لها من جهة، ومن جهة ثانية يفيد ويوضح مدى الاستغلال الإسرائيلي لكل حدث ومستجد. أولاً- المنافسة في مجال المقاولات تقول المعلومات إن بعض الخبراء الإسرائيليين في مجال البنى التحتية وجدوا في صناديق بريدهم رسائل من شركة انترناشيونال تشيمونس الموجودة في واشنطن تعلمهم فيها أنها ستكون مسرورة إذا ضمتهم لقائمة الأحد عشر شخصاً المكونين لطاقم إعادة بناء العراق بعيد المدى الذي يجري إعدادهم للمهمة.. الفائزون في العطاء سيجتازون فحصاً أمنياً حتى يسمح لهم بالوصول إلى المواد السرية. الرسائل تشير إلى أن الشركات قد قدمت اقتراحاً لشركة التخطيط "بارسون"، وهي بانتظار الفوز به، ولهذا الغرض بدأت بالبحث عن الخبراء استعداداً للفوز، وأكد الإعلام الإسرائيلي أن شركات إسرائيلية مسجلة في الولايات المتحدة ستكون أيضاً معنية بمشروعات ما يسمى إعادة إعمار العراق، وحسب صحيفة (هآرتس 3/4/2003) فإن المنافسة على العطاءات تشتد بين الشركات منذ الآن، وكانت صحيفة (معاريف 30/3/2003) قد أشارت في اليوم الحادي عشر للحرب، وكتمهيد للدخول إلى العراق بطرق التفافية، إلى أن "إسرائيل" ستساعد في عمليات الترميم، ونقل عن وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم قوله: إن بإمكان "إسرائيل" أن تساعد في جملة من المجالات بما فيها الطب والإغاثة والإرشاد للخبراء العراقيين(!!)، وتشير المصادر الإسرائيلية السياسية إلى أنه لما كان العراق أرضاً صحراوية، فلدى "إسرائيل" ميزة واضحة على الأمريكيين والأوروبيين في مجالات المعرفة، ولاسيما في كل ما يتعلق باستغلال المياه والزراعة. وفي سياق اللهاث الإسرائيلي للفوز "بحصة" من العقود، تجري حالياً شركات إسرائيلية مفاوضات مع شركات أمريكية وبريطانية بشأن مشاركتها فيما يسمى إعادة تشييد العراق في قطاعات الإلكترونيات والاتصالات والبناء، وكشفت صحيفة (معاريف 11/4/2003) أن هذه الشركات تجري اتصالات مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية المختصة بعقود إعادة اعمار العراق، مشيرة إلى أن الشركات الإسرائيلية تسعى لإقامة شراكة مع شركات بولندية حصلت على الموافقة للإسهام في بعض مشروعات إعادة الاعمار نظراً للدعم الذي قدمته وارسو لأمريكا في العدوان على العراق. ثانياً- خط أنبوب النفط بين الموصل وحيفا يأتي في مقدمة الآثار التي تتوقعها "إسرائيل" في هذا المجال إعادة ضخ النفط عن طريق خط الأنابيب الواصل بين الموصل وحيفا، والذي قطع منذ قيام الكيان الصهيوني عام 1948. وفي هذا المجال أكدت صحيفة (يديعوت أحرونوت 9/4/2003) أنه مع احتلال العراق أجريت اتصالات بهدف استئناف تشغيل أنبوب النفط منذ عهد الانتداب البريطاني من الموصل في العراق إلى حيفا في فلسطين المحتلة عبر الأردن، ونتيجة لذلك فقد تقرر في المداولات بين مكتب رئيس الوزراء ومكتب وزير البنى التحتية يوسف بريتسكي، تكليف بريتسكي مناقشة تنفيذ هذا المشروع، وقال بريتسكي: "إن لدي معطيات تفيد بأن الحرب في العراق ستؤثر بشكل حاسم على اقتصاد الطاقة الإسرائيلي، فهناك اتصالات رسمية، وحسب بريتسكي، فإن تشغيل الأنبوب من شأنه أن يخفض أسعار الوقود بنحو /25/ في المائة، وحيفا ستصبح روتردام الشرق الأوسط!!". ثالثاً- المطالبة بما يسمى تعويضات اليهود العراقيين منذ بداية الحديث الأمريكي حول الحرب على العراق، نشط عدد من المراكز في الكيان الصهيوني بإصدار الدراسات وعقد الندوات والمؤتمرات حول "الحق والأموال اليهودية الضائعة في العراق وضرورة التعويض عليهم"، ومن بين هذه المراكز: مركز تراث يهود بابل، والمنظمة الدولية ليهود الدول العربية، وما يطالب به هؤلاء هو التالي: تعويض ثلاثمائة ألف يهودي من "بابل" ومن اليهود الأكراد في "أربيل" الذين هاجر معظمهم إلى الكيان الصهيوني في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، وبحسب هؤلاء فإنهم خلفوا وراءهم أراضي زراعية ومحلات تجارية ومنازل وحسابات في البنوك تقدر بثلاثين مليار دولار، ويقول في ذلك مردخاي بن فورات رئيس مركز تراث يهود بابل (في ملحق معاريف 17/1/2003): إن التعويضات عن الأموال المفقودة ستدفع كجزء من اتفاق سلام مستقبلي مع حكومة العراق بالرغم من أنها عملية معقدة ومنوطة بها سلسلة من الاشتراطات والشكوك، أما عوفيد بن عوزير سكرتير المنظمة الدولية ليهود الدول العربية ومقرها في فلسطين المحتلة، فكان أكثر حذراً، إذ قال: قد يقول العراقيون: ندفع لكم ولكن شريطة أن تعوضوا للفلسطينيين، وفي هذه الحالة فإن حكومة "إسرائيل" ستحسم المبالغ وتدفع للفلسطينيين من أموالهم. إن من يتابع السياسة الإسرائيلية الرسمية والممارسات العملية على الأرض، يجد أن حكومة شارون تعمل من منطلق استغلال أحداث /11/ أيلول وما أفرزته من تغييرات متطرفة في السياسة الأمريكية، فقد رأى شارون أن هذه الأحداث وضعت الولايات المتحدة في خندق واحد مع "إسرائيل" فيما يسمى بمكافحة الإرهاب، وتحت هذا الشعار سعت "إسرائيل" لإقامة وضع جديد في المنطقة تكون هي في مركز ثقله، وقدمت المخابرات الإسرائيلية كماً هائلاً من المعلومات إلى الولايات المتحدة للتحريض على اتخاذ موقف أمريكي تجاه فصائل المقاومة الفلسطينية وبعض الدول العربية. وليس صدفة أن "إسرائيل" تواصل، بل تصعد الحملة ضد سورية، وتصل في تحريضها إلى اليمن والسودان وليبيا والسعودية... كل ذلك يشير إلى ملامح "الخريطة الجديدة" التي يريدها شارون للشرق الأوسط، وعندما يقول إنه يريد أن يسمع إذا كانت هناك توجهات جديدة لدى الأمريكيين، فإنه في الواقع يريد أن تكون هناك توجهات على جميع الأصعدة، وفي صلبها الصراع مع العدو الصهيوني. ميدانياً سعت الإدارة الأمريكية إلى الاهتمام بكل ما من شأنه أن يثير قلق "إسرائيل"، على حد تعبير مراسل (هآرتس) في واشنطن نتمان غوتمان، ولهذه الغاية تم تشكيل طاقم أمريكي- إسرائيلي مشترك للمتابعة والتنسيق، وأجريت مناورة دفاعية مشتركة "جو نيفر كوبرا" لحل مشكلة الدفاع الجوي، وربطت "إسرائيل" مسبقاً بشبكة أقمار التجسس الأمريكية، وتم إبلاغ الجهات الإسرائيلية مسبقاً بموعد الهجوم على العراق، إضافة إلى ربط "إسرائيل" بمنظومة المراقبة الجوية التابعة للقيادة الوسطى للقوات الأمريكية، ودخلت القوات الأمريكية والبريطانية العراق للسيطرة على المواقع التي أطلقت منها الصواريخ على "إسرائيل" في عام 1991، وقد قال شارون نفسه في هذا الصدد: "إنه خلال الحرب على العراق ساد مستوى من التنسيق بين "إسرائيل" والولايات المتحدة لم يسبق له مثيل في تاريخ البلدين منذ إقامة "إسرائيل"". والأمر نفسه ينطبق على "خريطة الطريق" وخطاب بوش حول تسوية أزمة الشرق الأوسط (حزيران 2002)، وكلاهما أعدا بالتعاون المشترك مع شارون كما كان قد كشف خلال لقائه مع صحيفة (هآرتس) بتاريخ 14/3/2003، فكونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي الأمريكي تقول: "إن أمن "إسرائيل" هو المفتاح المؤكد ليس فقط لأمن المنطقة، بل وأيضاً لأمن العالم"، والرئيس الأمريكي بوش يقول بعد اجتماع العقبة: "الولايات المتحدة ملتزمة بقوة، وأنا ملتزم بقوة، بضمان أمن "إسرائيل" كدولة يهودية". وأخيراً لا يوجد أدنى شك في أن تداعيات احتلال العراق وآثاره ستكون بعيدة المدى على المنطقة بأسرها، وستحاول "إسرائيل" الدخول على خط احتلال العراق لجني مكاسب سياسية واقتصادية ولتوجيه ضربات جديدة للعرب.