نقول الوأد وصفا لما يحصل فى فلسطين

 

بقلم : حسن الشامي

فليكن التمثيل المجازي مدخلاً لمقاربة ما راح يختلج تحت جلود عرب كثيرين في هذه الايام.

في بعض الأشرطة الوثائقية المصورة عن الحيوانات وصراعها الغريزي من اجل البقاء، نري قطيعاً من الجواميس يرعي العشب مطمئناً الي ما نحسب انه قوة احتشاده او قطيعيته. ثم نري بضعة سباع (احياناً سبعين او ثلاثة فقط) تهاجم القطيع بعد ان امضت المدة القصيرة اللازمة للتربص متبوعاً بالتوثّب.

نري السباع تعدو خلف الجواميس التي استولي عليها الذعر فراحت تجري هائمة علي وجهها، ثم يعلمنا صاحب الشريط المصور بأن المطاردة ليست عشوائية كما يتهيأ لنا، ويطلب منا ان نلاحظ كيف ان السباع تعمل، اثناء اجتياحها للقطيع، علي اصطفاء جاموس بعينه او بضعة منها، وكيف تناور حثيثاً من اجل فصلها عن القطيع الآخذ اكثر فأكثر في التشرذم الي جماعات تزداد التصاقاً ببعضها البعض مع تزايد احساسها بالتفرّق. وعندما تقدّر السباع ان عزل الجاموس (وكلمة عزل هنا فصيحة) قد استكمل المواصفات التي تجعل منه فريسة سهلة المنال، فانها تنقضّ عليه وتحكم مخالبها وانيابها في عنقه وفي القسم الاعلي من قوائمه سعياً الي اناخته ارضاً، فيما الجاموس يصارع ويقاوم كيفما اتفق. في هذه اللحظة بالذات تتوقف الجواميس عن الجري وتروح تنظر الي المشهد الرهيب الدائر امام اعينها، علي مبعدة امتار قليلة. في هذه اللحظة ايضاً، لا يعود مشاهد الشريط يمتلك دفعاً للاسئلة او التعليقات المتصاعدة في هيئة كتل من الانفعالات الصارخة. والحق ان المشاهد ليس واحداً. اذ ثمة من تغويه القوة السبعية او ترهبه او تحمله علي التأرجح بين مشاعر مزدوجة ومتناقضة. علي اننا سنأخذ حال المشاهد المثالي ، اذا جاز هذا التوصيف.

احسب ان هذا المشاهد سوف تنتابه رغبة جارفة في النفاذ الي ما هو خلف عيون الجواميس الناجية، لمعرفة ما عساه، في هذه اللحظة، يدور في خلدها، بالاحري في جلدها. امام المنظر الرهيب الذي يسلخ النظر سلخاً، يروح المشاهد المثالي يصرخ، سراً او علانية: فيم تحدقين ايتها الجواميس؟ ماذا تنتظرين ايتها الجواميس؟ لماذا لا تهجمين او حتي تتظاهرين بالهجوم والمناطحة؟ لماذا لا تمنحين الفريسة فرصة للنجاة؟

تظل الجواميس تنظر، فيما يروح المشاهد المثالي يتساءل عما يمكن لإمارات الاسي والتأسف الطافية علي عيونها المفتوحة ان تقول. ويبدأ سيل التكهنات. ربما تقول الجواميس الناجية: لقد قضي الامر. وربما تقول: اما انا فقد نجوت. وربما تقول: هذا جزاء من يترك السبع ينقضّ عليه، ولا يحسن الافلات منه في الوقت المناسب. ربما تقول كل هذا مجتمعاً او مختلطاً ببعضه البعض في صورة اصوات غريزية صمّاء. وربما تقول في ختام نظرتها الزائغة: ما اقسي ان يري الكائن الحي موته امام عينيه.

سيحسب القارئ، وهو عربي اللسان بطبيعة الحال، ان التمثيل المجازي المعروض آنفاً يمتلك قدراً كبيراً من بلاغة الايحاء والتلميح بحيث يسعه ان يكون تشخيصاً كنائياً عن حال العرب اليوم حيال مقتلة الفلسطينيين شعباً ومؤسسات وقضية. غير ان القارئ لا يصيب، في الواقع علي المظنون، الا نصف الحقيقة.

ففي النصف الاول الذي يرتاح اليه المشاهد العربي، وربما يلتذّ به لذّة سادية - مازوخية، يتكشف المشهد العربي، ولو بمقادير متفاوتة، ليس فحسب عن عجز بالغ يجيز الاعتقاد بتحول مجتمعات بكاملها الي ضحية مذعنة ومطيعة، بل كذلك عن انكفاء قطاعات واسعة الي حال من القطيعية الهاجسة بقوة الاحتشاد. ويقودنا هذا الي النصف الثاني من حمولة الامثلة ورمزيتها. فهي لكي تكون امثولة ينبغي، بادئ ذي بدء، ان تكون وسيلة للتعبير من بين وسائل اخري، لا غاية لها ولا منتهي. ويفترض هذا ان يعلم المتوسل بهذه الامثولة، ان المجتمعات البشرية تقيم في الثقافة لا في الطبيعة ، في عمل العقل لا الاحاسيس والغرائز. ومعلوم ربما ان الشعبويات تمارس، في كل مكان، اختزالات قوية تسمح في احيان كثيرة بامتصاص عمل العقل وتكبيله. ولهذا الغرض نراها تلجأ الي التمثيلات المجازية لا الي الافكار. وفي عالم البشر الناطقين يمكن التحايل علي العقل من خلال مناورة بلاغية تنزل الروابط الثقافية ، اي تلك التي تعرف التبدّل والتحوّل بفعل التاريخ وحوادثه، منزلة الروابط الطبيعية . واحسب ان المشهد العربي اليوم يعجّ بمؤشرات بارزة علي تعاظم هذا النوع من الشعبويات الفقيرة فكرياً والمترعة بالخطابة العاجزة التي تحسب الكلمات اشياء والاشياء كلمات.

قصاري القول ان التمثيل المجازي المؤثر علي الارجح، كان بمثابة اختيار بلاغي لحيرة الانسان العربي المقيم منذ عقود طويلة علي مفترق تواريخ وثقافات اجتماعية لا تكف عن اخبار الاضطراب الناجم عن حال الانتقال من دون ان تنتقل بالفعل.

في الجانب المقابل، نري ارييل شارون، ومن هم علي شاكلته، يلجأون الي مصطلحات شبه عقلانية من طراز تدمير البنية التحتية للارهاب . ولما كان الرجل منذ زمن طويل متخصصاً في تدمير البنية التحتية لخصومه وتعزيز البني التحتية للاستيطان الاسرائيلي في الاراض الفلسطينية، فان مصطلحاته وعباراته لا تعدو ان تكون قفازات لتنفذ جريمة جماعية لا اسم لها. فهو يتحدث عن البنية التحتية فيما يقصده بالعبارة كل شيء، اي البنية الحياتية نفسها. ولا اعلم لماذا رحت ابحث ن اسم لجريمة شارون ذات القفازات الكثيرة، ثم ارتسمت فجأة كلمة بعينها: الوأد. ولئن بدت لي التسمية هذه تحمل بعض المبالغة، فإنني سارعت الي لسان العرب فوجدت ما يلي: الوأد والوئيد: الصوت العالي الشديد كصوت الحائط اذا سقط ونحوه. والوئيد: شدة الوطء علي الارض يسمع كالدوي من بعد. ووأد المؤودة، وفي الصحاح وأداً بنته يئدها وأداً: دفنها في القبر وهي حيّة.

ومنهم من كان يئد البنين عند المجاعة، وكانت كندة تئد البنات. وفي الحديث: انه نهي عن وأد البنات، اي قتلهن. وفي حديث العزل: ذلك الوأد الخفي. وفي حديث آخر، تلك المؤودة الصغري، جعل العزل عن المرأة بمنزلة الوأد الا انه خفي لأن من يعزل عن امرأة انما يعزل هرباً من الولد، ولذلك سماها المؤودة الصغري، لأن وأد البنات الاحياء المؤودة الكبري. ويقال: توأدت عليه الارض وتكمأت وتلمعت اذا غيبته وذهبت به.

ومن بين العبارات الدائرة علي الوأد في لسان العرب ، استوقفني حديث العزل: ذلك الوأد الخفي . كنت راغباً في وصف مشروع شارون بأنه نوع من الوأد النصفي، اي اغراق الجسم الفلسطيني (ورئيسه ياسر عرفات الذي اعتُقل عملياً في رام الله) حتي الصدر في رمال متحركة بحيث يمكن لفاعل الامر ان يملي شروطه او ان يستكمل الوأد حتي نهايته. ويمكننا تطبيق التشخيص نفسه علي تمثله للبني التحتية. فهو يواصل ما جري عام 1948، اي وأد المجمتمع الفلسطيني كي تقوم علي انقاضه الدولة العبرية، ويخرج ذلك في صورة بني تحتية استيطانية تبتلع وتئد البني التحتية ليس للارهاب بل للدولة الفلسطينية المستقلة.

لا شك في ان شارون ومن يفكر مثله، وفي مقدمهم علي الارجح جورج بوش، يفضلون الوأد علي اي حل آخر. ذلك ان التراجع عنه سيمنحهم بعد حصول ما حصل، المكانة الاخلاقية الرفيعة لمن تراجع عن الجريمة في منتصفها او قبل الفراغ منها بقليل.