العراق ينتظر "الفتوى الذهبية"

 

 

 

بقلم :علاء اللامي 

 

انتشرت عبارة <<الفتوى الذهبية>> مؤخرا في العراق، ويقصد بها تلك الفتوى التي ينتظرها العراقيون جميعا ويخشاها المحتلون والتي ستدعو صراحة وبوضوح الى تطبيق فريضة الجهاد ضد قوات الاحتلال الانكلو اميركية. ومع ان <<الفتوى الذهبية>> لم تصدر بعد ولكن المقاومة العراقية على الارض فرضت نفسها بقوة وها هي تتصاعد بوتائر نشطة وباعثة على الفخر والإعجاب في صفوف الوطنيين والاستقلاليين، وعلى الخوف والذعر في صفوف المحتلين وأصدقائهم. ومن اللافت والمعبر ان المقاومة المسلحة التي بدأت بعد ايام قليلة على سقوط العاصمة بغداد تميزت بعدة امور منها: قلة عدد الخسائر البشرية في صفوف المقاومين إذا استثنينا المجزرة الجوية المباغتة التي قامت بها القوات الاميركية ضد معسكر تدريب في وادي <<السحل>> شمالي غرب بغداد والتي قتل فيها عشرات المقاومين غيلة. الامر الثاني الذي وسم حركة المقاومة هو المواظبة والإصرار على القيام بالعمليات الناجحة فلا يكاد يمر يوم واحد من دون ان تسفك دماء المحتلين، وأخيرا فقد خرجت المقاومة من الاطار الجغرافي والديموغرافي الذي بدأت فيه وهو المناطق الغربية والفرات الأعلى حيث الغلبة السكانية للعرب السنة وانحدرت جنوبا حيث حدثت معركة <<المجر الكبير>> التي وصفها العسكريون البريطانيون انفسهم بالضارية وتكبدوا فيها خسائر إضافة الى العملية التي حدثت على مشارف مدينة النجف المقدسة وكذلك حدثت عدة عمليات في منطقة بعقوبة. صحيح ان انتشار المقاومة يظل محدودا وبطيئا في الجنوب والفرات الأوسط، ولكنه لم يعد معدوما لا في النشاط ولا في النتائج الباهرة عسكريا. ولكن كيف يمكن فهم وتفسير هذه المحدودية والبطء في الانتشار المقاوم؟ وكيف يمكن تفسير الدعوات المتلاحقة الى رفض المقاومة المسلحة والتمسك بالنشاطات السلمية ونهج مقاطعة الاحتلال؟ وهل يمكن فعلا الفصل او التدليل على وجود تناقض عميق بين المقاومة السلمية والاخرى المسلحة، خصوصا إذا كان المحتل قد اعلن برامجه الاستعمارية التقليدية وشرع فعلا في حكم البلد حكما استعماريا مباشرا وبدأ بنهب ثروات العراق النفطية خصوصا علنا وقبل ان تقوم حكومة عراقية صنيعة او مستقلة كما وعد المحتل، او حتى إقامة ادارة مركزية احتلالية من الاميركيين انفسهم؟ سنحاول في الأسطر التالية مقاربة الحالة العراقية الراهنة تحليليا بهدف تقديم إجابات او تفسيرات لتلك الاسئلة وللحالة بمجملها:

ثمة عقبتان كبيرتان اعترضتا وما زالتا تعترضان ترسخ وانتشار امواج المقاومة العراقية المسلحة ضد الاحتلال الانكلو ساكسوني. الأولى هي بقاء صدام ومن تبقى معه من قيادته مطلقي السراح، الامر الذي يعقد ويسمم الاجواء السياسية والنفسية ويجعل قطاعات واسعة من الجماهير تعيش تحت وطأة الخوف والقلق من احتمال عودة هذه المجموعة الى السلطة من خلال صفقة مع المحتلين الاميركيين او حتى من دون صفقة كتلك وربما لمجرد تصاعد الخسائر البشرية في صفوف قواتهم. فبعد ما تكشف عن الحقبة الماضية من الحكم والتي تعدت الثلاثة عقود صار ممكنا تفهم مشاعر القلق والشك التي تسود قطاعات واسعة من العراقيين وخصوصا في اقليمي الجنوب والفرات الأوسط وفي العاصمة بغداد نفسها. أما العقبة الثانية فتتمثل بأصدقاء الاحتلال من سياسيين ومثقفين ورجال دين ممن يمكن ان نطلق عليهم أتباع <<حزب التحرير الاميركي>>.

صحيح ان هذه العقبة أقل اهمية وتأثيرا من الأولى وذلك لسببين: فهي اولا محكومة بنوع العلاقة التي تربط بين هؤلاء والمحتلين انفسهم وهذه العلاقة تعيش الآن أسوأ حالاتها، بل يمكن القول ان الاحتلال عاقب اصدقاءه وأذلهم وجرد بعضهم من السلاح اكثر مما فعل بالأطراف التي ناوأته اصلا، وثانيا فهذه العقبة على محدوديتها ستتلاشى تلقائيا بمجرد اشتداد وطيس المقاومة وتحولها الى حركة شعبية واسعة النطاق ترغم دعاة الترحيب بالاحتلال على هجران الميدان والكف عن إطلاق التصريحات او القيام بالممارسات الخيانية الهادفة لخدمة وتسويغ الاحتلال، وهم سيضطرون الى الصمت والانطواء في العتمة مخافة ان تطيح بهم المقاومة ذاتها. لقد جاءت المعركة التي خاضها المقاومون العراقيون في قضاء <<المجر الكبير>> في محافظة العمارة والتي خلفت ستة قتلى وثمانية جرحى بين صفوف الغزاة البريطانيين لتكون منعطفا مهما في مسار المقاومة العراقية ولهذا فهي أشبه ما تكون بصفعة مركبة:

فهي فضحت المصفقين للاحتلال ودعاة <<حرب التحرير الاميركية>> الذين راح بعضهم يتحدث عن (مجموعات تخريبية/ كما كتب كاظم حبيب) او عن (بؤر توتر محدودة في الرمادي والفلوجة/ كما جاء في بيان مجموعة القشطيني والرهيمي ومكية والبريكفاني) وغير هؤلاء ممن يدافعون دفاعا مستميتا عن الاحتلال الاميركي الذي وجه لهم الإهانة تلو الاخرى. لقد تبرع احد هؤلاء وهو الاعلامي فايق الشيخ علي فاعترف على شاشة الاخبار العربية (ann) خلال شهر حزيران بأن عددا من المثقفين العراقيين المروجين للاحتلال والمشاريع الاميركية يقومون بأعمالهم هذه لقاء مبالغ طائلة من المال الاميركي (العراقي المنهوب اصلا) وبموجب عقود عمل وقعوا عليها وإن الأمر طرح عليه شخصيا ولكنه رفض الموافقة والتوقيع. غير ان المؤسف في الأمر ان هذه المجموعة من اصدقاء الاحتلال تمكنت فعلا من خلط الأوراق، ومن جرجرة عدد من الشخصيات المحترمة او تلك التي كان الناس يعتقدون أنها محترمة للتوقيع معهم على بياناتهم المعادية للمقاومة العراقية مستغلين تهيب وشكوك الناس وخوفهم من خذلان الاميركيين المتوقع وعودة الحكم الاستبدادي الشمولي مرة اخرى، والأكثر من ذلك هو ان هذه المجموعة تبرعت وتنازلت من دون وجه حق عن تلك المقاومة وإنجازاتها الى التيارات السلفية وبقايا النظام الاستبدادي المنهار في عملية تضليل مريبة تحاول تصوير شعبنا كحشود ساذجة من المرحبين بغزاة بلادهم. وفي الواقع فإن اصحاب هذا المنطق الذي يلصق المقاومة العراقية ببقايا النظام الشمولي المنهار (مع ان المحتلين انفسهم يتحدثون عن خمسة فصائل او اطراف تشكل المقاومة العراقية، ومع ان عدة فصائل منها اعلنت عدائها وإدانتها للنظام السابق) يتناسون حقيقة ان من يفشل في الدفاع عن عاصمة بلاده لبضعة ايام ويعجز عن استغلال ما لديه من إمكانيات قتالية مهمة هو أعجز من ان يقود عملية مقاومة مؤثرة وفعالة كهذه التي تحدث امام انظار العالم قاطبة.

وهي ثانيا فضحت زيف ادعاءات المحتلين الانكلو اميركيين الذين وعدوا العراقيين، وخاصة اصدقاءهم في معارضة الخارج، بالمن والسلوى والديموقراطية والدستور والحكم المستقل والرفاهية والمجد، وجعلتهم يظهرون على حقيقتهم كلصوص نفط علنيين وأصحاب مشروع استعماري تقليدي للهيمنة وتدمير العراق المشرق العربي عموما وهدفهم في كل ذلك هو تحويلهما (العراق والمشرق) الى حديقة خلفية تشبه جمهوريات الموز الاميركية اللاتينية من الناحية الاستراتيجية ولكنها في الواقع ليس إلا محميات نفطية غارقة في اضواء ناطحات السحاب الصحراوية وعفونة القرون الوسطى ودموية الحكم القبلي المطلق.

إن كل ما تقدم من ملاحظات لا ينبغي ان يُغيِّب من المشهد عدة حقائق صعبة منها عدم وجود انسجام كامل على مستوى الموقف الشعبي العام من الاحتلال، حيث ان أغلب الأحزاب والحركات السياسية الناشطة حاليا تحاول ان تنأى بنفسها عن المقاومة، وتقدم الدليل تلو الآخر على <<براءتها>> منها، وثمة قوى وشخصيات اخرى تتعلل بالاسلوب السلمي في المقاومة ونبذ العنف، ويمكن لنا ان نتفهم موقف هذه القوى ولا نعتبره سلبيا بالمطلق خصوصا وإن الاحتلال وممارساته ستراكم إفرازاتها القمعية والمستفزة، ذلك التراكم هو الذي ستقنع من لم يقتنع بعد بأن المقاومة هي الطريق الوحيد الى تحرير العراق. يمكن لنا هنا ان نشير الى تصريحات بعض رجال الدين والاحزاب الاسلامية <<الشيعية>> التي تشعر اليوم بحرج متفاقم من مواقفها السابقة، ومراهناتها على طريق التغيير عبر الحرب والاحتلال، ويمكن لنا ان نشير الى اللهجة الاعتذارية التي ميزت خطابها مؤخرا ولكن الغريب هو إصرار هذه الاطراف وخاصة حزب المجلس الاعلى بزعامة الشيخ باقر الحكيم على رفض واستبعاد المقاومة المسلحة للاحتلال واعتبارها نقيضا للمقاومة السلمية ونهج المقاطعة وهذا أمر لا سابقة له في تجارب التحرير قاطبة. وحتى هنا يمكن تفهم اصوات بهذه المضامين ولكن ان يبلغ الأمر درجة القيام بتظاهرات ضد المقاومة المسلحة وإلصاقها بفلول النظام السابق كما حدث في قضاء <<المجر الكبير>> فهذا أمر لا يمكن تفهمه البتة او اعتباره بريئا!

ذكرنا في مبتدأ الكلام ان المقاومة سبقت <<الفتوى الذهبية>> التي يخشاها المحتلون خشية كبيرة، وينتظرها الكثيرون، ونعتقد ان إغلاق ملف رموز النظام المتبقين في حالة اختباء وفرار سيعجل كثيرا في صدور <<الفتوى الذهبية>> وسوف يجعل انتشار المقاومة في جميع انحاء البلاد أشبه بانتشار النار في الهشيم. وإذا ما صدرت تلك الفتوى وهذا امر شبه مؤكد فسيكون من الصائب والمفيد ان تصدر عن عدة مراجع دينية <<شيعية>> كبيرة وسيكون الاكثر فائدة هو أن تصدر باتفاق مراجع الطائفتين المسلمتين في العراق لتشكل ركيزة معنوية وروحية لتيار المقاومة ورافعة فعالة لتجربة التحرير. أما إذا هيمن التيار المسالم وعرقل صدور تلك الفتوى فإن المقاومة لن تنتهي بل ستمضي في طريقها وسيكون الخاسر الأكبر مستقبلا هو التيار الاسلامي بشقيه الشيعي والسني ومرجعياته السياسية والدينية معا.