اسرائيل تلغي قرار الشرعية الدولية

 

بقلم : د. محمد صالح المسفر

منذ كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي والعالم العربي والاوروبي منشغلان بمسألتين في الشأن الفلسطيني لا ثالث لهما، المسألة الاولي الرئيس ياسر عرفات ومشاركته في احتفالات اعياد الميلاد في مدينة الخليل والكيفية التي سيصل اليها. هل يذهب ماشيا علي قدميه من رام الله ام راكبا وسيلة مواصلات ارضية حتي ولو كانت دابة، او طائرة اردنية او مصرية، ولم يحدث أي من هذا ولم يصل الي الخليل وبقي بعيدا في رام الله، وخيم الحزن علي مدينة الخليل، لا لأن الرئيس عرفات لم يذهب اليها وانما لشدة وطأة العدوان الاسرائيلي علي الشعب والأرض وتعذر وصول الحجاج المسيحيين وسد السبل المؤدية الي المدينة المقدسة عند المسيحيين.

بقي الزعيم الفلسطيني قيد الاقامة الجبرية في رام الله حتي اشتدت وطأة الحصار علي الشعب الفلسطيني مع بداية شهر اذار (مارس) عندما اجتاحت جحافل منظمة الجيش الصهيوني المدن والقري والمخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية، واشتدت وطأة الحصار علي الرئيس عرفات وقتل بعض حراسه دون مقاومة وهدمت معظم غرف مقر اقامته وحرم ومن معه من كل مقومات الحياة بما في ذلك الدواء والماء، وحتي في بعض الاحيان حرموا من استجابتهم لنداء الطبيعة وبالكاد تغمض عيونهم نوما من شدة الازعاج المتعمد عن طريق الرنين او شدة المتفجرات.

العالم العربي علي وجه التحديد والعالم الآخر بوجه عام انشغلوا بأمن الرئيس ياسر عرفات وسلامته، وبلغ ذلك الحرص في بعض مراحله التهديد لاسرائيل اذا تعرضت سلامة الرئيس للخطر.

لقد استطاعت اسرائيل اشغال وسائل الرأي العام العربي والعالمي وصناع القرار بشخصنة الصراع وجعله ينصب علي حياة الرئيس فقط وتوافدت قيادات سياسية اوروبية علي تل الربيع (تل ابيب) لاقناع قيادة المنظمة الصهيونية بالافراج عن الرئيس وفي اسوأ الاحوال عدم المساس به، وتدافع البعض من الاوروبيين يشكلون دروعا بشرية لحماية الرئيس من اي اذي قد يصيبه، وانقسم الناس حول تفسير الظاهرة.

في ظل ظروف انشغال الأمة بما يجري علي الساحة الفلسطينية، انعقد مؤتمر القمة العربية في بيروت وعلي جدول اعماله اكثر من ثلاثين بندا احدهم حصار عرفات وليس نصرة الانتفاضة ونصرة الشعب الفلسطيني وانشغــــل قادتنـــا في المؤتمر بعد ان تعذر علي عرفات مشاركــــته الشخصية هل يلقي كلمته في القمـــة عبــــر شاشات التلفزة او بالصوت فقط او لا داعي لمخاطبة القمة من وراء حجاب، وكاد الخلاف يشق الاجتماع لولا حكمة البعض من ولاة امرنا في هذا المؤتمر قدمت ما عرف بمبادرة الامير عبد الله واصبحت عربية ولم تعد سعودية والآن يجري العمل علي عولمتها.

كان العرب والغرب منشغلون بالمبادرة السلمية التي اصبحت عربية وثار حولها الجدل سلبا وايجابا نظرا لتغيب بعض القيادات العربية عن القمة، والكل منشغل راحت منظمة الجيش الصهيوني تدمر كل ما وصلت يدها وآلتها العسكرية اليه في فلسطين المحتلة وكانت قمة الجرائم الصهيونية في مخيم جنين ونابلس ناهيك عن بقية المدن والقري والمخيمات الاخري.

استيقظ ضمير الرأي العام الاوروبي وبعض صناع القرار هناك ودعوا الي ادانة هذه الجريمة وطالبوا بتشكيل لجنة أممية.

وماذا فعل العرب؟ كان الكثير منا يتوقع ردود فعل عربية رسمية تتناسب وحركة الشارع العربي والعالمي علي السواء، اقلها رفع الحصار عن الشعب العراقي الشقيق ردا علي التأييد الامريكي اللانهائي لاسرائيل واغلاق المطارات العربية في وجه الطائرات الاسرائيلية التي تسمح بالنزول في تلك المطارات، وسحب السفراء العرب المعتمدين لدي الكيان الصهيوني، واغلاق السفارات الاسرائيلية في العواصم العربية المعتمدين لديها، وامتناع ولاة امرنا من التدافع نحو واشنطن علي الاقل في الظروف الراهنة، وتفعيل دور المقاطعة العربية للكيان الاسرائيلي، وتخفيض انتاج النفط، اذا تعذر وقف تصديره الي المساندين للعدوان الاسرائيلي كما حدث عام 1973م.

لكن بكل اسف لم يحدث اي من هذا بل راح البعض يؤكد ان علي العراق ان يستجيب لقرارات الشرعية الدولية في الوقت نفسه الذي ترفض اسرائيل رفضا قاطعا تنفيذ قرارات الشرعية الدولية. بل راح البعض يؤكد عدم استخدام النفط كسلاح في المعركة علما بأن الولايات المتحدة الامريكية استخدمت كل اسلحتها في المعارك ضد العرب، وكذلك استخدمت القمح غذاء الانسان كسلاح فتاك ضد الكثير من الدول.

اليس الحصار المفروض علي ليبيا والسودان والعراق نوعا من انواع الاسلحة الفتاكة وفي هذا المجال راح البعض الآخر يؤكد بأنه لن يرسل جيشه الي الحرب خارج الحدود ولن يسمح لشعبه بالتطوع لمناصرة المجاهدين في فلسطين وراح آخر يؤكد التزامه بمعاهدات السلام مع علمه بان اسرائيل قد نقضت كل عهودها مع العرب.

في الجانب الآخر اصدر مجلس الأمن الدولي قرارا بارسال لجنة تقصي الحقائق فيما حدث في مخيم جنين للاجئين بعد ان ضج المجتمع الدولي بالجرائم التي ارتكبها جيش المنظمة الصهيونية ضد المدنيين العزل، وراحت اسرائيل تسأل عن ماهية هذه اللجنة واهدافها وافرادها ومؤهلاتهم وخلفياتهم السياسية وخبراتهم السابقة ثم راحت تتحجج بذرائع اخري منها زيادة عدد الاعضاء وادخال بعض التخصصات ثم وضعت شروطها التعجيزية كي يستمر العمل في المناطق المطلوب التحقيق فيما جري عليها، كسبا للوقت من اجل ردم معالم الجريمة ثم وضعت شروطا تعجيزية. وفي هذا الموقف يجدر بنا ان نستدعي من القرآن الكريم سورة البقرة (67 ـ 71) جدال بني اسرائيل لنبي الله موسي في شأن البقرة التي امروا بذبحها وجادلوا في أمرها واخيرا ذبحوها وما كادوا يفعلون. وهكذا جادلوا وامعنوا في الجدال واستطاعوا ان يلغوا قرار الشرعية الدولية بارسال هذه اللجنة.

وهكذا التاريخ يعيد نفسه جادلوا في الماضي الانبياء والرسل واليوم يجادلون العالم وراحوا يروجون لمؤتمر دولي للسلام يعقد في هذا الصيف فأي سلام يبتغون؟!

انه الاستسلام وليس السلام.