الهدنة بين منظور المقاومة ومفهوم شارون

 

 

بقلم : حسين عطوي

 

تسود مخاوف من أن تكون الهدنة التي تم الاتفاق عليها في فلسطين المحتلة مقدمة لخلق الظروف والمناخات المواتية لمحاصرة قوى المقاومة الفلسطينية ونزع سلاحها والقضاء على الانتفاضة، بما يحقق للعدو أهدافه التي عجز عن تحقيقها بواسطة القوة العسكرية وممارساته الإرهابية والوحشية.

وتنطلق هذه المخاوف من معطيات ووقائع أبرزها:

1- أن الهدنة تأتي إثر نشر خريطة الطريق التي تنص فقرتها الأولى على وقف ما تسميه أعمال العنف، أي عمليات المقاومة ونزع سلاح الانتفاضة وحصر حمل السلاح بالأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية فقط.

2- التشديد الإسرائيلي الأميركي على تفكيك حركات المقاومة الفلسطينية واعتقال قادتها وإعلان رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس موافقته على ذلك وهو من الذين يجاهرون في الدعوة إلى النضال السلمي وعدم اقتناعه بجدوى المقاومة المسلحة، حيث أعاد تأكيد ذلك بعد اجتماعه الأخير مع شارون.

3- أن تجارب الشعب الفلسطيني في كل محطاته النضالية أظهرت أن كل الانتفاضات والثورات الفلسطينية تم إجهاضها عقب التوصل إلى اتفاقات الهدنة ولذلك بات الحديث عن الهدنة يعني الحديث عن تصفية الانتفاضة.

والسؤال الذي يطرح في هذا السياق، هل أن الهدنة الجديدة سوف تكون مماثلة للهدن التي حصلت في الماضي لناحية أن تكون مقدمة للقضاء على المقاومة والانتفاضة أم أن الأمر سيكون مغايراً هذه المرة.

أولاً: بداية لا بد من الإشارة إلى أن الهدنة المؤقتة التي تم التوصل إليها لمدة ثلاثة أشهر بين فصائل المقاومة الفلسطينية (حركة حماس، حركة الجهاد وكتائب شهداء الأقصى) وحكومة محمود عباس كانت مشروطة: بتوقف جيش الاحتلال عن ممارسة شتى أنواع الاعتداءات ضد الشعب الفلسطيني وفي مقدمها وقف الاجتياحات وعمليات الاغتيال والحصار وإطلاق جميع الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية وانسحاب القوات الإسرائيلية من جميع المدن والقرى الفلسطينية.

وحسبما رشح من معلومات فإن فصائل المقاومة رفضت إدراج خريطة الطريق ضمن بنود الهدنة لأنها ترفض مبدأ الخريطة، وهي ترفض بأي شكل التخلي عن المقاومة أو سلاح الانتفاضة، وأن الهدنة التي وافقت عليها ضمن شروط محددة تستهدف بالدرجة الأولى امتصاص الحملة الواسعة ضد المقاومة والانتفاضة وكسب الموقف الأوروبي الذي أخذ مسافة عن الموقف الأميركي، وإحباط محاولة تفجير حروب أهلية فلسطينية، وهي مقتنعة بأن حكومة شارون لن تقبل بهدنة من هذا النوع لأنها تريد نزع سلاح المقاومة واستسلام الشعب الفلسطيني.

ومثل هذا الموقف يتسم فيما يبدو بنضج وتكتيك عال المستوى في إدارة الصراع في مواجهة التعقيدات والظروف المستجدة مما يجنب المقاومة والانتفاضة الدخول في معارك جانبية ويجعلها أكثر تحصيناً ما دامت أنها هي من يملك على الأرض زمام الأمر.

ثانياً: إن حكومة شارون تريد هدنة وفق تصورها هي تماماً كما تريد خريطة الطريق مع التحفظات الـ 14 التي وضعتها عليها، والهدنة بمفهومها هي التي تعطي فرصة للسلطة الفلسطينية لنزع سلاح المقاومة وتفكيك حركات المقاومة وهي ترى أن انسحاب الجيش الإسرائيلي من بعض المناطق في قطاع غزة وبيت لحم إنما لاختبار مدى جدية حكومة محمود عباس في تحقيق هذا الهدف الذي تريده فيما أعلن شارون عزمه على مواصلة هجماته وأنه لا توجد أي قيود على تحركات الجيش الإسرائيلي الأمنية في المناطق التي لم ينسحب منها ولم تسلم للسلطة الفلسطينية.

ويشجع شارون على الاستمرار في هذه السياسة، الموقف الأميركي الداعم له، حيث وصف وزير الخارجية الأميركي كولن باول قرار الهدنة بالتطور الإيجابي لكنه شدد على تفكيك منظمات المقاومة.

فيما الاجتماع بين شارون ومستشارة الأمن القومي الأميركي كوندوليزا رايس عن رفض إسرائيلي لإبداء أي مرونة عندما أبلغت رايس شارون معارضة واشنطن للجدار الفاصل متخوفة من أن يكون جداراً سياسياً فكان رد شارون بأن الأمر يتعلق بالأمن الإسرائيلي وأنه لا مساومة في هذا الموضوع.

ما تقدم يظهر بوضوح أن حكومة شارون ليست في وارد الالتزام بهدنة وفق ما تم الاتفاق عليه بين فصائل المقاومة وحكومة محمود عباس مما يعني أنها سوف تنسف الهدنة عندما ترفض إطلاق سراح جميع المعتقلين الفلسطينيين والانسحاب من جميع المدن والقرى الفلسطينية وتواصل عمليات الاغتيال وملاحقة المناضلين الفلسطينيين في مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، وفي هذه الحالة سوف تكون حركات المقاومة الفلسطينية في حل من الهدنة ويصبح من حقها المشروع الرد على الاحتلال الذي رفض الالتزام بشروط الهدنة، وسيكون استئناف علميات المقاومة مفهوماً على صعيد الشعب الفلسطيني وعلى الصعيد الدولي، وسيكون شارون هو المتهم في السعي إلى تخريب ونسف محاولات التهدئة، وها هو شارون يسارع إلى تفجير الهدنة بمواقفه المذكورة التي أرفقها بالسماح للمستوطنين بدخول باحة الحرم مجدداً حيث كانت زيارته في 28 أيلول من عام 2000 مع المستوطنين إلى الحرم القدسي الشرارة التي أشعلت الانتفاضة.

ثالثاً: إن وعي حركات المقاومة للمسلك الإسرائيلي وما يسعى إليه شارون يشكل عاملاً هاماً في إحباط محاولات النيل من المقاومة والانتفاضة خاصة وأن الشعب الفلسطيني يقف بأغلبيته إلى جانب خيار المقاومة كما أظهرت جميع استطلاعات الرأي التي كشفت عدم ثقة الفلسطينيين بالاحتلال بعد التجارب المريرة.

ومثل هذا الوعي المترافق مع اختلال ميزان القوى فلسطينياً لصالح خيار المقاومة والانتفاضة يحول دون أن تتحول الهدنة لتصبح مقدمة لتصفية الانتفاضة خاصة وأن الشروط التي وضعتها حركات المقاومة للهدنة، لا تنطلق من مراهنات سياسية أو أوهام على عملية التفاوض لتحرير الأرض واستعادة الحقوق المغتصبة وهي مراهنات جرى اختبارها إلى النهاية في خلال سبع سنوات عقب توقيع اتفاق أوسلو.

ثم إن الأمر لم يعد يفسح المجال أمام سلوك طريق الخداع والمناورة تجاه القضايا الأساسية والجوهرية للصراع بعد انتفاء كل الهوامش، فالمطلوب من العدو الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 والقبول بعودة اللاجئين الفلسطينيين وهو ما لم ينضج له بعد حكام "إسرائيل" والمجتمع الإسرائيلي.

ولذلك فإن الاستنتاج المنطقي هو أن هذه الهدنة لن تكون تكراراً للهدن التي حصلت في الماضي لأن الظروف اختلفت ولأن وعي الشعب الفلسطيني ونضج قوى المقاومة يحولان دون ذلك ولأن العدو الصهيوني يرفض القبول بشروط الهدنة التي وضعتها حركات المقاومة وهو يريد الهدنة كمقدمة لإنهاء الانتفاضة وفرض مشروعه التصفوي للقضية الفلسطينية.