المؤتمر القومي العربي يناقش احوال الامة ومستجدات ما بعد احتلال العراق

 

 

بقلم :محمد عبدالحكم دياب

 

الدورة الرابعة عشرة للمؤتمر القومي العربي، التي عقدت بصنعاء، في الفترة ما بين 22 الي 27 حزيران (يونيو) الماضي، وجمعت مثقفين ومفكرين وسياسيين عرب، من ثماني عشرة دولة عربية، جاءت وكأنها رد علي ما جري في مؤتمر ديفوس، الذي عقد في الاردن، في نفس الفترة، واطلق عليه مؤتمر البحر الميت. وبدت الاقدار، التي صنعت هذه الصدفة، راغبة في توجيه رسالة الي كل من يهمه الامر، ان الامة العربية ليست في حالة سكون او موت، كما يراد لها، لكي تمر الهجمة الصهيوأمريكية وتحقق اهدافها في الهيمنة والاستيطان و التهويد ، وكانت الرسالة الابرز الصادرة عن المؤتمر القومي العربي هي علي النقيض تماما من رسالة مؤتمر البحر الميت، فالاول قال نعم، وباصرار، للمقاومة والمواجهة والتصدي للهجمة، والثاني قال نعم، وباصرار، كذلك، للاذعان والاستسلام والخيبة.

تدارس المؤتمر، كالمعتاد، تقرير حال الامة ، وهو التقرير الذي يتناول قضايا ومستجدات عام، ما بين دور الانعقاد السابق (2002)، الذي عقد في البحرين، ودورة الانعقاد الحالية. وكشف عجز النظام العربي، ليس عن حماية شعب فلسطين، ولا عن الدفاع عن العراق ومنع احتلاله، بل عجزه عن صون مبادرة سلام ، قدمها الامير عبد الله بن عبد العزيز، ولي العهد السعودي، لقمة بيروت العام الماضي، رغم كل ما انطوت عليه من تنازلات، غير مسبوقة. في تاريخ الصراع العربي ـ الصهيوني!

اشار تقرير حال الامة الي بروز مشاهد تضامن الامة مع شعبها في فلسطين، في عام 2002، بشكل عكس مظهرا واعدا لوحدة الحركة الشعبية العربية، بصورة لم تظهر من قبل، حيث امتلأ الشارع العربي، من اقصي مغرب الوطن العربي الكبير، حتي اقاصي مشرقه، بالمسيرات والمبادرات والتبرعات، العينية والنقدية، وهو مظهر تكرر في مواجهة العدوان علي العراق.

ونوه الي ان عام 2002 حمل، كذلك، نموا متسارعا لحركة عالمية، مناهضة للهيمنة الامريكية والعنصرية الصهيونية، ولسلبيات العولمة في السياسة والامن والاقتصاد والبيئة والثقافة، وكان الملفت للنظر ـ حسب ما ورد في التقرير ـ حضور القضايا العربية في خطاب الحركة العالمية المتنامية، كقضايا الدفاع عن الحرية في فلسطين، او السلام في العراق، وكان الجديد، في آليات هذه الحركة، هو نجاحها في دفع المئات من المناهضين، للاحتلال والعدوان، الي الانخراط في حركة الحماية المدنية لشعبي فلسطين والعراق، وسقوط شهداء من بين هؤلاء.

واكد التقرير ان الامة العربية شهدت تراجعا، يتمثل، علي مستوي الشكل، في عجز الاداء الرسمي والاهلي، في وقت شهدت فيه تقدما عميقا علي مستوي الجوهر، متمثلا في شيوع روح المقاومة، واتساع نطاق الانتفاضة، واحتلت قضايا فلسطين والعراق مكانا خاصا.. حيث استمع المؤتمر الي ورقة عن التطورات في فلسطين ، تناولت آخر المستجدات، والنتائج المترتبة علي تصاعد الارهاب الصهيوني الدموي، الذي لم يؤد الي استقرار العدو علي مدي ألف يوم من تاريخ اندلاع الانتفاضة.

وكذلك تابع المؤتمر الاستماع الي تقرير عن التطورات في العراق ، تناول نتائج الحرب ، ومستوي الدمار، الذي لحق بكافة مجالات الحياة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والامنية، بجانب ورقة عن اسباب العجز العربي، وكيفية علاجه ، ودراسة عن كيفية الانتقال الي الديمقراطية . وعرضا عن العلاقات البينية العربية .. اعقب كل ذلك مناقشة عامة عن اداء المؤتمر القومي العربي، وتقييمه وتحديد وسائل زيادة فعاليته، وكذلك الوضع المالي ووقفية المؤتمر.

مع ذلك اثارت هذه الدورة القلق، منذ لحظة انعقادها، لاسباب عديدة في مقدمتها غياب رموز ونجوم المؤتمر من المخضرمين، ثم مغادرة من جاء منهم قبل انتهاء اعماله، ولم يحضروا جلساته الختامية، التي كانت بالغة الاهمية، بسبب انقضاء المدة القانونية للامين العام والامانة العامة، فقد غاب خير الدين حسيب، الامين المؤسس، كما يطلق عليه، والفقيد محمد البصري السياسي المغربي الكبير، وعلي فخرو، الكاتب والوزير البحريني الاسبق وطاهر المصري رئيس الوزراء الاردني الاسبق، وجاسم القطامي الشخصية الكويتية القومية البارزة، وشفيق الحوت الكاتب والسياسي الفلسطيني، بالاضافة الي غياب رموز جيل الوسط، من بينهم احمد يوسف احمد، عميد مركز الدراسات العربية، التابع لجامعة الدول العربية ومجدي حماد منسق المؤتمر السابق، ود. هدي عبد الناصر، وعدد من رموز الجيل الاصغر سنا، مثل عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة القدس العربي ، وعبد الاله بلقزيز الاكاديمي المغربي، وغادر المؤتمر قبل انتهاء جلساته الختامية كل من محمد فايق، وزير الاعلام المصري الاسبق، واحمد صدقي الدجاني، المفكر والمؤرخ الفلسطيني المعروف، بينما واصل محسن العيني، رئيس وزراء اليمن الاسبق وسامي شرف الوزير المصري الأسبق، وسكرتير الزعيم الراحل جمال عبد الناصر واحمد عبيدات، رئيس المخابرات الاردنية والوزير الاسبق، من جيل الرسميين العرب السابقين، حضور الجلسات الي نهايتها.

هذا الغياب بدا منذرا بامكانية حدوث فراغ قيادي بسبب المركزية الشديدة التي بني علي اساسها المؤتمر، منذ تأسيسه، وقد ادت هذه المركزية الي وجود دائرة داخلية قابضة اشبه بالدول الكبري، داخل مجلس الامن، لها حقوق ليست لغيرها مثل حق النقض وقد شبهها كاتب وسياسي فلسطيني مخضرم، بمجمع الكرادلة المقدس، في النظام الكنسي، كلما احكمت قبضتها ضاقت درجة المشاركة، وتقلصت مساحة الحركة، ومع ان الشكل الديمقراطي وفر وكفل للعضو حقوقا قانونية وطبيعية، الا ان انتخاب الامين العام بقي حقا نظريا، لم يمارس طوال السنوات الماضية، وحيل بين الاعضاء وبين ممارسته، بسبب ضوابط مجمع الكرادلة غير المنصوص عليها في القانون الاساسي، بأن يكون شاغل منصب الامين العام، من بين المسؤولين الرسميين السابقين ومن الذين تقلدوا مناصب وزارية ورسمية عليا، او من الاعلام حسب ما اعلن في هذه الدورة، وكأن هذه النخبة من المثقفين والسياسيين ليست من الاعلام، رغم مكانتها وتميزها وتاريخها. اي ان صفة الاعلام اصبحت قاصرة، هي الاخري علي الدائرة المركزية.

وكان المؤتمر القومي قد شهد، منذ الدورة العاشرة، التي عقدت في الجزائر سنة 2000 زيادة في عدد المطالبين باعادة صياغة البناء التنظيمي للمؤتمر، بصورة اقل مركزية مع الاقرار بأن المركزية قد تكون ضرورية في مراحل البناء الاولي، وعدم انكار الدور المتميز الذي قامت به هذه المجموعة وانجازاتها الكبري في تأسيس المؤتمر وضمان استمراره و المركزية تصبح قيدا فيما بعد استقرار البناء ورسوخ قواعده، وكان غياب اغلب رموزها مهددا لمستقبل المؤتمر، وقد ساد رأي يقول، بأن الدورة الاخيرة اما ان تكون نقلة ايجابية، تعيد تجديد دماء المؤتمر، او نكسة قد تضعفه وتقضي عليه، وترجم هذا الاحساس الي نشاط مكثف، جري وسط الاعضاء بحثا عن مخرج ووسيلة تجنب المؤتمــــر هذه المخاطر.

بدا امر مصير المؤتمر شاغلا وهما كبيرا، فـ المركزية اذا ما اختلت فجأة، دون معالجة صحيحة، قد تؤدي الي انفراط العقد، وهذا نلاحظه في اجهزة الحكم العربية، فمركزيتها واستبدادها ينحط بمستواها ويجعلها في مواجهة شعبها، ولا ندعي ان مركزية المؤتمر كانت نمط استبداد ومركزية انظمة الحكم وذلك لاصرار اعضاء المؤتمر علي ممارسة كامل حقوقهم.

بادر ليث شبيلات، احد رموز التيار الاسلامي الاردني باعلان نيته عن الترشيح لمنصب الامين العام، وقد استغل البعض ترشيحه لتكريس المركزية علي الرغم من ان هدف الرجل كان الحد من تأثيراتها السلبية، واستغل هؤلاء الظروف التي لا تسمح بتسليم قيادة التيار القومي العربي لرموز من خارجه، وهو ما ينطبق علي التيارات الاخري، وهي نفس الظروف التي لا تسمح للتيار الاسلامي، بأن يستورد من يقوده من غير ابنائه او من غير المنتمين اليه، وخاصة انهما تياران لا يشكوان الفقر، لا في الخبرة التنظيمية، ولا في كفاءة العنصر البشري ووفرته، هذا بجانب سبب آخر تداوله الاسلاميون والقوميون الاردنيون، جعلت فرص منافسة ليث شبيلات لمرشح الدائرة المركزية اضعف، بشكل يزيد من اعداد دعاة المركزية ، والسبب هو مواقف المرشح الاسلامي الموصوفة بالاندفاع، بما قد يؤثر علي مستقبل المؤتمر وعلاقاته، وهناك من عمل علي توظيف نية المرشح الاسلامي لصالح دعاة المركزية ولدعم قبضة مجمع الكرادلة !!

وباتصالات مكثفة مع رموز الدائرة المركزية الحاضرين والغائبين، لاحداث هذه النقلة برضاهم، ودون ان تكون بعيدة عنهم، ابدي اغلبهم مشاعر ومواقف ايجابية وطيبة، باستثناء حسن عبد العظيم، امين عام الاتحاد الاشتراكي العربي، في سورية، وطلعت مسلم، من حزب العمل، في مصر، وخالد السفياني، السياسي المغربي، ومعن بشور، الكاتب اللبناني، المدعوم من الوفد اللبناني، ومن غالبية البعثيين، واعضاء من الوفد السوري (من المحسوبين علي الحكومة والمعارضة)، وكامل الوفدين المغربي والتونسي، وامام اعتذار رموز الدائرة المركزية عن الترشيح، باستثناء د. خيري الدين حسيب، الذي قيل انه اشترط ان يكون هو المرشح الوحيد، وكان ذلك ممكنا في هذه الدورة، لرغبة المؤتمر في الالتفاف حول شخصية عراقية، دعما وتقديرا للمقاومة العراقية البطولية للاحتلال الانكلوامريكي، لكن هذا لم يتم، وحتـــــي ساعات قليلة من اغلاق باب الترشيح، لم يكن هنــــاك من تقدم للترشيح لمنصب الامين العام غير معن بشور، علي قاعدة التوافق والتزكية التقليدية، ومع تراجع ليث شبيلات، بدا الأمر وكأنك يا ابو زيـــت ماغزيت .

وكان عدد من اعضاء في الوفد المصري قد التقوا، ليلة الانتخابات، واستقر رأيهم علي ضرورة احداث التحول الديمقراطي المطلوب، وقد كان، وتقدم احدهم بهدف ارساء مبدأ حق الجميع في ممارسة حق الترشيح، وممارسته علي صعيد عملي، والقبول بالنتيجة ايا كانت، وفاجأ هذا الموقف، غير المعتاد، اغلب اعضاء المؤتمر، لأنه جري في الساعات القليلة المتبقية علي غلق باب الترشيح، وكانت في حدود ست ساعات، غير كافية لحملة انتخابية، في مناخ غير مهيأ لها.

واعلنت النتيجة وحصل معن بشور علي 66% من الاصوات وحصل منافسه علي 34%، واعتبر اكثر اعضاء المؤتمر ان الهدف قد تحقق، وتم ارساء القاعدة المطلوبة، واذا كانت ست ساعات، دون دعاية، ادت الي ظهور كتلة تمثل 34% من عدد الاعضاء الحاضرين، فماذا لو كان هناك متسع من الوقت؟ وكان المظهر الملفت هو اقبال الاعضاء علي المرشح الخاسر مهنئين، حتي ان احد اعضاء الوفد الاردني المخضرمين، قال له امنيتي ان اكون خاسرا مثلك ، لأنك فتحت بابا كان من الصعب علي شخص غيرك، وهكذا فتح الباب امام نظام انتخابي اكثر ديمقراطية، وادني مركزية، واقل ابوية!!