أيها السادة القادة! أهذا كثير عليكم؟

 

 

بقلم : عبد الله القحطاني

 

 

أ- إني أحمد الله على أن أسقطت أمريكا نفسها بنفسها في نظر العالم، حين أَسقَطت أهم عنصر في حضارتها، ذات العمر القصير والبريق الشديد، وأعني به العنصر الأخلاقي المندغم بشكل تام في العنصر الثقافي..

هذا العنصر الأخلاقي الثقافي، هو الواجهة الخادعة، للحضارة التي تسعى أمريكا أن تسوّقها في العالم كله، لاسيما عالمنا العربي والإسلامي.. فحين يرى المرء، أياً كانت ثقافته أو كان انتماؤه، ما تفعله أمريكا في أفغانستان، وفي غوانتانامو، وفي فلسطين التي تُشارك (الشارونات) في ذبح أهلها-.. أقول:حين يرى الرائي هذا كله، من تعدّ على إنسانية الإنسان وكرامة الإنسان، وحقوق الإنسان.. من قبل دولة تزعم أنها "أم" الإنسان، و"أم حقوق الإنسان".. حين يرى الرائي هذا -وقد رآه صارخا بشعاً- فإنه لا يملك إلا أن يردّد بفتور، وربما بازدراء: "ما كل ما يلمع ذهباً" ..ثم لا يلبث أن يصرف وجهه تلقاء حضارة أخرى، تحمل قيماً حقيقية يصدّقها أصحابها، حتى لو قصّروا في تمثلها، وحتى لو كان بريق هذه الحضارة أقلّ لمعاناً، أو خطفاً للأنظار، من تلك الزائفة التي يدوسها أصحابها المتاجرون بها..

وإذا سقط العنصر الأخلاقي الثقافي في أية حضارة، وهو أهم عنصر (تسويقي) فيها، فقدت تلك هذه الحضارة قيمتها الحقيقية، وفقدت -بالتالي- قدرتها على تسويق نفسها بين الأمم الأخرى، وكان هذا أول وأخطر مؤشر -بل نذير- بسقوطها التام دوليّاً، ثم بسقوطها داخليّاً، بعد أن تنكفئ على نفسها وتتآكل من داخلها.. إذ لا يبقى منها إلا الوجهان الرديئان: "العسكريّ البشع، والاقتصاديّ الجشع". وهذان لم يشكلا قطّ، فيما قرأنا من سِيَر الأمم، عناصر استمرار وانتشار لأيّة حضارة في الدنيا، ولو عاشت إلى حين. والنماذج التي يقدّمها لنا التاريخ كثيرة، فليرجع من شاء، إلى ما شاء منها، ولن ينقلب إليه البصر خاسئاً وهو حسير.

هذا عن السادة الكبار، أو الذين يحرصون على أن يظهروا كباراً.

ب- أما عن السادة الصغار فالحديث مختلف..

إننا نقول لهم، بل نطلب منهم، ما يلي:

1ً- من كان لديه منهم شيء من الغيرة، أو القدرة على فعل شيء، فلا ينظرنّ إلى سواه قائلاً: "إذا فعل الآخرون فعلت.. وإذا أجمع الآخرون على شيء كنت معهم".. وهي النغمة الممجوجة التي نسمعها صباحَ مساءَ، من أفواه السادة -وأعني بهم رؤوسنا التي بين أكتافنا-..

ففي كل مناسبة، وبلا مناسبة، يخرج علينا فصيح منهم قائلاً: " إذا اتحدنا، أو أجمعنا، أو اتفقنا..كنا أقوياء، واستطعنا أن نجابه عدوّنا، أو نساعد الشعب الذي يُذبح في فلسطين. أما أنا وحدي فلا أستطيع فعل شيء!"..

يقول هذا ثم يثرثر ببعض العبارات البلاغية أمام شعبه، لتسوّق (صحافة الدولة) عباراته هذه معطّرة بصنوف الثناء والمديح والإعجاب.. و.."وكفى الله المؤمنين القتال"..

هكذا..يقيّد "المخلص!" منهم يديه ورجليه في السلسلة التي تقيد أيدي العملاء وأرجلهم، ويقول لهم: "أنا معكم، إن أقدمتم أقدمت، وإن أحجمتم أحجمت، لأني لا أستطيع فعل شيء وحدي". وبالطبع هو يعلم أنهم لن يقدِموا.. وهكذا يبرأ من وصمة التخاذل!

وكذا يفعل القوي، إذ يربط نفسه بالقيود التي تقيد الضعفاء، قائلاً:

"تقدموا لأتقدم معكم"، مدركاً أن ضعفهم يقيدهم .. وبذا يقيم الحجة على سواه، ويدرأ عن نفسه وصمة الجبن والتخاذل..

وهكذا.. تضيع المسؤولية، إذ يُسقطها كلٌّ عن نفسه، بحجة عدم تجاوب الآخرين معه..

إنها صورة المأساة المضحكة، أو المهزلة المبكية.

كلا يا سادة.. ماتريده منكم الأمة، التي أنتم رؤوسها، هو "التفريد".. تفريد بالإحساس بالمسؤولية.. أي "إحساس كلّ منكم بمسؤوليته الفردية" أمام نفسه، وأمام ربه، وأمام شعبه وأمته..

لماذا؟ لأن الأمور بطبيعتها هكذا.. لأن المسؤولية بطبيعتها فردية في الدنيا وفي الآخرة "عند من يؤمنون بالآخرة".

الذي خلقكم يقول لكم: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ، وأن سعيه سوف يُرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى".

ويقول لكم: "كل نفس بما كسبت رهينة" و "كل امرئٍ بما كسب رهين" ويقول لكم: "ولا تزر وازرة وزر أخرى" ويقول لكم: "وكلّهم آتيه يوم القيامة فردا" ويقول: "فقاتل في سبيل الله، لا تُكلَّف إلا نفسك، وحرض المؤمنين".. حرضهم ، لا قيد نفسك بسلاسل جبنائهم وعملاء الأجنبي منهم..

فمن أين جئتم بالمسؤولية الجماعية، عن العجز والتخاذل والتفريط والتبعية للأجنبي؟!

ولِمَ لا تكون "الصلاحية" جماعية، فيتنازل كل منكم عن صلاحياته وسلطاته، ليدمجها بصلاحيات الآخرين وسلطاتهم!؟

فأي رجل منكم، لديه استعداد للتنازل عن ذرّة واحدة من سلطاته الواسعة على شعبه وأرضه وجيشه وثروات بلاده، ليشرك فيها واحداً من أقرب الناس إليه؟

فلماذا تستأثرون بالصلاحيات، وتدفعون عنكم المسؤوليات المترتبة عليها؟ أهذه شطارة، أم فهلوة، أم استغباء لعباد الله، أم استهانة رهيبة بكل ما تعارف عليه البشر من قيم وأخلاق!؟

متى كان الناس يتنافسون في الجبن والتخاذل والضعف والارتباط بالأجنبي؟

لن نطلب من أحدكم أن يقول كما قال عكرمة بن أبي جهل في معركة اليرموك: " من يبايعني على الموت؟" فما نحسب أحداً منكم من هذا الطراز ونرجو المعذرة-! بل يكفي أحدكم أن يقول لأبناء شعبه:

" أنتم أحرار فيما تقدّمونه من أموالكم وأنفسكم وجهودكم.. فمن شاء منكم أن يجاهد، فليفعل، والدولة لن تقف في وجهه.. ومن شاء التظاهر أو الإضراب، فلا قيود عليه، على ألا يسيء إلى سواه، وعلى ألا يخرّب شيئاً من الممتلكات العامة أو الخاصة.".. أهذا كثير عليكم أيها السادة!؟

2ً- والشيء الآخر الذي نطلبه منكم أيها السادة هو:

ألاّ تسلّموا مواطنيكم إلى أعدائهم من حكومات الدول الأخرى. حاكموهم في بلادكم، وفقاً لقوانين دولكم، واضمنوا لهم محاكمات عادلة.. ثم أنزلوا بهم العقوبات التي يستحقونها، إن كانوا مذنبين. أو خلّوا سبيلهم ، لكي يعيشوا في بلادهم أحراراً آمنين تحت ظلال حكمكم الوارفة!

3ً- والشيء الثالث الذي نطلبه منكم أيها السادة هو:

إغلاق المراقص في قنواتكم التلفزيونية، ولو مؤقتاً أيها السادة.. ولو مؤقتاً! فنحن نعلم حرصكم الشديد على الترفيه عن أبناء شعوبكم، التي اعتادت على كرم أخلاقكم، والتي ربيتموها على حفلات الرقص والغناء والطرب، بل سقيتموها هذه "المتع" الرائعة مع الحليب والماء.. لأن "رفاه" شعوبكم الحبيبة، رفاه لكم، وأمان لكم، وضمانة لكراسيكم من كل سوء قد يأتيكم من قِبل هذه الشعوب.. فلن نحرجكم أيها السادة بأن نطلب منكم إغلاق المراقص التلفزيونية إلى الأبد.. بل نقول لكم: "أغلقوها مؤقتاً يرحمكم الله، حرصاً على مشاعر أمتكم، ولاسيما مشاعر إخوانكم الذين يُذبحون في فلسطين الذبيحة"..

فمن المروءات التي توارثتها أمتنا عبر القرون، أن يحترم المرء مشاعر جاره، فلا يغني في مأتم الجار أو يرقص في عزائه..

ومن السياسة التي لا تغيب عن دهاقنة السياسة أمثالكم، ألاّ يَشعُر الفلسطيني الذي تذبح أسرته أمام عينيه، بأنكم فرحون بما يجري له، لأن هذا سيولّد ضدكم حقداً لا تمحوه السنون، ولأن هذا أيضاً، يُعطي كل مُشاهد لحفلاتكم، الحق الأدبي في أن يرقص في عزاءاتكم، وفي أن يغني في مآتمكم، وفي أن يدعو الله أن يُحلّ عليكم خزي الدنيا والآخرة.. فهل هذا مما يسرّكم!؟

4ً- والشيء الأخير الذي نطلبه منكم أيها السادة، وإن كان هو الأول في ترتيب الأولويات لدى الساسة الأسوياء، والقادة العقلاء، هو:

أن تُخلوا سجونكم من مخالفيكم في الرأي، كيلا تعطوا حجّة لشارون فيقول: " هؤلاء مثلي في البطش والتنكيل.. بل أنا خير منهم، لأنني أذبح شعباً عدوّاً لشعبي، أما هم فيذبحون شعوبهم"!

أفيرضيكم أن يقول عنكم شارون هذا، أيها السادة..!؟

إن كان يرضيكم فاعتقلوا المزيد من أبناء شعوبكم، ولن تعدموا الحجة في اعتقال أي فرد في بلادكم. وحتى لو لم تجدوا دليلاً من قول أو فعل يسوّغ لكم اعتقال الفرد، فحسبكم أن تنسبوا إليه تهمة "التفكير" أو "الحلم" بأنه "ينوي" أن يقول لكم : "أخطأتم في القرار الفلاني، أو سرقتم كذا من المال العام، أو أفسدتم القطاع الفلاني من قطاعات الدولة..!".

ولا لوم عليكم في كل ما تفعلون.. فهل أنتم طلبتم من هذه الشعوب البائسة أن تغفل عن حالها ومآلها، لكي تتسلطوا على بلادها وأرواحها وأعراضها وأموالها؟ لا.. هي غفلت من تلقاء نفسها، واستغللتم غفلتها للقفز فوق أكتافها، فهل أنتم في هذا ملومون؟ لا.. ولكن مصلحتكم تقتضي ألاّ تعطوا حجة على أنفسكم لشارون..

فما أنتم فاعلون!؟