تعقيب علي مجلة الأهرام العربي

 

بقلم : أسامة رشدي

 

 عندما اتصل بي أحد صحفي مجلة الأهرام العربي طالبا اجراء حوار معي عبر الهاتف من القاهرة رحبت بذلك. وذلك بهدف دعم وتشجيع أجواء الهدوء التي كانت من ثمار المبادرة التي أطلقها قادة الجماعة الإسلامية بمصر في يوليو 1997 والتي آتت أكلها وانعكس أثرها وأصبحت واقعا ملموسا ومشاهدا يسعد الجميع. وقد كان اتفاقي مع الصحفي أن ينشر كلامي بدون زيادة ولا تحريف. ولقد فوجئت اليوم 27 أبريل بنشر الحوار الذي تم معي بصورة مشوشة وركيكة حيث قام الأستاذ الصحفي هذا بتحرير معظمه ولم تسلم من ذلك حتى الوقائع التي لا يملك أحد أن يغيرها. فعلى سبيل المثال أكدت له عندما سألني عن الحكم الصادر ضدي في محاكمة 1981 فقلت له أنني حصلت على حكم بالبراءة بعد قضائي ثلاث سنوات في السجن. فأصر أن يكتب ويكرر أنه حكم على بالسجن ثلاث سنوات. وأصر على أن يزج بالإخوان المسلمين في حواره المنشور أكثر من مرة رغم عدم تعرضي للإخوان بالإساءة في حواري معه

 

بل احترمهم وأتعاطف مع ما يتعرض له بعض رموزهم من المحاكمات العسكرية الجائرة. والطامة الكبرى كانت في عنوان المقابلة:"الجماعة الإسلامية لا تثق في عبود الزمر" فهذا العنوان لم يكن موفقا تماما وهو غير مقبول ومختلق من أساسه بل هو استنتاج اسمع به لأول مرة واعتقد أنه لا أساس له إلا في ذهن من كتبوا هذا الحوار. إنني أكن كل الاحترام والتقدير للشيخ عبود الزمر فك الله أسره، وهو محل ثقة وتقدير من كافة محبيه وإخوانه ومنهم العبد الفقير لعفو ربه كاتب هذه السطور الذي حظي بصحبة الشيخ لثلاث سنوات في عنبر التأديب بليمان طرة فكان مثالا للتواضع ودماثة الخلق. وقد ورد ذكر الشيخ عبود في حواري مع الصحفي عندما سألني عن حقيقة ما يقال عن التحالف القديم بين الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد قبل عام 1981. فوضحت له وجهة نظري والتي سبق أن كتبتها في مقال نشرته صحيفة الحياة في 30 يناير الماضي تعقيبا مني على كتاب الصديق العزيز الأستاذ منتصر الزيات والذي نشرته صحيفة الحياة على حلقات بعنوان "الظواهري كما عرفته". المقال وقد لخصت له وجهة نظري المفصلة في المقال المشار إليه، عن أنه لم يحدث مطلقا ما دندن حوله البعض من وجود تحالف سابق. وبينت له أنه من خلال معلوماتي المستقاة من أطرافها وإطلاعي على التحقيقات التي جرت في قضية اغتيال السادات وقضية الجهاد الكبرى اعتقد أنه لم يحدث ما يسمى بالتحالف بين الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد. وأنه لم يكن هناك في هذا الوقت كيان تنظيمي باسم تنظيم الجهاد، وما حدث كان توافقا بين الشيخ محمد عبد السلام فرج والشيخ كرم زهدي أدى لانضمام الأول للجماعة الإسلامية. وقصصت عليه ما كان يتندر به وهو قصة انضمام الشيخ عبود الزمر للجماعة والذي رشحه محمد عبد السلام -رحمه الله- وأثار مشكلة بسبب أنه كان ضابطا برتبة مقدم في المخابرات الحربية والاستطلاع مما أثار مخاوف قيادة الجماعة في حينها حيث عارض بعضهم انضمامه إلى أن تغير موقفهم بعد ذلك عندما اطمأنوا لإخلاصه. وهو أمر يمكن بالطبع تفهمه في حينه. فهل يصح أن تقول المجلة الآن وبعد قرابة الربع قرن أن الجماعة الإسلامية لا تثق بالشيخ عبود استنادا لهذه القصة التي اصبحت من النوادر التي تجاوزتها السنين والأحداث. لقد قضى الشيخ عبود -حفظه الله- أكثر من اثنين وعشرين عاما في السجن بذل فيها كل ما يملك؟ فمن ذا الذي يجرؤ أن يشكك في مثل هؤلاء الرجال! ومن النقاط الهامة التي أود تصويبها هنا ما أورده على لساني في سؤاله (وما المناخ الذي وفرته هولندا؟ فقال على لساني: (هولندا لم تعتبرني لاجئا وأنا أعيش في أمان وحرية كاملة وفي آخر مرة طلبتني السلطات المصرية رفض وزير الخارجية الهولندي ودافع عني أثناء جلسات البرلمان الشهر الماضي). وأنا لم أقل أبدا أن الوزير دافع عني فهل هو محامي ليدافع عني .. الرجل يطبق القانون وكانت وزارة العدل قد بحثت عرضا تقدمت به وزارة الخارجية بالنيابة عن السلطات المصرية لتسليمي وذلك في أغسطس 1998. وبعد شهرين من دراسة الطلب انتهى وزير العدل لقرار مفاده أنه لا توجد معاهدة مع مصر، وأنه لا يوجد أساس للطلب، وأن الطلب يتعارض مع القانون والدستور الهولندي. وعندما فتح الأمر في البرلمان في نوفمبر الماضي كرر وزير الخارجية ووزير العدل نفس الرد الذي تقرر منذ عام 1998. وفي المقابل فإن الحكومة الهولندية تبقي على وضعيتي تجاوبا وإرضاء للحكومة المصرية . ومن ناحية فالقضية ليست شخصية ولو كانت عودتي ستحل مشكلة أو تفتح بابا من أبواب الخير مما ينتظره شباب مصر لعدت طوعا وإن كلفني ذلك حياتي. لقد أسهبت في حواري هذا مع هذا الصحفي عن أن الصحافة عليها دور كبير وواجب عظيم في احتضان هذه المبادرة ودعم أجواء الهدوء حتى تترسخ وحتى تكون نموذجا يحتذي به في المنطقة خاصة وأن العالم يضطرب من حولنا سواء ما يتعلق فيما سمي بالحرب على الإرهاب التي أصبحت مطية لانتهاك سيادة الدول وخاصة بلادنا. أو فيما يتعلق بالوضع المتفجر على حدودنا الشرقية في فلسطين المحتلة واحتمالات انفتاح الموقف على كل الاحتمالات. إن هذا الأمر يستلزم المبادرة بالتعامل مع المشاكل الداخلية المتراكمة ومنها قضية التعامل بكرامة مع الشباب المسلم. وأولى من إثارة النزعات هو الاستثمار في هذا الجهد المفضي للأمان والاستقرار والاطمئنان للشعب المصري والذي يعد ضرورة سواءً للتنمية ولحل المشكلات الاجتماعية أو لمواجهة المخاطر القومية. لا نريد حرق هذه المبادرة وحرق أصحابها بتشويههم وإظهارهم بمظهر البلهاء العاجزين المتخبطين. فهذا يمكن أن يرضي شهوة البعض على المدى الآني ولكنه سيحرق المبادرة في النهاية وسيدمر ما نحاول بناءه وسيعطي الفرصة لمن يخرج هذه المرة علينا وعليهم ويتهمنا بالعجز والتفريط ويعيد الكرة مرة أخرى. لقد خرج الحوار مشوشا وركيكا ومغرقا في الكثير من النقاط الغير مفيدة والتي تجاوزها الزمن . وضاعت الرسالة الأساسية والتي وددت لو أنه ركز عليها وهي الحاضر والمستقبل . وفي العموم ونحن نمر في هذه الظروف الحرجة التي نرى فيها الأمن القومي المصري والعربي يتعرض لأحلك الأوقات والامتحانات؛ اردت التأكيد على أن مبادرة وقف العمليات المسلحة كانت خطوة مهمة لوقف نزيف الدم المصري وكانت لفتة طيبة تجاه المجتمع الذي يتطلع للاستقرار والهدوء من أجل مواجهة التحديات المفروضة علينا ومن أجل النهوض. وكانت ضربة لمن راهنوا على إضعافنا عن طريق استنزافنا. وبقدر أهمية هذه الأهداف التي تحققت فإن هذه المبادرة لا تزال في حاجة ماسة لاحتضان المجتمع لها بكل فئاته حتى تأتي بثمارها المرجوة. وإذا كانت هناك بعض التطورات الإيجابية على صعيد المعاملة في السجون وبدء الإفراج عن بعض المعتقلين إلا أن الآلاف مازالوا ينتظرون. وعلى صعيد آخر فإن الأبواب مازالت موصدة في وجه من يريد المشاركة والخدمة العامة. فلا حرية لإصدار الصحف ولا حرية لتشكيل الأحزاب والجمعيات ولا يوجد متنفس طبيعي مفتوح في وجه الشباب المسلم . لقد حان الوقت لاتخاذ إجراءات غير تقليدية من جانب الحكومة لدعم الجبهة الداخلية وتضميد الجراح وفتح أبواب الأمل في وجه الشباب. خاصة وأننا بتنا الآن نواجه تحدي حضاري كبير .. فعلى رغم الخدمات الكبيرة التي يؤديها حكامنا لأمريكا ومصالحها في المنطقة إلا أنهم يسبوننا صباح مساء ويصفون بلادنا بكل الأوصاف البشعة من الديكتاتورية وخلافه ويصفون الصهاينة بأنهم الديمقراطية الوحيدة في المنطقة . ألا يملي علينا ذلك تحدي هذه النظرة والخرج من هذا النفق المظلم الذي أرادوا حشرنا فيه لنظل في هذا القالب الجامد المتحجر فيتحقق التفوق الحضاري للصهاينة كما يروجون من خلال أحلامهم ومخططاتهم في الشرق أوسطية والقوة الإقليمية . نحن في عالم بات يحتقر مثل هذه الأنظمة في الحكم ولا بد من إيجاد البديل الحضاري الذي يعزز من مكانة مصر ويضمن لها دورها الحضاري والإقليمي في المنطقة العربية والإسلامية . إن التجارب أثبتت أن أعظم استثمار يمكن أن يعود بالفائدة على المجتمع وعلى الاقتصاد هو الاستثمار في الإنسان المصري، حتى يطمئن ويأمن ويشعر بالإنتماء ويرتقي ويتقدم وهو الاستثمار الذي سيعود بالنفع على الجميع. لقد اعربت عن أملي في هذا الحوار الذي لم يكتمل في فتح الأبواب، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ووقف إحالة المدنيين للمحاكم العسكرية وتعزيز الأمن لكل بيت في مصر.