عـودة "ريمـا"

 

بقلـم : محمـود شنب

 

بحكم العقل والمنطق وحسن التدبير نقول أنه إذا ما عاش المرء في منطقة يسيطر عليها لصاً محترفاً ـ لا خلق له ولا دين ـ فإن الأمر يتطلب من كل عاقل أن يأخذ حذره ويستعد ليوماً سيواجه فيه اللص لا محالة ، والأمر يتطلب تغيير الإنفاق والأولويات والعمل على إمتلاك قوة الردع الكافية التي تحمينا من عربدة هذا اللص وجرائمه .

ولقد شاهدنا ـ وشاهد معنا العالم كله ـ ما قامت به إسرائيل من قـتل وهدم وتـنكيل وجرائم يُندى لها الجبين في حق الشعب الفلسطيني .. فكيف لا تغير الدولة أولوياتها واتجاهاتها وتجعل كل مواردها تصب في إمتلاك قوة تحمينا من هذا اللص وتمنعه من مجرد التفكير في المساس بمصالحنا وأرضنا .

قالوا لنا كثيراً : اننا لن ندخل معركة لم نستعد لها .. ولم يقولوا أبداً : متى سنكون مستعدين لهذه المعركة ، وهذا هو المهم .

ولكل شئ شواهد .. وما نراه الآن يؤكد اننا لم نتغير ولم نستعد أبداً لمعارك إن رفضناها اليوم فستفرض علينا غداً رضينا أم أبينا !!

والحاكم الذي يحكمنا عشرون عاماً ولم يستعد فمتى يستعد ؟!

إن الدولة ما زلت تـلهو وتـلعب وكأن الأمر لا يعنيها في شئ .. ومنذ أيام شاهدنا الحفل الغنائي الكبير الذي أقيم بمناسبة ما يقولوا عنه "أعياد الربيع" والذي خصص دخله ـ لتبرير اقامته في هذه الظروف ـ لصالح الشعب الفلسطيني .

ولعمري لم أرى حفلاً في حياتي يُقام في مأتم .. ولم أسمع غناء يحل محل دماء ، وضحك موضع بكاء ، ورقص وعرى محل لوعة وقهر !!    وتلك هي المصيبة الكبرى ـ حيث الرسالة واضحة ـ لا تعديل ولا تغيير ولا خروج من دائرة اللهو والعبث !!

مصيـبة كبرى ألا يكون للأموات حرمة ، ومصيـبة أكبر ألا تغيرنا الفواجع ولا تهزنا المواجع ، ولو كنا قطيعاً من المواشئ التي يُذبح بعضها أمام البعض لثارت ثورتنا وعمت نقمتـنا ، وقطعنا القيود ونزعنا الأوتاد ورفضنا هذا القهر  والاستسلام ، ولكننا بشر ... وأي بشر ؟؟؟    بشر يعلمون أن الحاكم يضحك عليهم ويصدقون !!    ويعلمون أن ما حدث لفلسطين سيحدث لمصـر ولا يتغيرون .

إن حفل غنائي يُقام في مثل هذه الأيام يعد بمثابة الكارثة ويُعد أكبر دليل على التبلد الكامل وفقدان الوعي ، وإن كان الهدف نبيلاً فلابد أن تكون الوسيلة نبيلة وغير وضيعة لأن الغاية لا تبرر الوسيلة .

يجب ألا نتستر خلف الفضائل ونفعل الرذائل .. يجب أن ندرك أن المناسبة لا تحتمل الغناء والتهريج ، وهل لا يجوز التبرع لفلسطين إلا من خلال الرقص والغناء ؟!   هل لابد من المرور على الصدور العارية والخصور والأرداف لتصل معونتـنا إلى شعب فلسطين ؟؟

إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب ، ومن يتبرع بشئ يجب ألا يجني من خلف تبرعه أي مكسب ـ حتى لو كانت سهرة يشاهد فيها المنكر ويستمتع فيها باللهو !!   وليست فلسطين "غانيه" لا يُدفع لها إلا بعد التمتع بها ..  وهذا الحفل ما كان يصلح إلا للتبرع لحديقة حيوانات وليس لضحايا جنين أو لشعب يُـباد ـ إن الفعل مشين والمال حرام ، وليتها لم تـزنى ولم تتصدق !!

ليس الحفل الغنائي تعبير أخلاقي ولا هو فضيلة دينية أو وطنية وإنما إستمرار لخداع الأمة وتـنويمها .

والمجنون هو الذي يشرب "الكوكاكولا" ويتصدق لفلسطين .. إن مثله كمثل من يـبطل صوته الإنتخابي باختيار أكثر من مرشح وهو يدرك أن ليـس لـه الحق إلا في اختيار مرشح واحد !!    وما حدث هو أشبه لموائد الرحمن التي تقيمها فيفي عبده ، فلا يليق لصائم أن يفطر على رزق حرام ، ولا يقبل من راقصة أن تقيم "مائدة للرحمن" .

إن هذه أمور عظيمة لو قبلناها لعم الفساد في كل شئ واختلطت الرذائل بالفضائل ولذابت الفواصل بين الحلال والحرام ، ومنذ متى كان الرقص والغناء وسيلة للفضائل ؟؟    وهل أصبح الغناء نوعاً جديداً من أنواع الجهاد ؟؟

هناك ما زالت المجازر مستمرة .. وهنا ما زال الرقص مستمر !!   وهناك ما زالت الدماء تتساقط .. وهنا ما زال "النقوط" يتساقط على المطربين والمطربات والراقصين والراقصات ، ليُجمع في نهاية الحفل ويودع في حساب فلسطين !!

أي هوان هذا ، وأي خبل وعبط وجهل ؟؟   إن من يحكموننا اليوم هم أول من سيهربون غداً ويتركوننا في العراء دون سلاح لنقاتل إسرائيل وندافع عن أرضنا .. وإن بقوا فسيوضعوا تحت الحصار ـ مثل ياسر عرفات ـ لحين الانتهاء من المهمة واعادة تـنصيـبهم علينا من جديد ليهتف من تـبقى منا "إنتصرنا" فقد أطلقوا سراح الزعيم ، وفكوا حصاره ... ليحاصرنا !!

إن الخطورة الحقيقية تكمن في أننا لم نتعلم ولم نتغير ، وما زلنا في طريق اللهو والتهريج وكأن شئ لم يحدث ... لقد تآكلنا من الأطراف ولم يعد على الساحة غيرنا ، وأصبح الدور علينا وللآن لم نتعظ !!

وكم تمنيت لو تبنى الرئيس مبارك حملة التبرعات بنفسه ، وأن يتوجه لفتح حسابها بمعرفته وأن يجمع الوزراء والوكلاء ورجال المال والأعمال وأعضاء مجلسي الشعب والشورى ورجال الصحافة والاعلام ورؤساء مجالس ادارات البنوك والمؤسسات ، ويحثهم جميعاً على التبرع العلني لخلق جو من التـنافس المحمود .

وكنت أتمنى لو شكلت لجنة على مستوى عال من المسئولية والسرية والأمانة تكون مهمتها تحديد أوجه الانفاق بحيث يتم مراعاة كل الاحتياجات اللازمة للشعب الفلسطيني بما فيها السلاح الذي يمكنه من الدفاع عن نفسه ، ولا يقتصر الأمر على عدة "كرتونات" من الفواكه والوجبات والأغطية والملابس .. فليس الشعب الفلسطيني قطيعاً من الحيوانات التي نشارك في تسمينها لذبحها .. إنه يمثل اليوم ـ دون مبالغة ـ خير رجال الأرض بعد كل ما قدمه ويقدمه من بطولات وتضحيات فاقت كل تصور ، وليس الأمر صعباً بالنسبة لامداده "السري" بالسلاح ـ فالجميع يعلم أن للسلاح "مافيا" عالمية تبيع السلاح وتـنقله إلى المكان المطلوب حتى لو كان بيت شارون ـ وتلك المافيا لا تعمل إلا بالمال ويغطي رجالها كل أرجاء العالم ، ولو أغمض كل حاكم عربي عينه عن شعبه ومؤسساته في تلك النقطة بالذات لأصبحت الأسلحة في فلسطين أكثر منها في أي مكان آخر ـ أما أن نجمع المال من أجل شراء سيارات اسعاف وأكفان وأغطية وملابس وأطعمة فليس هذا جهاد بالمال ، وحديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واضحاً حيث يقول : (( من جهز غازياً ..... )) ولم يقل "من أطعم غازياً" وكلنا يدرك جيداًُ المعنى والمغزى .

يجب ألا يفرض علينا الغرب أسلوبه وفلسفته والتي يريد من خلالها أن يقـنعنا أن العمليات الإستشهادية هي عمليات إرهابية .. يجب أن تكون لنا أهدافنا الواضحة التي نتمسك بها وندافع عنها والتي تخدم مصالحنا .

كيف نقـنع القيادة الفلسطينية بتسليم المجاهدين ويكون لنا دور كبير في ذلك .. ولماذا في المقابل لم نطالب إسرائيل بتسليم كل من ارتكب منهـم المذابح والمجـازر ؟!

كيف نصدق أن دفاعنا إرهاب .. وهجومهم دفاع عن النفس ؟!    كيف قلب الإعلام كل شئ وزيف الحقائق وغير الثوابت ؟؟

أمريكا تمد إسرائيل بالسلاح ... فلما لا نمد فلسطين بالسلاح ؟!

أمريكا تحمي اليهود من المسلمين ... فلما لا نحمي المسلمين من اليهود ؟!

أمريكا تفعل ما تفعل من أجل مصالحها ... فلما لا نفعل ما هو في صالحنا ؟!

إن مجرد تبني حملة التبرعات من قِبل الحكام يُعد شبهة تغضب أمريكا ، ولذلك جلس الحكام بعيداً ولم يشاركوا في الحملة ، ومن هنا جاءت التبرعات هزيلة ولا تتـناسب أبداً مع قدرة مصـر وامكانياتها المالية والبشرية لأنها تركت على كاهل شعب نصفه عاطل والنصف الآخر مريض أو معتقل أو لا يجد قوت يومه ... ولو تبنتها القيادة لتغيرت الأمور كثيراً لأن كل مسئول يعلم أين توجد ثروات البلاد المنهوبة ، ويعلم حجم المدخرات الخاصة بالأفراد ممن يعيشون في لهو وترف دون أن يقدموا للبلاد أي نفع أو فائدة ... وما جمعه الشعب المصري بكل طوائفه لا يساوي ما جمعته فيفي عبده من الرقص .

في الستينات ذهب أحد كبار قراء القرآن الكريم في مصـر إلى البنك ـ وكان رصيده 52 ألف جنيه ـ فوجده مسحوباً بواسطة رئاسة الجمهورية وقد تركت لـه خطاب شكر مع مدير البنك يقول ( نشكركم على تبرعكم الكريم ) والتوقيع جمال عبد الناصر ، فقال الرجل : لكنني لم أتبرع ، وطلب مقابلة رئيس الجمهورية ، وكان له ما أراد ، وهناك قال لـه عبد الناصـر : ( أنا عمري ما سمعت إنك عملت جمعية تحفيظ قرآن ولا عملت مدرسة ولا عملت مستوصف ... لذلك ما تضيعش وقتي ) وهذا الأسلوب وان كان هناك شئ من التحفظ عليه ـ إلا انه يرشدنا إلى أنه قديماً كانت هناك عيون تشاهد وتفحص وتـنتـزع الحقوق ممن لا ينفقون على الخير وجعلوا ثروتهم خالصة لهم دون غيرهم .

لماذا لا تتكرر هذه المواقف الآن مع من لا يفيدون البلاد بشئ ولم يقدموا لها أي عون أو خير ؟!

لقد فعلها عبد الناصـر مع حفظة القرآن .. فكيف لا يفعلها مبارك مع  "الحيتان" أولاد "الجان" ومع جيوش الراقصين والراقصات والمطربين والمطربات والناهبين والناهبات والمتصهينين والمتصهينات ؟!

لماذا لا يفعلها مع من تربوا على السُحت والمال الحرام ومع لصوص الانفتاح ومخربوا القطاع العام ؟!

إن اللص في مصـر ينعم بأمان لا يشعر به غيره في أي مكان في العالم حيث لا يوجد لدينا من يحاسبه أو من يقول له : من أين لك هذا ؟؟

واللصوص في بلادنا يتساندون ويُسيطرون وتـُسيطر أموالهم على الحكم ، ولا يسمحوا لأحد منهم بالسقوط ، ويشكلون في أغلبهم الأرض الخصبة للتغلغل الأمريكي الصهيوني حيث المنح والقروض والهبات والبعثات والحوافز والمؤتمرات والوظائف المرموقة التي تمكنهم من فعل كل شئ .

وكلما ازدادت نسبتهم في البلاد ـ ازداد التغلغل الصهيوني أكثر وأكثر وازداد اللهو والنهب وعمت البطالة وانتشر الدمار ، لكن المصيـبة تكمن في ارجاع كل تلك المصائب للزيادة السكانية ـ ووالله لم أرى في حياتي شماعة تحملت ما تحملته تلك الشماعة ، حيث تبدل عليها الحكام ولم تـتبدل ، ونسب إليها كل فشل ولم تتغير ، وحتى الآن ما زال الرئيس مبارك يستعملها ، ويوم الأربعاء الماضي عند افتتاحه لمحطة مياة الشيخ زايد ـ قال : إن الزيادة الرهيـبة في السكان هي سبب كل متاعبنا ، وقال : لقد زدنا 30 مليون نسمة من 81 حتى الآن وطالبنا بضرورة أن نضبط أنفسنا ..

وقد غاب عن سيادته أن القوة البشرية نعمة لا تدانيها نعمة لكنها ـ شأن كل شئ ـ في حاجة لمن يوظفها ويستغلها ـ لا لمن يهملها ولا يقدرها ويلقي بكل اللوم على الشعب ويُعايره في كل حين بالزيادة الرهيـبة التي تعوق التـنمية .

منذ متى كانت الشعوب عاله على الحكام ـ ليس هذا صحيحاً بل ان العكس هو الصحيح ـ بعدما أصبح الحكام يمثلون العائق الحقيقي نحو الجهاد وفرض الكرامة والنهوض بالتـنمية والتوزيع العادل للثروات والحقوق .

إن كل الدول المتـقدمة تعرف قيمة شعوبها ، وتحترم آدميتهم وانسانيتهم ، بينما نحن ممنوعون من كل شئ ـ حتى من الاعتراض والتظاهرات ، ويُـقبض على خيرة شبابنا ويودعوا في السجون ، ويـبعد كل وطني غيور على دينه ووطنه من الظهور في وسائل الإعلام والتحدث إلى أهله !!

ولعل مصـر هي البلد الوحيد الذي ينكل فيه بأساتذة الجامعات والأطباء وبكل الفئات الواعية في المجتمع .. فكفى معايرة بالزيادة السكانية فالعيب فيكم وليس فينا .

ان الزيادة السكانية هي التي أبقت القضية الفلسطينية إلى اليوم ، وعندما يسقط شهيد تـنبت الأرض ألف شهيد .

لقد نهضت اليابان دون أن تملك موارد أو خامات كالتي لدينا ، وبلغ عدد سكانها 137 مليون نسمة ، وكذلك نهضت الصين وكل دول العالم بسبب القيادة التي لم تجعل الزيادة شماعة للتقاعس والنوم وإلقاء اللوم .

لماذا لا نغير نظرتـنا للأمور ونحاول جاهدين أن نبحث عن مصالحنا لا مصالح غيرنا ، وأن نحقق أهدافنا لا أهداف غيرنا .

إن تهاونا في حقوقنا وتخاذلنا الدائم أمام الأعداء أغراهم كثيراً وغذى أطماعهم ، وأصبحت مطالبهم أقرب للخيال من أي شئ آخر للدرجة التي وصف فيها أحمد ماهر ـ وزير خارجيتـنا ـ كلامهم بأنه كلام "حشاشين" وكان ذلك في معرض رده على الإقتراح الإسرائيلي باقامة دولة فلسطينية على أرض سيناء !!

أرأيتم طمعاً ـ من قبل ـ قد بلغ فينا هذا الحد ؟!

أرأيتم كم بلغت نظرتهم إلينا وإلى إستباحة أرضنا وعرضنا ؟!

يا من تـلتـفون حول مبارك .. أرجو أن تطلعوه الحقيقة ، وتـنصحوا لـه وتبصروه واقعنا الفعلي .. أرجوا أن تشعروا معنا بالخطر وتـنقلوه اليه ، وتغيروا من أولويات الإنفاق وتعيدوا حسابات الأمور ، وليس حفلات الغناء واللهو .. فالشعب كله يضع يده الآن على صدره بعد عودة الحفلات والسهرات وعودة ريمـا إلى عادتها القديمة لأن الثمن سيكون فادحاً .