هل يفلح مشروع مستقبلي منفرد لدولة عربية بمعزل عن المحيط الجغرافي العربي؟

 

 

 

بقلم :هويدا طه

 

في أجواء تتواتر فيها أحاديث كثيرة عن (مستقبل المنطقة)، والمقصود بالمنطقة هنا الشرق الأوسط من منظور دولي والمنطقة العربية من منظورنا الإقليمي، تتزلزل الأرض تحت أقدام النظم العربية والشعوب علي حد سواء، ويوّلد الشعور بالخطر وضبابية المستقبل أفكارا قديمة متجددة، يعبر عنها عادة بعبارة (المصلحة الوطنية العليا)، ما يلفت النظر في هذا التعبير هو تردده في كل بلد عربي علي لسان مسئوليه ومثقفيه وبالتبعية أيضا مواطنيه، ويعبر في جوهره عن (محاولة منفردة للنجاة)، لكنها نجاة لو تحققت الآن، فالسؤال إلي متي تدوم؟وماذا بعدها؟. سؤال (وماذا بعد) يعيد إلي الأذهان التساؤل عن (مشروع المستقبل) الذي تردد فور خروج الاستعمار القديم إبان مرحلة التحرر والاستقلال الوطني في القرن الماضي، طرحت في تلك الآونة مشروعات عديدة بعضها انعزالي النزعة وبعضها وحدوي عربي طوباوي وبعضها إسلامي ماضوي، وبعضها حسم أمره بالتبعية التامة لقوة عالمية هنا أو هناك، في إطار الرأسمالية العالمية ممثلة في الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا، وبعد انتهاء القرن الماضي لم ينجح أي من هذه المشاريع في تحقيق التنمية والتقدم والحرية للشعوب العربية، ليجدد السؤال نفسه من جديد (وماذا بعد) ؟. وفي محاولة للبحث في مقولة (المصلحة الوطنية العليا) ومدي إمكانية تحققها في كل بلد عربي فعلا، وليس قولا فقط أو هروبا، فالسؤال هو ما هي تلك المصلحة لكل بلد منفردا، وهل يستطيع تحقيقها لنفسه بمعزل عن الجيران ـ الدائمين إلي جواره أبدا بحكم الجغرافيا ـ بما لا يترك له مجالا للاختيار؟ فالمنطقة العربية (التي مازلنا رغم كل شيء نسميها في أدبياتنا الوطن العربي!) تنقسم ثقافيا واقتصاديا وسياسيا إلي عدة دول تختلف مشاكلها عن بعضها البعض، إلا أنها عجزت جميعا عن حلها منفردة.

 

أولا منطقة المغرب العربي:

 

في مقالٍ له تعليقا علي يتعرض له العراق قال المفكر المغربي محمد عابد الجابري:"مرت بجواري ولم تسوء ني"! والحقيقة أن الفيلسوف الكبير ربما انطلق في مقولته هذه من مرارته التي تتبدي في كل كتبه تقريبا تجاه أي أمر عربي مشرقي لأسباب تاريخية توغل فيها كباحث أصيل، فالعالم الأبعد في أقصي الشرق وأقصي الجنوب وكل أرجاء المعمورة يعتبر نفسه متأثرا بالجموح والاندفاع الأمريكي للسيطرة والهيمنة علي موارد الكوكب من أقصاه إلي أقصاه!ودول المغرب العربي ليست بعيدة عن (المأزق العربي)، مرة لأنها تتحدث العربية وتدين في أغلبها بالإسلام وتتأثر بكل ما تسقطه عليها تلك اللغة وذلك الدين من تعقيدات ثقافية، تنعكس عليها كما الحال مع الدول العربية الأخري في الجوار العربي، ومرة لأنها تنتمي لدول العالم الثالث الذي تسحقه أقدام الدول الغنية، وإذا كانت مشكلة الفقر المستعصية تتوعد المغرب بمستقبل غامض، ومشكلة الخصام الداخلي في الجزائر رغم ثروتها النفطية تتسبب في فقر وبطالة وأزمة هوية جزائرية مروعة، ومشكلة القمع تهدد تونس بانفجار، ومشكلة الانعزال تهدد الشعب الليبي في صميم علاقته بالعالم والمستقبل، فإن تلك المشاكل علي تباينها طرحت لها حلول محلية في كل بلد منهم علي حدة، وفشلت جميعها، فلا قانون الوئام المدني في الجزائر أوقف دماء شعبه التي تسيل في عبثية منقطعة النظير، ولا الخصخصة عادت علي الشعب الجزائري بتنمية وتقدم ورفاه، ولا استطاعت دعوات الطلاق البائن مع المشرق العربي أن تلحق دول المغرب بأوروبا المتقدمة، فحلم دول المغرب بما يمكن وصفه (قطف علي الجاهز) لثمار وحدة وتقدم أوروبا، والتي حققتها عبر جهد ودماء وحروب دامت قرونا، هو حلم يثير سخرية الأوروبيين أنفسهم، ولا استطاع الشعب التونسي رغم ما حققه من قدر ملحوظ من تنمية اقتصادية وتقدم نوعي في مسألة حقوق المرأة (المهمة لأي مجتمع يتطلع للخروج من أسر الماضي المتخلف) أن يتغلب علي أزمة حرمانه من حرية التعبير، ولا المضي قدما لتحقيق تنمية أكبر بكثير من ذلك المعدل الذي يدور حوله، ولا يبدو أن الليبيين نجحوا في تحقيق شيء لا مع أفريقيا ولا مع أمريكا ولا حتي مع أنفسهم!، الجميع أخفق لأن أحلامهم كانت (أحلاما صغيرة)، ووسائلهم كانت (قبلية)، وتحليلهم للمشكلة كان (عنصريا) طائفيا أنانيا، لا يتماشي مع التغير الكبير الذي طرأ علي مفهوم الدولة الحديثة، صارت محاولة التملص من أي شبهة انتماء أو ارتباط مع الشرق العربي محاولة محمومة في عنصريتها، فهم ليسوا عربا..هكذا يطرحون.. هم أمازيغ أو مغاربيون أو من أصول أوروبية أو غيرها من الأعراق..وكأن هذا كاف لتخليصهم من عبء الفشل الذي هو في الواقع ليس فشلا عربيا فقط، فهو فشل فرض فرضا علي دول العالم الثالث، والهروب من الانتساب للإقليم لن يفيد، تصور المغاربيون بدء من ليبيا وحتي المغرب ومن بينهما أن في الانعزال عن إقليمهم الجغرافي الفاشل نجاة! ففشلوا جميعا في القبض علي أي طوق ينتشلهم، فلا أوروبا ترحب بهم، ولا أميركا قبلتهم وهي التي لا ترحب أبدا بأحد من العالم الثالث إلا كي تمتص شركاتها دماءه! ومازال المغرب مغبونا في اتفاقيات حقوق الصيد في وحول مياهه، ومازالت أوروبا وسوقها المشتركة مستعصية علي دول المغرب، ومازال هاجس الهجرة الجنوبية يهيمن علي الأوروبي تجاه دول الجنوب..افتحوا أسواقكم لنا..هكذا تطالب أوروبا.. لكن البحر بيننا إذا حاول شبابكم البائس الهروب من جحيمكم ليشاركنا في رفاهيتنا، مفكرو دول المغرب ومثقفوها يتغاضون عن مشكلة انفراد الجنرال والملك والقائد بالسلطة، ويغاضون عن التغييب المتعمد لمشاركة شعوبهم في إدارة البلاد، ويتغاضون عن التبعية للمركز الغربي الغني المنتج، ويركزون فقط علي (عدم جدوي) البحث اليائس عن حل إقليمي، ينجو بالجميع من هذه التبعية للغرب، التي لا تخدم سوي رفاهية أبناءه المدللين علي حساب مئات الملايين من البشر في أطراف العالم، في حين أن كل المؤشرات تشير إلي عبثية وعدم جدوي محاولة الحل الفردي لدول الجنوب أمام قسوة الغرب المسلح بتقدم علمي واجتماعي هائل،..المستقبل المتحرر من التبعية للمراكز الغنية لن يكون إلا بالتطلع إلي حل جنوبي، يشمل في بدايته دول المحيط الجغرافي لدول المغرب العربي، والذي في نواته الأولي هو بالضرورة عربي، ومرة أخري..جغرافيا وليس عرقيا عنصريا!.

 

ثانيا: مصر والسودان

 

نظرا لقدم مصر كدولة وكيان متجذر في هذه الأرض فإن تعقيد أمر نجاتها و (مصلحتها العليا) يقارب في ثقله حمل التاريخ الطويل، فرغم هذه الأقدمية لمصر (كدولة) إلا أنها وكما دول المغرب العربي ما زالت تحاول حسم هويتها بعد كل تلك الآلاف من السنين، رغم أنها ثقافيا (بعنصري الثقافة الأساسيين الدين واللغة) حسمت نهائيا كدولة عربية ـ بغض النظر عن كراهية البعض لهذا الواقع ـ لكن هذا القدم التاريخي ورغم ثقل حمله علي مصر، فإنه أيضا يفيد في معرفة أهم قانون يحكم (وجود مصر)، فتاريخيا تبين أنه ما إن تبدأ النخب المصرية ـ حاكمة أو مثقفة ـ في الحديث عن (مصلحة عليا منفردة للبلاد)، حتي تتحول مصر إلي كيان منكفئ علي ذاته ضامر مهمش كما هو الحال الآن، وهو أكثر ما يؤلم ويعذب الذات المصرية عبر تاريخها، وما إن تخرج مصر من قوقعتها إلي محيطها الجغرافي حتي تستقر في قالبها الذي صنعته لها الجغرافيا، ويتبدي فيها إبداع فريد في مختلف المجالات الإنسانية (حتي لو تكالبت عليه الأحداث وبترته قبل النضوج)، كما كان الحال في منتصف القرن الماضي بعد نجاح ثورة يوليو، وقبلها عبر عدة دورات من تاريخها، أما تعبير (المصلحة العليا) فإنه عندما يتردد من قبل النخبة الحاكمة، فإنه يصبح تعبيرا طبقيا مباشرا عن مصلحة الطبقة الحاكمة العليا وليس تعبيرا مجازيا عن مستقبل الدولة، كما الحال الآن مع آل مبارك الذي انفرد بملكية مصر بحيث أصبح كل انكماش لمصر بعيدا عن محيطها الجغرافي هو (مصلحة عليا)! بينما كل مصري ـ بسيطا كان أو نخبو يا متأففا ـ يعلم علم اليقين أن ذلك الانكماش الذي يدفع ثمنه من مستقبله ومستقبل أبناءه بل وحاضرهم، هو من أجل مصلحة الأسرة الحاكمة (العليا) المتربعة علي قمة الهرم بلا أي مشروعية تبرر وجودها هناك، فقد انقضت علي مصر ولا تريد أن تترك وراءها شيئا لأهل البيت، وعندما اقترب عمر الرجل الكبير من النهاية أصبحت المصلحة (العليا) هي ضمان استمرار تدفق الكنز في أيدي صغاره! ـ كذلك الذي تصفه الأمثال الشعبية في مصر بأنه (ياخد من التلاتة اتنين ويندم ع التالت!). أما عندما يخرج تعبير المصلحة العليا من النخب المثقفة (المتأففة في غالبها)، فإنه لا يكون إلا جنوحا نحو ربط مصر بذيول المركز الاستعماري الغني في الغرب، وهو ما لن يعطها أبدا الفرصة في إبداع نهج تقدمي يخرجها من فقرها وتخلفها المشين، الذي لا يتناسب مطلقا مع حجم إمكاناتها البشرية والمادية، فتحويل مصر إلي طرف تابع للغرب لن يجعلها مثله، لأن جذر هذا الطرف هنا علي الأرض ينمو بتغذية ثقافية متخلفة ماضوية غيبية، لا تؤدي إلي النتيجة التي حصل عليها الغرب بتغذية معاكسة تماما، تتمثل في الحرية والعلم والتخلص من أساطير الماضي بحسم منقطع النظير، وهو ما أدي إلي سيطرتهم علي العالم الآن، الحل ليس في التبعية للغرب بل في البحث عن حل جذري هنا في الجنوب، وهو ما لن تتمكن مصر وحدها ولا أي دولة أخري من تحقيقه وحدها، وبالتالي نعود لمسألة البحث عن (التكتل) مع المحيط الجغرافي ـ العربي بإلحاح الجغرافيا ـ وأول هذه الضرورة للتكتل هو السودان، الذي وإن كان ينوء بعبء العنصرية العرقية البغيضة والثقافة المشوهة حول الدولة والحكم، والاستبداد والتخلف والفقر رغم غناه الفاحش في الموارد الطبيعية المهملة، إلا أنه أول المحتاجين للتكتل مع مصر كما أن مصر أول المحتاجين للتكتل معه، فالجغرافيا تلح علي الشعوب بأكثر مما يلح أي شيء آخر، وأوهام المثقفاتية السودانيين حول التخوف من الوصاية المصرية علي السودان هي ترف يسلون به أوقات فراغهم أثناء التجوال بين عواصم العالم! وأوهام المثقفاتية المصريين حول الريادة الحضارية فوق السودان هي شيء أشبه بالاستسلام لأوهام الهلوسة! فكلا الشعبين يعاني بسبب هذه الغطرسة المشينة والمكابرة الفارغة من قبل النخب التي ما نجحت في كلا البلدين في تحقيق أي شيء سوي التشبث بأمجاد مزورة!.

 

ثالثا: دول الخليج العربي

 

ما إن تسمع أو تري عبارة (دول الخليج) حتي تتذكر النفط! فالنفط كان مفصلا تاريخيا لكامل دول المنطقة العربية أو الشرق الأوسط، وهو الذي تحول من وسيلة للتقدم ـ نظريا ـ إلي سبب لتكريس العنصرية والأنانية والتفرق، والإغراق في التشبث بماضٍ غير مشرف في أغلبه، للاحتماء بمجده المزور من احتمال تغليب العقل بهدف تحقيق العدالة والحرية! فدول الخليج حديثة العهد بمفهوم الدولة، بضعة مئات وأحيانا عشرات من آلاف السكان ـ باستثناء السعودية لكبر حجمها وكتلة سكانها ـ خرج عليهم أحدهم ذات صباح ليقول لهم (أنتم شعب وأنا مليككم وتلك دولتنا)!، تجربة الدولة كناتج نهائي للتفاعل بين الإنسان والأرض، ومفهوم الوطن ككرامة للفرد وجذر له في تلك الأرض ليس مترسخا لدي من قام علي أمر تلك الدول في ذلك الصباح! بل القبيلة والغنيمة مفهومان أصيلان حكما عقل ولاة الأمر منذ اللحظة الأولي، التقدم والحرية والإبداع وحقوق الإنسان وعدم تشيييء المرأة بل وثقافة العمل والإنتاج، كلها مفاهيم متنافرة مع ثقافة القبيلة والغنيمة والريع! وفكرة الدفاع عن الوطن هي شيء بعيد عن تفكير أصحاب الغنيمة! فعندما أقدم صدام حسين علي اجتياح الكويت ذات صباح كان معظم ولاة الأمر الكويتيين قد أصبحوا قبل الظهر مقيمين دائمين في فنادق القاهرة ودول أخري! واستأجروا جيشا وجنودا لإعادة بقرتهم الحلوب التي سطا عليها الجار العملاق!) وحرصا علي استمرار الغنيمة في أيديهم غرسوا في شعوبهم هاجس التخوف من حقد وطمع المحيطين بهم، حتي أصبح المواطن الخليجي في حالة ذعر دائم من اجتياح الفقراء المتربصين علي حدود جزيرته المعزولة، المتمتعة بثروة هي في جوهرها ثروة (كاش) سائلة لا مستقبل لها، واحتاط ولاة ذلك الأمر ضد أي عاقل من بين تلك الشعوب قد يخرج يوما ويحرض قومه علي الانتباه للمستقبل الغامض لهذا الوضع الإنعزالي، فزادوا من القمع والاستبداد والانفراد بالسلطة وتغييب المواطن الخليجي عن حقه في المشاركة في صنع مستقبل تلك الدول، لكنه وضع لم يدم..خاصة بعد أن بدأت الشركات الأمريكية المتحدة في إدارة ظهرها لهم والتحلل من حمايتهم شيئا فشيئا، ومع التجربة ومرور السنين وانتشار وسهولة وسائل الاتصال والحصول علي المعلومات بين سكان العالم، بدأت بعض النخب الواعية في دول الخليج تدرك مدي خطورة انعزالهم عن محيطهم الجغرافي علي مستقبلهم ومستقبل دولهم، بل وبدأ المواطنون العاديون الذين لم يهتموا يوما بالسياسة ودروبها يدركون أن ليس بالخبز الفاخر وحده يحيا الإنسان، المواطن الخليجي الآن وخاصة في السعودية كبري دول الخليج وأكثرها تأثيرا في لعبة النفط والاستبداد، بدأ يدرك عبثية الاستهلاك المفروض عليه كرشوة قدمت له ليسترخي ويتغاضي عن حقوقٍ له الحق فيها كإنسان، مثل الحرية والإبداع والمشاركة بل وحتي حق تقرير المصير!والخروج من الإنعزال الذي فرضته عمدا نخبهم الحاكمة، يتم هذا ببطء والتباس وحيرة أيديولوجية ودينية، لكنه يتم ـ وخاصة بين الشباب ـ بغض النظر عن الوسائل التي يلجأ إليها ـ عنيفة كانت أو سلمية، راديكالية حاسمة أو إصلاحية، علمانية أو دائرة في فلك ديني، فالمهم أنها شكل من أشكال الإفاقة، ولا يعيبها الالتباس والحيرة، فلم تكن الإفاقة الشعبية يوما في تجارب الشعوب الأخري خطية منتظمة حاسمة منذ لحظتها الأولي، بل كانت تتأرجح بين كل الأشكال الراديكالية حتي وصلت عبر دوراتها إلي تحقيق ذاتها كإفاقة شعبية، وتجربة الثورة الفرنسية مثال علي ذلك، فقد انتهت إلي فرنسا التي نعرفها اليوم، بينما كانت بدايتها التاريخية عنيفة أحيانا فوضوية أحيانا أخري، تداخل فيها الديني والعلماني وغيرهما من التداخلات التي تحدث عادة للشعوب في نضالها ضد الاستبداد، لكن أهم ما في تلك الإفاقة الشعبية الخليجية التي ما زالت تحاول شق بداية الطريق، أنها تدرك أن الانعزال عن محيطها الجغرافي لن يجدي في حماية ثروتها السائلة، وأن مجلس التعاون الخليجي كنادٍ للأغنياء كان منذ ولادته انعزالا عن محيط جغرافي ضخم، لا يمكن تحدي قوانين الجغرافيا بشأنه، حتي ولو بدفن الرؤوس في صحاري الجزيرة العربية!

 

رابعا: دول المشرق العربي

 

إن كان العراق هو حديث الساعة اليوم كدولة منكوبة ومنطقة كوارث!فإن دول المشرق العربي من العراق إلي سوريا ولبنان والأردن إلي (فلسطين .. أول المنكوبين العرب!) كلها دول كنا نسميها في كتب التاريخ المدرسية منطقة الهلال الخصيب وبوادي الشام، لم تكن دولا مترسخة منذ زمن بعيد هنا..بل كانت كمنطقة جغرافية هي المؤثر الحقيقي حضاريا في (تكوين أمة عربية) ـ ليس بالمعني العرقي رجاءً وإنما الثقافي ـ (فالأصول العرقية لتلك الأمة هي في الواقع خليط جمع بين أصول أهل أقصي الشرق القوقازي إلي أهل تكريت وأفريقيا وأوروبا، ساميين كانوا أو حاميين أو غير ذلك من التصنيفات الأنثروبولوجية!) فلا داع إذن لتداعيات عرقية بغيضة كلما تحدثنا عن (الأمة العربية)، بغداد ودمشق والقدس وغيرها من مدن الشرق العربي أثرت سلبا وإيجابا في تكوين العقل العربي، بما تراكم لها من شتات التراث الثقافي البشري الذي تناوب عليها، وفي العصر الحديث حاولت النخب الحاكمة والمتنفذة في تلك المنطقة الإفلات من مصيرها الجغرافي فلم تنل سوي الوهن والضعف والتعرض للخطر، ويبدو ذلك من الوجع الفلسطيني والعراقي الذي أصاب الجميع ، المشكلة الحقيقية هي أن التنافر بين كل المحاولات المنفردة للنجاة في الخليج أو مصر أو المشرق العربي إلي مغربه لم تنجح، لأن العالم تحول بعد التقدم الهائل للغرب سياسيا وثقافيا وتكنولوجيا إلي كتلة غربية هائلة القوة والتقدم في جانب، وباقي سكان العالم مشتتا في جانب آخر، أدرك ذلك الآسيويون والأفارقة وأبناء أمريكا اللاتينية، فحاولوا التكتل في مجموعات إقليمية للدفاع عن وجودهم..إلا العرب!أسري ثقافة القبيلة والغنيمة! فما زال كل جزء منهم يعاند الجغرافيا ويريد النجاة منفردا بما تيسر له من الغنائم!وهو ما قد يؤدي إلي غرق الجميع ما لم ينتفضوا ضد أنفسهم وثقافتهم، وينفضون عنهم عنصريتهم وأنانيتهم وشوفينيتهم، باختصار ..يتحدوا! الصراعات التاريخية بينهم والتي كانت دموية أحيانا لا تعوق مثل هذا الاتحاد، فلم ينزف العرب في صراعاتهم كما نزفت أقوام أوروبا دماء أنهارا عبر تاريخها، ولم تتفرق لغتهم كما تفرقات لغات الأوروبيين، ولم تتباين ثرواتهم ـ رغم النفط ـ كما تباينت ثروات أوروبا شرقا وغربا، لكن الاتحاد الأوروبي قام وفي طريقه لأن يكون عملاقا، ولم تخف الدول الغنية من هجوم فقراء شرق أوروبا علي ثروتها، ولم تعزل نفسها عنهم انفرادا بالغنيمة بل سعي الجزء الغني إلي ضم الفقير، تحقق ذلك كله بع تخلص أوروبا من الاستبداد بشقيه الثقافي والسياسي ـ وليس قبله ـ، العائق الأكبر إذن أمام التكتل العربي الحقيقي هو الاستبداد، هو ولاة أمرنا المستبدين، والمعركة الحقيقية من أجل تكتل عربي يسعي لتقدم حقيقي وثورة إنتاجية حقيقية ليست مع الفكرة ذاتها، وإنما مع هؤلاء الذين تتهاوي قصورهم إذا أدار المواطنون العرب ظهورهم لتاريخهم الأناني العنصري، وكفوا عن (اعتياد واستمراء) الاستسلام للاستبداد، وبحثوا عن ثقافة تعدد حقيقية تضم تلك الدول المتفرقة الواهنة الماضية إلي زوال، وتحترم حقوق الإنسان بغض النظر عن لونه ودينه وعرقه، وتحترم سيادة القانون والمصالح المشتركة بين سكان تلك المنطقة الجغرافية الضخمة المتصلة من المحيط إلي الخليج، تماما كما فعلت أوروبا.. تخلصت أولا من المستبدين والملوك الطغاة فتهيأت للوحدة أو الاتحاد، المعركة القادمة إذن ينبغي أن تكون (معركة عربية شعبية ضد القصور)!.. وهي التي ستكون بالفعل وليس بالدعاية .. أم المعارك!