نكاية في الطهارة

 

بقلم : عريب الرنتاوي

 

غريب عجيب امر بعضنا من كتاب ومثقفين ومفكرين وسياسيين.

ما ان تنطق واشنطن بكلمة حتى نرتد لنقيضها.. وما ان تشهر الولايات المتحدة سيف العداء لجهة او دولة او منظمة، حتى ننبري للدفاع عن الضحية في وجه الجلاد الامريكي المفلت من كل عقال، دون ان نكلف انفسنا عناء التوقف ولو لبرهة واحدة امام ما نحن منهمكون في الدفاع عنه او التنديد به.

فمنذ ان قامت السلطة الفلسطينية على سبيل المثال، وبعضنا يتحدث عن فسادها وخرابها، وعن تعدد اجهزتها الامنية، وعن كونها سلطة لا تليق بالشعب الفلسطيني وتضحياته الجسام.. وما ان قالت واشنطن بضرورة محاربة الفساد واشاعة الشفافية ودمقرطة الحياة الداخلية في فلسطين، حتى انبرينا جميعا نندد بالمخطط الامريكي الخبيث متمسكين بتلابيب الراهن الفلسطيني كما لو كان قدس الاقداس.

نحن نعرف بالطبع ان واشنطن ليست شغوفة الى هذا الحد بوجود سلطة فلسطينة رشيقة ومتخففة من اعباء الفساد والفاسدين، شفافة وديمقراطية.. ونحن نعرف ان واشنطن ليست معنية من قريب او بعيد بحقوق الانسان الفلسطيني بدلالة صمتها المريب والمتواطىء عن المذابح.. نحن نعرف ان غضبة السيدة رايس المضرية على السلطة لها دوافع اسرائيلية محضة، وكذا الحال بالنسبة لمواقف وتصريحات السيد بوش.

على اننا مع ذلك نعرف تمام المعرفة، بان المؤسسة الرسمية الفلسطينية، كانت وما تزال بحاجة ماسة لاصلاح سياسي، اداري وظيفي شامل.. فهذا كان مطلب الفصائل المعارضة منذ سنوات وعقود، قبل قيام السلطة وبعدها، وهذا معيار تلتف حوله جميع القوى الوطنية والديمقراطية وبعض القوى والتيارات الاسلامية، ولا يجوز بحال من الاحوال التخلي عن هذه المطالب او دفعها للخلف بداعي الخشية من صب الحب في طاحونة الامبريالية او الشيطان الاكبر.. بالعكس من ذلك تماما فان النجاح في انجاز هذه المهمة سيقطع الطريق على ادعاءات الخصم، وما لم نجرؤ على القيام بمهامنا هذه، سنكون ممن وصفهم المثل الشعبي نكاية في الطهارة.. وسنظل نزود حملات خصومنا الدعائية بمزيد من الزيت والوقود.

ومثال آخر على هذه العقلية، فنحن في معظمنا كنا نطالب بتوسيع هوامش الرعاية الدولية للعملية السياسية، وكنا نطالب بمؤتمر دولي يشكل الية لترجمة المبادرة العربية، وعندما لاحت في الافق بوادر مؤتمر دولي، ودور اكبر لرباعية مدريد انكفأنا على تحفظاتنا ومخاوفنا، بذريعة ان هذا المؤتمر سيتحول الى اطار شكلي، او نسخة غير منقحة عن مؤتمر شارون الاقليمي، في حين تبدو الضرورة ملحة لهجوم سياسي عربي لاخراج المؤتمر الدولي العتيد بالشروط المواتية للحقوق والمطالبات العربية.

امثلة كثيرة عن هذا النمط في التفكير، فبعضنا لم يتردد عن المجاهرة بتأييد مجرمي الحرب الصربيين نكاية بالامبريالية والاستكبار.. وبعضنا خلع جميع تحفظاته السابقة على طالبان والقاعدة عملا بالنظرية ذاتها، وكأننا قوم لا وظيفة لنا سوى التمايز عن واشنطن، حتى وان تطلب الامر ابتلاع جميع مواقفنا ومطالباتنا السابقة.