المقاومة العراقية والمأزق الأميركي

 

 

بقلم : أحمد الكناني

 

من «عقرب الصحراء» الى «أفعى الصحراء» فشلت كل الجهود الأميركية لاسكات المقاومة العراقية. وعلى أرض الواقع تحول الاحتلال الاميركي من موقع الهجوم الى الدفاع. فضربات المقاومة العراقية تطال المحتلين ساعة بعد ساعة. وهذا نجاح كبير داخل العراق تحققه المقاومة العراقية.

 

وعلى الصعيد الدولي فقد أجبرت ضربات المقاومة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش للخروج عن صمته والحديث عن المقاومة ولو بلغة التحدي، المهم انه اقر بوجود وبقوة هذه المقاومة.

 

قال الرئيس الاميركي في تصريحات له (يوم الاربعاء الماضي): ان الهجمات التي تستهدف الجيش الاميركي في العراق لن تدفعه الى المغادرة مبكراً، مؤكداً: «يعتقد البعض انهم في حال هاجمونا فسنغادر بشكل مبكر، انهم لا يعرفون عما يتكلمون». وحذر «ان الولايات المتحدة ستتعامل بقسوة مع من يهاجمون القوات الاميركية»، وهذه التصريحات في مجملها هي الأولى من نوعها التي ترد على لسان الرئيس الأميركي بوش.

 

وتعني هذه التصريحات اقرار أميركا على أعلى المستويات بأن المقاومة العراقية صارت حقيقة واقعة. وان محاولات انكار وجودها لم تعد تجدي، بل ان ضربات المقاومة فرضت نفسها عملياً وبقوة على الأجندة الرسمية الأميركية، وأنها تحولت الى هم رسمي لدى رئيس الولايات المتحدة الأميركية، وهذا في حد ذاته مكسب دولي ـ وان كان لايزال محدوداً ـ تحققه المقاومة العراقية.

 

لقد استطاعت المقاومة العراقية ان تثبت وجودها على الساحتين العراقية والدولية (ولو بقدر ضئيل) بما غير من تكتيكات المستعمر الاميركي داخل العراق، فهي حتى الآن حرمته من تثبيت اقدامه، ومنعته حتى الان من الاستمرار في نهب ثروات العراق عبر عملياتها المتعددة.

 

وانها في حال تصاعدها ضد الجنود الاميركيين فإنها ستنقل المعركة ايضاً الى داخل الولايات المتحدة ـ رسمياً وشعبياً ـ مع استمرار وصول جثث الجنود المحتلين الى ذويهم، خاصة وان حملة الانتخابات الرئاسية على الابواب. وهو ما يعني ان الرئيس بوش سيواجه مأزقاً انتخابياً من صنع المقاومة العراقية.

 

هذا المأزق هو ما يخشاه بوش ويحاول تفاديه عبر تحذيراته الجديدة بأن القوات الاميركية لن تترك العراق، كي يثبط من عزائم المقاومين، وهي تصريحات لن ينخدع بها احد، فما يجري على ارض العراق يتحرك عكس اتجاه امنيات وتصريحات الرئيس الاميركي.

 

ومأزق الرئيس الاميركي انه لا يعلم هوية المقاومين كي يشن عليهم حربه الاعلامية، وكي يسترجع ثقة الناخب الاميركي. فالعجز عن تحديد هوية المقاومين يحرم المسئولين الاميركيين من بناء خطاب اعلامي مقنع يتمتع بالمصداقية، فتأتي الاتهامات والتصريحات عامة وغير محددة، لتزيد من أزمة صانع القرار الاميركي وفي مقدمتهم الرئيس جورج بوش.

 

وهذا الفشل الأميركي في مقابل النجاح العراقي يستحق وقفة مساندة عربية. ليس فقط على الصعيد الرسمي وانما على الصعيد الشعبي أيضا، بل وربما الحاجة الآن اكثر الحاحا للمساندة الشعبية اكثر من المساندة الرسمية، خاصة مع العجز الرسمي العربي، وعدم قدرة النظم العربية على تحدي الارادة الأميركية.

 

وفي هذا الجانب تبرز الحاجة الى مساندة شرعية على مستوى الفتوى من علماء الاسلام لتأكيد شرعية المقاومة اسلاميا في مواجهة المحتل الأميركي. صحيح ان الوازع ا لوطني يؤيد هذه المقاومة ولكن الغطاء الشرعي مطلوب وملح في ظل غياب الغطاء السياسي العربي. فعلماء الاسلام الذين افتوا مراراً وعلى اعلى المستويات الشرعية ـ قبل الحرب وأثنائها ـ بوجوب الجهاد مع الشعب العراقي ضد المعتدي الأميركي البريطاني وجب عليهم اسماع أصواتهم تلهج بهذه الفتاوى مجددا ضد قوى الاحتلال.

 

لان هذه الفتاوى ستعزز مكانة المقاومة العراقية وسط شعبها وفي العالم العربي والإسلامي. وقيمة هذه الفتاوى ايضا انها تمثل حائط صد امام الهجمة الأميركية الشرسة على مقدسات وأرواح المسلمين.

 

ويمكن التعويل على احياء لجان مناصرة الشعب العراقي لاستئناف عملها في حشد المساندة لحقوق الشعب العراقي ضد الاحتلال الأميركي. فهذه اللجان لعبت دورا مهما في حشد المعارضة العربية لشن العدوان على العراق. ويجب الا يتوقف جهدها في ظل الاحتلال.

 

ويستدعي الامر ايضا تحركا عربيا على مستوى منظمات حقوق الإنسان، وتلك فرصة امام هذه المنظمات لتطهر نفسها من تهمة التبعية للولايات المتحدة الاميركية، فمن واجب هذه المؤسسات ارسال وفودها ومحققيها الى العراق لتقصي جرائم الاحتلال الاميركي ـ البريطاني بحقوق العراقيين على كل المستويات، فالاخبار الواردة من العراق تشير الى ان الشعب العراقي اصبح بكامله ـ بفعل الاحتلال ـ تحت خط الفقر.

 

هذا الى جانب الانتهاكات الاخرى لحقوق العراقيين على الحواجز وفي الطرقات، وهذا كله يستحق التوثيق والتدوين، ويحتاج الى فضحه وادانته عالميا، وليس هناك اي حرج او عذر أمام تلك المنظمات العربية، بعدما قالته وكشفته منظمة العفو الدولية في احدث تقاريرها وهي تدين كل افعال قوات الاحتلال الاميركي البريطاني في العراق.

 

لقد حان الوقت لتحرك عربي شعبي كفيل باخراج الرسمي عن صمته تجاه العراق، فتلك فرصة عربية ذهبية لهزيمة المخططات الاميركية ضد المنطقة العربية واحباطها في مهدها داخل العراق.

 

وبشكل عام ان الاحداث تتجه الى التصعيد بما يكفل تجاوز اي متراخ عن اداء واجبه الوطني والديني، فالمقاومة العراقية تتصاعد. وكل من يتقاعس سوف تفضحه الايام، فسوف يخرج الاميركيون من العراق بفعل المقاومة مهما طال الزمن. ان المقاومة العراقية قد لا تحتاج ـ في هذه المرحلة ـ متطوعين او أسلحة او مساندة دبلوماسية دولية، ولكنها على الاقل تحتاج الآن الى المؤازرة والتعاطف الديني وفضح ممارسات الاحتلال والتنديد بها، وهذا هو أضعف الايمان.