من فقه الأولين

كلَّ شيء.. ولا شتيمة حرٍّ!!

 

بقلم : عبد الله فرج الله

هذا المثل العربي الأصيل، ورثناه عن الأولين، الذين أدركوا المعنى الحقيقي للحياة، فلا حياة في ميزانهم لمن كان عرضة لشتيمة الأحرار، فأي حياة هذه التي تجلب العار والشنار لصاحبها؟! إنها حياة تأباها النفوس السوية، وإن كان الثمن باهظاً، قد لا يقل عن تقديم الروح رخيصة، بسبب هذا الإباء، لكنه في الوقت نفسه خير ألف ألف مرة، وأقل وطأة على النفس، من شتيمة واحدة تأتي على لسان حر كريم ..!

كان هذا هو المنهج يوم كان للسمعة الكريمة وزن ومكانة، يعتد بها الجميع، ويتربى عليها الكبير والصغير، ذكوراً وإناثاً، فما أكثر الذين قادهم هذا النفس الحر إلى حتوفهم ومضاجعهم الأبدية!! وقد كان في الأمر متسع، لو أنهم تنازلوا قليلاً، وانحنوا شيئاً يسيراً!!

لكن.. كان هذا التنازل شيئاً ممقوتاً، والانحناء أمراً بغيضاً، عند العربي الأصيل، حتى في جاهليته الجهلاء، التي استبد بها الهوى، كان يأبى أن يعير بمثل هذا، أو أن يذكر بشيء من هذا القبيل، كان هذا قبل أن يصوغه الإسلام، ويتربى على الإيمان، ويختاره الله سبحانه لرسالته، ويكلفه بحمل هذه الأمانة العظيمة!! التي ساد بها وشرف.

فهذا اللاهي الماجن العابث، الشاعر امرؤ القيس، يأتيه نبأ مقتل والده، وهو في مجلس شرابه ولهوه، فما كان منه وبدون تردد، أو طول تفكير، أو أخذ فرصة كي يبحث عن الأعذار التي بها يتخلى عن دم والده، والأخذ بثأره، بل قرر على الفور وهو في سكره : اليوم خمر، وغداً أمر، هذا هو القرار الذي لا يمكن أن تقبل بغيره نفس الحر الأبي، وإن كان مخموراً، وإن كان ذا تكاليف باهظة!!

فقد رضوا بالخمر الذي يذهب عقولهم سحابة نهار، أو بعض يوم، لكنهم أبوا الخمر الذي يذهب مروءتهم وكرامتهم، ويجلب لهم الخزي والعار، والسبة التي لا يمحوها تعاقب الليل والنهار، مدى الدهر.. وغير هذا كثير في جاهلية العرب.. لكنهم في الإسلام كانوا أعظم وأعجب، ولا غرو في ذلك، فهو دين الكرامة، والحرية، تكفي في ظلاله صرخة استغاثة واحدة، تنطلق من فم امرأة مسلمة من عامة المسلمين، انتهك عرضها واعتدي على حريتها، أن تجيش لها الجيوش، وأن تنطلق حناجر عشرات الآلاف ملبية.. لبيك أختاه.. لبيك أختاه.. وقد احتفظ التاريخ في أجمل مواقعه، وأنصع صفحاته، بمثل هذه الصور التي تخلد أمة حرة أبية كريمة نبيلة الأخلاق، عزيزة النفس، مرهوبة الجانب.

فأي شيء أصاب العربي في هذا الزمان، بل أي مصيبة حلت به، بله أي انتكاسة قعدت به؟! حتى توطن الجبن نفسه، وسكنه الخوف والذل، فتبلدت مشاعره، وخلع ثوب كرامته.. وأصبح يغرق جهاراً نهاراً في مستنقعات الذل والعبودية، فلا تراه يخجل من التصريحات التي تبثها الفضائيات، على الناس جميعاً، وهو يؤكد على خسته، ويوقع على صك براءته من ( عروبيته ).. أولاً، ومن (إسلامه) ثانياً ..

فإن كنا عرباً بحق، فلم لا ندفع عن أنفسنا الشتيمة؟!

وإن كنا مسلمين بحق، فلم نرضى الدنية في ديننا؟!

ولا نقدم شيئاً أو نبذل جهداً في سبيل أن يحتفظ لنا التاريخ والأجيال والأحرار بصورة العربي و المسلم الحر الأبي؟!.