الشيخ راشد الغنوشي :

 

الانحياز الغربي لإسرائيل يعطل سبل التفاهم والحوار بين الإسلام والغرب

فلسطين تعطينا أكثر مما تأخذ منا وهي التي تحررنا من وهدتنا الحضارية ومن انعزاليتنا

 نحن ساميون فكيف نتهم بمعاداة ذاتنا.. والشارع لا يتحرك لتحسين شروط التفاوض

 

 

 قدس برس : نور الدين العويديدي

 

اعتبر قيادي ومفكر إسلامي بارز أن الانحياز الأمريكي خاصة, والغربي عامة, للدولة العبرية المعتدية على الشعب الفلسطيني, من شأنه أن يعطل سبل التفاهم والحوار بين الإسلام والغرب, مشددا على أن "التأييد الأمريكي المطلق للوحشية النازية اليهودية الصهيونية, يمثل عقبة كأداء, أمام كل دعوة للحوار الإسلامي الغربي, وللتقارب العربي الإسلامي الأوروبي الأمريكي".

 

وقال المفكر الإسلامي المعروف, الشيخ راشد الغنوشي, رئيس حركة النهضة التونسية, إن أمريكا صارت تواجه الأمة العربية والإسلامية, بأكثر مما تواجهها إسرائيل, مضيفا أن الدولة العبرية "ليست إلا أداة من أدوات الهيمنة الأمريكية", وأن الدعم الأمريكي المطلق للوحشية الإسرائيلية, "يعبر عن إفلاس أخلاقي أمريكي".

 

وأضاف الشيخ الغنوشي, وهو واحد من أبرز الدعاة إلى الديمقراطية والحوار الحضاري مع الغرب, في الوسط الإسلامي, أن "القيم التي رفعتها أمريكا, من تحرر وحقوق إنسان وديمقراطية, كلها أفضت إلى حالة إفلاس.. فأمريكا التي تدخلت في الخمسينات لوضع حد للعدوان الثلاثي على مصر, وأمريكا التي رفعت منذ العشرينيات من القرن الماضي شعارات تقرير المصير, ومناصرة الشعوب المغلوبة على أمرها, انتهت إلى وضع مهين", حسب تعبيره.

 

وحيا الشيخ الغنوشي الشارع العربي والإسلامي والإنساني لوقفته مع الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية, مشددا على أن بسالة المقاومة, وصمود الفلسطينيين الأسطوري, هو صاحب الفضل في تحريك الشارع العربي والإسلامي. واعتبر أن لفلسطين الفضل في إيقاظ الأمة من غفوتها ووهدتها الحضارية, وفي اللإقاء بها في نهر الحراك العظيم, ووضعها في قلب المشهد الدولي.

 

وشدد الشيخ الغنوشي, في حوار ساخن مع وكالة "قدس برس", على أن فلسطين تعطي للأمة أكثر مما تأخذ منها, قائلا إن "فلسطين في الحقيقة تعطينا أكثر مما تأخذ منا.. نعطيها القليل فتعطينا الكثير", مضيفا أن "فلسطين سوف تحررنا, فلسنا نحن الذين سنحرر فلسطين, بل هي التي ستحررنا", وأنه "بقدر ما نلتحم بهذه القضية الاستراتيجية, بقدر ما ينعكس ذلك إيجابيا على مستوى تحرير الفرد من الخنوع, وتحريره من الانطوائية, ومن التمحور حول ذاته, وتحرير كل قطر من أن ينعزل حول ذاته".

 

وقال إن العرب والمسلمين, حين يخرجون للشارع, فإنهم يضعون أرواحهم فوق أكفهم, وأن الخروج للشارع العربي نوع من أنواع الجهاد, بسبب القمع والإرهاب, الذي يواجه به المتظاهرون من قبل حكوماتهم, وأن الناس لا يقدمون على ذلك, إلا إذا وثقوا من أن الطرف الفلسطيني ثابت على مقاومته, مضيفا أن الناس لا يقبلون أن يكون خروجهم للشارع, وسقوط الشهداء منهم, لمجرد تحسين شروط التفاوض بالنسبة لبعض الأطراف الفلسطينية.

 

وأثنى الشيخ الغنوشي على حالة الالتحام بين اللوبي العربي والإسلامي في الغرب من جهة, وبين اللوبي المناهض للعولمة من جهة أخرى, مؤكدا أن موضوع فلسطين, الذي اصطبغت بصبغته التحركات المناهضة للعولمة, يصلح أن يكون جسرا للقاء بين الوطنيين والعروبيين والإسلاميين ولوبي مناهضة العولمة, باعتبار المشروع الصهيوني حربة متقدمة في مشروع العولمة.

 

وأكد الشيخ الغنوشي أن الشعوب العربية والإسلامية شعوب سامية, وأنه لا يمكن جلدها بتعلة مناهضتها للسامية, باعتبار أنها هي ذاتها شعوب سامية, مشددا على أن اليهود اضطهدوا في كل مكان في العالم, ما عدا في العالم العربي والإسلامي, الذي عاشوا فيه أزهى عصورهم, وأن مشكلة العرب والمسلمين هي مع الحركة الصهيونية, التي تحتل فلسطين, وتحاول الهيمنة على المنطقة بأسرها.

 

وفي ما يلي نص الحوار, الذي أجراه (نور اليدين العويديدي) من أسرة "قدس برس" في لندن, مع الشيخ راشد الغنوشي, المفكر الإسلامي البارز ورئيس حركة النهضة التونسية.

 

 

* كيف تقومون تفاعل الشارع العربي والإسلامي في الدول العربية والإسلامية, أو في مناطق الهجرة, مع الانتفاضة والمقاومة في فلسطين, ومع العدوان الإسرائيلي البشع على الشعب الفلسطيني؟

 

- لا يملك المرء إلا أن يحيي الشارع العربي والإسلامي والإنساني, في ما عبّر عنه من تضامن أصيل وفاعل مع البطولة ومع الملحمة الوطنية.. مع ملحمة الكفاح والجهاد في فلسطين. وكان ذلك مفاجأة, خاصة للذين تحدثوا كثيرا عن موت الشارع, وعن استسلام الأمة, وعن الهيمنة الأمريكية المطلقة, ولكن بيّن الشارع, في كل المستويات الوطنية والعربية والإنسانية, عن حيوية فاقت التوقعات, وكانت امتدادا, في الحقيقة, لصمود الشعب الفلسطيني.

 

فلو لا الصمود البطولي والأسطوري, الذي عبّر عنه الشعب الفلسطيني, في مواجهة آلة عسكرية متطورة وهمجية, ومدعومة بالقوى الدولية, ومدعومة بالقوة الأمريكية في العالم.. فلو لا ذاك الصمود, ما كان الشارع ليتحرك هذه الحركة القوية, على امتداد الأرض كلها.. فالتحية والتقدير هو أولا لأبناء وبنات فلسطين بكل فئاتهم.

 

 

* يتهم الشارع العربي بأنه شارع عاطفي, سريع الحركة, وسريع العودة للهدوء, أو الاستكانة.. هل تجدون هذا التوصيف عادلا في وصف الشارع العربي؟

 

- لا.. لا.. الشارع العربي لا يتحرك إلا إذا لمس صمودا وثباتا ومبدئية وفدائية, من قبل الجهة, التي يراد التضامن معها. صحيح أن الشارع العربي بدا, في مرات سابقة, وكأنه ميت, والسبب هو التراوح بين المقاومة, وبين الحلول الاستسلامية, فالشارع ليس نخبة يمكن أن نحركها بقرار, ونسكّنها بقرار.

 

فالشارع لا يتحرك إلا عندما يلمس ثباتا ومبدئية وعزما حقيقيا ثابتا على المقاومة, وعلى التحرير, وعلى التصدي. لكن السلطة الفلسطينية في مرات كثيرة سابقة, ونخشى أن تعود هذه المرة, هي التي تسببت في تثبيط الشارع العربي, عن أن يتحدى الحواجز, التي أمامه..

 

فالخروج إلى الشارع في الوطن العربي, ليس لعبة.. الخروج إلى الشارع هو جهاد, فمن يخرج إلى الشارع, كمن يلبس كفنه, ويضع روحه على كفّه, ولا يفعل الإنسان ذلك إلا إذا اطمأن تمام الاطمئنان إلى أن الطرف الآخر مصمم على التضحية, ومصمم على مواصلة الكفاح والجهاد, من أجل تحرير الوطن. فلا ينبغي إذن أن يتم التعامل مع الشارع, وكأنه أداة لتحسين شروط التفاوض على طاولة معينة.

 

 

* تشكو الأوضاع العربية في كل بلد على حدة, من كثير من البؤس, بسبب غياب العدالة, وغياب الديمقراطية, وغياب الكرامة الإنسانية, لكن ذلك لم يحرك الشارع العربي, وحركته الانتفاضة والقضية الفلسطينية.. فأي دلالات لذلك؟

 

- ليس ذلك دلالة على أن هذه القيم ليس لها رصيد في نفوس الناس, فإحساس شعوبنا بالكرامة, وإحساسها بالحق والعدل, إحساس أعمق من إحساس أي شعب آخر, بسبب ما رسّخ الإسلام من قيم العدل, ومن نماذج العدل, كالنماذج النبوية, ونماذج الصحابة, ونماذج الثائرين, عبر التاريخ الإسلامي, بما جعل تطويع شعوبنا أمرا ليس ميسورا, ولذلك كثيرا ما فاجأت الشعوب, الذين ظنوا بها الاستسلام, وظنوا بها الرضا بالواقع الآسن, والدليل على ذلك أن الديمقراطية في العالم العربي, لم تجرّب, وذلك بسبب عدم الاطمئنان إلى أن هذه الشعوب تم تدجينها, وتم تطويعها, فعسكرة الشارع العربي, وفرض أنظمة متميزة في استبدادها, والإدمان على تزييف الانتخابات, أو منعها مطلقا, كل ذلك دليل على عدم الاطمئنان إلى أن شعوبنا تم تدجينها, وأن إحساسها بالحق, وتمييزها بين العدل والظلم, لايزال مستقرا, وأنها تتربص بأعدائها.

 

أما لماذا تحركت في الشأن الفلسطيني, بينما لم تتحرك في ما عداه؟, فهذا ليس دليلا على ضعف إحساسها بأهمية العدل والحرية, وإنما هو بسبب عمق القضية الفلسطينية.. عمق ووضوح الحق في فلسطين, وما تمثله فلسطين من أبعاد دينية وأبعاد تاريخية, وأبعاد استراتيجية في الأمة.

 

فشعور الأمة عميق بأن التحدي في فلسطين, هو تحد وجودي, وأنها إذا فقدت فلسطين, فقد فقدت استقلالها الذاتي, وفقدت كرامتها, وصار مستحيلا أن تتوحد, ومستحيلا أن تنهض اقتصاديا, وأن تنهض اجتماعيا, ففلسطين محرار, وميزان, تزن بها الأمة موقعها في العالم, وهل هي مستقلة؟, وهل هي موحدة؟, وهل هي عزيزة كريمة؟, أم هي ذليلة وممزقة؟.

 

 

* بدت الأنظمة العربية عاجزة عن وقف المجزرة, التي جرت في الأراضي المحتلة, وبدا البون بينها وبين شعوبها شاسعا.. فأي نتائج يمكن أن تنجم عن ذلك بالنسبة للقضية الفلسطينية خاصة, وللوضع العربي عامة؟

 

- حقيقة, هناك مفارقة بين وضعية شعوبنا, ووضعية دولنا, فشعوبنا لاتزال تتحرك في قضية فلسطين, وفي أمثالها من القضايا العامة.. تتحرك من موقع الوحدة, وأن فلسطين ليست قضية خارجية.. بل هي قضية داخلية, وأهم من أي قضية داخلية في أي قطر, بينما هذه الدول تتعامل مع هذه القضية على أنها قضية خارجية, بل هي عبء علينا, والمطروح كيف نتخلص منه, ونكله إلى (رئيس السلطة الفلسطينية) ياسر عرفات, وإلى الناطق الرسمي والوحيد, يتصرف في هذه القضية كما يشاء..

 

فهذه مفارقة بين الدولة القطرية, التي تأسست على معنى لا تقره شعوبنا, على أن هذه الأقطار هي أمم, وليست أجزاء من كيان واحد.. فالكيان المعنوي, أي وحدة الأمة.. هذا الكيان لايزال قائما في نفس كل عربي, وفي نفس كل مسلم.. الوحدة لاتزال قائمة في الشعور, وفي العقيدة, وفي الإحساس, والناس يتصرفون وفق ذلك, مع القضايا الكبرى.

 

أما الدول فقائمة على أساس يخالف ذلك, فمن هنا بقدر المبدئية, التي تتصرف شعوبنا وفقا لها إزاء قضية فلسطين, وتصرفت بالأمس إزاء قضية البوسنة وأمثالها, فإن حكامنا أقصى ما يفعلونه أن يجاملوا الشعور العام, فيقوموا بأعمال من قبيل المناورات, ومن قبيل امتصاص غضبة الشارع, وليس تعبيرا عن احترام لإرادة الشارع.

 

فمواقف الأنظمة, كلّها دون استثناء, أدنى من الحد الأدنى, الذي يطلبه الشارع, وتحتاجه القضية, ولكنّها تختلف, حتى في هذا الحد الأدنى, من نظام إلى آخر, فهناك أنظمة عاجزة, وهناك أنظمة متواطئة, وهنالك أنظمة ضعيفة.. وعلى كل فهذه الأنظمة في ظل استمرار التجزئة, لا ينتظر منها الكثير.

 

 

* كنتم لفترة من الزمن المحرّك الأساس لمجموعة من العلماء, في ما يخص الفتاوى والبيانات الموجهة للشارع العربي والإسلامي, لتفعيل التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية, فلماذا غابت بياناتكم وفتاواكم في الأحداث الأخيرة, وكان الأولى أن تكونوا أكثر حضورا؟

 

- في الفترة الماضية بلغ مستوى التعبئة للقضية أوجه, ولم يعد الطرف الإسلامي هو الطرف الوحيد المحرّك والمحرض على الانضمام للتضامن مع القضية المركزية لأمتنا, فقد تحرك الشارع بكل فئاته, وبكل تياراته, ولم يعد الأمر يحتاج إلى فئة واحدة, مطلوب منها أن تنفرد بتعبئة الشارع, فالشارع متحرك, والمطلوب الالتحام بحركته. وفي كل قطر من الأقطار, فإن هؤلاء, الذين كانوا يصدرون البيانات, ويحرضون على التحرك, اندمجوا في حركة الشارع, كجزء منه.

 

 

* أنتم من المهتمين بقضايا التحول الديمقراطي في العالم العربي والإسلامي, وأود أن أسألكم هل يقرب ما يجري في الشارع العربي والإسلامي من حراك وحيوية, من تحقيق الديمقراطية؟ أم أن الرياح تقود السفينة في اتجاه آخر؟

 

- الذي يخيف الأنظمة من حركة الشارع, ليس فقط مناصرته لقضية فلسطين, وهي قضية خارجية, بوجه من الوجوه, رغم أن الأنظمة تخشى من غضبة أمريكا, ومن شبهة تحريضها لحركة الشارع ضد الخيارات الأمريكية الصهيونية, أو صمتها إزاء حركة الشارع..

 

فالأنظمة تخشى من هذا, ولكن خشيتها الأشد, أنها تدرك أن احتجاج الشارع, ليس على ما يجري في فلسطين فقط, وإنما هو على ما يجري في تونس, وما يجري في الجزائر, وما يجري في مصر, وما يجري في كل الأقطار.

 

فالشارع إذ يتخطى الحواجز, التي وضعتها الأنظمة, فمعنى ذلك أن هناك خشية أن تنفلت الأمور, وأن ينقلب مطلب تحرير فلسطين, إلى مطلب تحرير الإرادة في كل قطر من هذه الأقطار, أي إلى مقاومة الاستبداد, والمطالبة بالحرية, والمطالبة بالديمقراطية.

 

فهناك إذن ارتباط شديد بين التضامن مع حركة تحرير فلسطين, وبين قضية تحرير الإرادة في كل قطر من أقطارنا, ومن هنا الأنظمة تصاب بحالة هستيريا وجنون, كلما تحرك الشارع, لأي قضية من القضايا, لأن الفارق الأساسي بين النظام الديمقراطي, وبين النظام الاستبدادي, هو من يتحكم في المجال العام, بما هو التعبير بالتظاهر, والتعبير بالكتابة, والتعبير بالكلمة, والتجمهر, والخطابة في المساجد..

 

هذا المجال العام هو في الديمقراطية ملك للشعب, فالشعب يستطيع أن يعبر بالمظاهرة, وبالكتابة, وفي المسجد, وفي الكنيسة, بينما في النظام الدكتاتوري فالمجال العام هو ملك للدولة, وملك للسطة, وخروج الناس للشارع بغير إذن الدولة, هو في الحقيقة, اندراج في عملية تحرر داخلي, وعملية انتزاع للمجال العام من هيمنة الدولة, وإعادة الأمور إلى نصابها, بأن المجال العام هو ملك للناس.

 

 

* هناك رأي في الشارع العربي, لعلكم أشرتم إليه من طرف خفي, يرى أنه لابد من تحرير الأوضاع العربية, وتحرير الإرادة العربية, وترتيب البيت العربي من الداخل, قبل التوجه إلى تحرير فلسطين.. فكيف تنظرون إلى هذا الرأي؟

 

- هذا كلام نظري.. هذا حديث نظري. وفي الواقع هناك علاقة متبادلة بين تحرير فلسطين, وبين تحرير الفرد, وتحرير مؤسسات المجتمع المدني, وتحرير السياسة, في كل بلد من البلدان. فبقدر ما ننجز على صعيد تحرير فلسطين, بقدر ما ننجز أكثر من ذلك على صعيد تحريرنا  كأفراد, وكمجتمع مدني, وكسلطة, والعكس صحيح أيضا, فبقدر ما ننجز في كل قطر من تنمية اقتصادية, وتنمية سياسية, بقدر ما نتأهل أكثر للإسهام في مجهود تحرير فلسطين.

 

ينبغي أن نعرض عن منطق هذا أو ذاك.. فإما أن تشتغل بالتنمية الذاتية, والتنمية القطرية, والتنمية الوطنية, أو أن تشتغل بدعم مجهود تحرير فلسطين, فالعلاقة متبادلة بين الأمرين.

 

وأنا أرى أن فلسطين قضية مباركة بالمعنى الديني, فهي قبلتنا الأولى, وهي اليوم قبلتنا الاستراتيجية.. لم تبق فلسطين قبلة دينية, ولكنها قبلة استراتيجية, بمعنى أنها ميزان يوزن به وضع أمتنا في العالم.. هل نحن أقوياء أم ضعفاء؟.. هل نحن موحدون أم مفرقون؟.. هل نحن في حالة نمو أم في حالة تخلف؟.. صحة أم مرض؟.

 

وفلسطين في الحقيقة تعطينا أكثر مما تأخذ منا.. نعطيها القليل فتعطينا الكثير.. وهناك كلمة قالها في ما أظن الدكتور (منصف) المرزوقي (رئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية في تونس).. قال فلسطين سوف تحررنا, فلسنا نحن الذين سنحرر فلسطين, بل هي التي ستحررنا.. أي بقدر ما نلتحم بهذه القضية الاستراتيجية, بقدر ما ينعكس ذلك إيجابيا على مستوى تحرير الفرد من الخنوع, وتحريره من الانطوائية, ومن التمحور حول ذاته, وتحرير كل قطر من أن ينعزل حول ذاته.

 

هذه القضية أيضا تدرجنا ضمن الصراعات الدولية الكبرى, وترفعنا إلى مستوى الشأن العام, بدلا من أن ينزوي كل منا, سواء في مستواه الخاص الذاتي, أو في مستوى قطره, فهي تنمي الشعور العام.. شعورنا بأننا أمة, وتخرجنا إلى الساحة الكبرى للمعركة الدولة, وهي أيضا تقوم بعملية تمحيص وفرز بين القوى الناهضة الوطنية العروبية الإسلامية, وبين القوى المتساقطة المتهاوية.. قوى الخيانة والتذيل للأجنبي.

 

فقضية فلسطين, باعتبارها قضية كبرى, تقوم عندنا بعملية فرز كبير, وتقوم بعملية إيقاظ للأمة من غفوتها, وتذكيرها بأنها أمة واحدة, وتزج بها في النهر الكبير.. نهر القضايا الكبرى والمصيرية.

 

 

* تحدثتم قبل قليل عن المخاوف الأمريكية على الاستقرار في الوضع العربي.. ولكن بم يمكن تفسير الانحياز الأمريكي الأعمى للجانب الإسرائيلي المعتدي؟ وهل توافقون على الرأي القائل بأن ما يجري هو جزء من خطة أمريكية لتحطيم المعنويات العربية والإسلامية الناهضة, ولاستئصال ثقافة المقاومة المتنامية, وخاصة بعد انتصار حزب الله في جنوب لبنان على العدو, وطرده شر طردة, وشعور العرب بأن الانتصار أمر ممكن.. وأن تنفيذ عملية تحطيم المعنويات أوكلت إلى الطرف الإسرائيلي باعتباره صاحب مصلحة مباشرة؟

 

- كل ذلك صحيح, فالأمة تواجه أمريكا, أو أمريكا تواجه الأمة, بأكثر مما تواجهها إسرائيل. فإسرائيل ليست إلا أداة من أدوات الهيمنة الأمريكية.. وما حصل من دعم مطلق, ومن تعبير عن دعم أمريكي مطلق.. بلا حدود, للوحشية الإسرائيلية, يعبر عن إفلاس أخلاقي أمريكي.

 

فالقيم التي رفعتها أمريكا, من تحرر وحقوق إنسان وديمقراطية, كلها في الحقيقة أفضت إلى حالة إفلاس.. أمريكا التي تدخلت في الخمسينات لوضع حد للعدوان الثلاثي على مصر, وأمريكا التي رفعت منذ العشرينيات من القرن الماضي شعارات تقرير المصير, ومناصرة الشعوب المغلوبة على أمرها, انتهت إلى وضع مهين, يصبح فيه قرارها تابعا لدويلة بسيطة, فقط بسبب نفوذ هذا اللوبي الصهيوني, وما يتمتع به من نفوذ في الإعلام, وفي الاقتصاد الأمريكي, بسبب اعتبارات انتخابية للرؤساء الأمريكان.. هذا ما يجعل تأييدهم مطلقا لهذا الطفل الشرس.. لهذا الطفل المدلل والمتوحش.

 

هل تفعل أمريكا ذلك فقط لاعتبارات انتخابية؟.. أنا أظن أنه هذا ومعه.. فهنالك التزام أمريكي ليس جديدا.. التزام أمريكي, بل غربي في الحقيقة, بدعم هذا الكيان السرطاني, المزروع في جسم الأمة, لمنعها من النمو, ولمنعها من التوحد,  وللإبقاء على حالة الضعف وحالة التمزق.

 

إذن هناك اعتبارات استراتيجية, ورثتها أمريكا عن الاستعمار القديم, للإبقاء على هذا الكيان, وإمداده بكل وسائل القوة, حتى ينهض بمهمته الاستراتيجية, في الحيلولة بين أمتنا وبين النهوض, وبين أمتنا وبين التوحد.

 

وهناك أسباب واعتبارات ظرفية لهذا الدعم, الذي فاق كل الحدود, وهي اعتبارات انتخابية أمريكية داخلية.

 

لذلك لا عجب أن تصاعد الكره لأمريكا في كل الأوساط الوطنية والعروبية والإسلامية, وفي الشارع الإنساني العام, المتمسك بقيم العدالة, وقيم التحرر, وحقوق الإنسان.. فالغضبة إذن ضد السياسات الأمريكية, والكره لأمريكا يتصاعد في مستوى العالم, ليس فقط بسبب سياساتها الاستراتيجية, وإنما أيضا بسبب رعايتها, التي فاقت كل حد, لهذه الدولة المتوحشة, للاعتبارات الظرفية والانتخابية.

 

وأحسب أن التيار الإنساني التحرري داخل الولايات المتحدة الأمريكية, ضد الإدارة الأمريكية في تصاعد, وربما لأول مرة في الدول الغربية الكبرى, مثل انجلترا وألمانيا وفرنسا, تصل نسبة التأييد للقضية الفلسطينية, والكره للسياسات الأمريكية والإسرائيلية إلى 39 في المائة من الرأي العام الغربي, وهذه نسبة غير مسبوقة.

 

 

* أنتم من المهتمين بالحوار الحضاري بين الإسلام والغرب, والناشطين في إطار منتدياته.. فأي تأثيرات يمكن أن تنجم عن الانحياز الأمريكي الأعمى خاصة, والغربي عامة, لإسرائيل, عن العلاقات بين الإسلام والغرب؟

 

- لا شك أن هذا التأييد الأمريكي المطلق للوحشية النازية اليهودية الصهيونية, يمثل عقبة كأداء, أمام كل دعوة للحوار الإسلامي الغربي, والتقارب العربي الإسلامي الأوروبي الأمريكي. فلا شك أن هذا يمثل عقبة كؤودا. فأن يصبح البرنامج الصهيوني في الهيمنة على المنطقة كلها, وفي تدمير أي وجود فلسطيني, جزء من ملف الحوار الإسلامي الغربي, هو مفسد لهذا الحوار. ونحن ندعو للفصل بين الملف الصهيوني, وبين ملف العلاقات الإسلامية الغربية.

 

 

* عفوا ولكن لا يمكن الفصل واقعا بين..

 

- (مقاطعا) في الحد الأدنى نحن نطالب الغرب وأمريكا, إذا لم ينتصروا للحق الفلسطيني والعربي, فلا أقل من أن يلتزموا الحياد..

 

نحن عندما نبدأ حوارا مع أمريكا, فلا تضع أمريكا بين أيدينا ملف الصين, وتقول إن الملف الصيني, أو الملف الياباني, سيتحكم في هذا الحوار, فالملف الصيني أو الياباني منفصل عن ملف العلاقات الإسلامية الغربية, فلماذا يصبح الملف الصهيوني جزء من هذه العلاقة؟.

 

 

* أشرتم قبل قليل لتنامي الرأي العام الغربي المساند للقضية الفلسطينية, ويبدو أن من بركات الانتفاضة والمقاومة في الأرض المقدسة, بداية تشكل لوبي عربي إسلامي في الغرب, وحصول تلاق بين هذا اللوبي, واللوبي المناهض للعولمة.. فهل الثقافة الإسلامية, وهل الجماعات الإسلامية في الغرب, مأهلة لمثل هذا اللقاء؟ وأي آثار يمكن أن تنجم عنه؟

 

- هذا من أهم التطورات, ومن أهم بركات هذه القضية المباركة, قضية فلسطين, أنها نمّت التيار المناهض في الغرب للعولمة والهيمنة الأمريكية والصهيونية.. تنامي هذا التيار, والتحامه مع القضية الفلسطينية أمر مهم جدا. ولقد لاحظنا مثلا في لقاءات برشلونة للتعاون الأوروبي المتوسطي, الذي يعتبر حلقة من حلقات العولمة, أن التظاهرات, التي حصلت هناك من قبل مناهضي العولمة, تلونت باللون الفلسطيني, إذ كان العلم الفلسطيني, والكوفية الفلسطينية, أهم الألوان, التي برزت في تلك التظاهرات, لدرجة أن عددا من رموز مناهضة العولمة, مثل جوزيه بوفييه, كانوا في ذلك الوقت في رام الله يمثلون درعا بشريا لحماية القيادة الفلسطينية.

 

أحسب أن الشارع العربي, والشارع الإسلامي, بدأ يكتشف أهمية هذا التيار, ويلتحم به, ولاسيما في العواصم الأوربية.. هنا في لندن, وفي باريس, وفي واشنطن, وفي فرنكفورت, صار هناك تلاحم بين هذا التيار, الذي هو خليط من اليسار, ومن الخضر, ومن المناضلين الحقوقيين, فهو تيار من فئات شتى, رغم ما يبدو أن الغالب عليه هو تيار يساري, ولكن هو في الحقيقة خليط, وبين التيار الإسلامي.

 

وأحسب أن التيار الإسلامي مطالب بأن يلتحم أكثر مع هذا التحرك الكوني, أو هذه الموجة الكونية المناهضة للعولمة, وتمثل القضية الفلسطينية في الحقيقة أرضية مهمة جدا للقاء بين التيار الإسلامي والعروبي والوطني, وبين التيار الكوني المناهض للعولمة. فإسرائيل ليست إلا حربة متقدمة في جبهة العولمة.

 

 

* لننتقل سريعا إلى الشأن التونسي المحلي, فقد اتهمت حركتكم بالمسؤولية عن حادث الغريبة, الذي استهدف كنيسا يهوديا.. فهل لكم من صلة بالحادث؟

 

- نحن منذ البداية أصدرنا, حتى قبل أن تضطر السلطة للاعتراف بأن ما حصل ليس حادثا, وإنما هو عملية مدبرة, بيانا أدنا فيه هذه العملية, وقلنا إنه على فرض أنه ليس حادثا, وإنما عملية مدبرة, فنحن ندين ذلك, واعتبرنا أن هذا اعتداء على آمنين, وعلى مواطنين تونسيين.

 

فليست السلطة القائمة ستعلم الإسلاميين معنى التسامح, ومعنى الإيمان بالحرية الدينية, فهذا جزء من ديننا, وجزء من تراثنا, واليهود في تونس ليسوا ظاهرة جديدة, بل وجودهم في تونس كان أكثر بكثير منه الآن.. ولم تكن قبل قيام الكيان الصهيوني, قرية في تونس, تخلو من وجود يهودي, وما عرف يوما أن هناك توترا في العلاقات بين التونسيين وبين مواطنيهم من اليهود.

 

وإذن فمن قبيل الاستغلال الرخيص لهذه المأساة, أن تستغل سياسيا, بأن تنسب إلى جهة, طالما أكدت على الحرية الدينية, وعلى التضامن الوطني, وعلى مقاومة الاعتداء على أي إنسان مهما كان.

 

 

* يدور في الساحة التونسية جدل حول المسألة اليهودية, ومسألة معاداة السامية.. فكيف تنظرون لمثل هذا الجدل؟

 

- هذا أيضا من قبيل المزايدة والاستغلال الرخيص, وذلك أن تنسب شعوبنا إلى اللاسامية, وهي شعوب سامية أصلا.. هذا تذيل للخطاب الصهيوني, وللخطاب الغربي. فشعوبنا شعوب سامية, وأمتنا وحدها من بين الأمم لم تضطهد اليهود, الذين عاشوا بين ظهرانيها, وطوروا ثقافتهم, في ظل الإسلام, كما لم يحصل لهم في ظل أي حضارة أخرى.

 

فلا أفهم كيف ننخرط في عملية جلد أمتنا, ونرميها بتهم لا علاقة لها بها. ولذلك فالأصوات القليلة, التي افتعلت قضية في تونس, بأن هناك حربا ضد اليهود, وانتصبت مدافعة عنهم.. فهذه معركة لا أساس لها, وهذا افتعال لمعركة, فلا توجد أزمة لليهود في تونس..

 

اليهود يتمتعون بحرية في تونس لا يتمتع بها المسلمون. فمعابدهم محترمة, ولا أحد يدري ماذا يفعلون داخلها, بينما المساجد في تونس.. الاضطهاد في العالم العربي والإسلامي, وهذا ليس جديدا, ولكنه تفاقم.. الأقليات لم تكن مضطهدة في تاريخنا, بل الأغلبية, هي التي كانت تتعرض للاضطهاد. فالاضطهاد كان مسلطا على الأغلبية, وليس على الأقلية.. فالأقليات تعيش أوضاعا تحسدها الأغلبية عليها.

 

ويوما ما أنا كتبت في بداية السبيعينيات مقالة في تونس, قلت فيها ليتنا كنّا يهودا, بمعنى أننا نطالب نحن بمساواتنا باليهود, فليست هناك حاجة للدفاع عن اليهود في تونس, ولا في غيرها من بلاد العالم الإسلامي, لأنهم ليسوا مضطهدين.

 

 

--------------------------------------

سيرة ذاتية:

 

- الاسم: راشد الغنوشي

 

- من مواليد عام 1941 بقرية الحامة بالجنوب التونسي.

 

تلقى تعليمه الابتدائي بالقرية، ثم انتقل إلى مدينة قابس, ثم إلى تونس العاصمة, حيث أتم تعليمه الزيتوني.

 

- انتقل إلى مصر لمواصلة دراسته، خصوصا وأنه كان من المعجبين بتجربة عبد الناصر القومية، لكنه لم يستقر بها طويلا, وانتقل إلى دمشق في سوريا، حيث درس بالجامعة, وحصل على الإجازة في الفلسفة, وهناك بدأت تتبلور المعالم الأولى لفكره الإسلامي.

 

- انتقل إلى فرنسا لمواصلة الدراسة بجامعة السربون, وبموازاة الدراسة بدأ نشاطه الإسلامي وسط الطلبة العرب والمسلمين، كما تعرف على جماعة الدعوة والتبليغ, ونشط معها في أوساط العمال المغاربة.

 

- في نهاية الستينات عاد الغنوشي لتونس, التي قطعت مع الرئيس الحبيب بورقيبة أشواطا بعيدة في اتجاه التغرب والقطع مع الإسلام وتراثه, وبدأ نشاطه الدعوي وسط الطلاب وتلاميذ المعاهد الثانوية, الذين تشكلت منهم حركة الاتجاه الإسلامي (النهضة الآن), التي يرأسها الغنوشي.

 

- حوكم الغنوشي بسبب نشاطه الدعوي والسياسي العديد من المرات, وكانت أهمها محاكمته عام 1981 بالسجن 11 عاما, ومحاكمته عام 1987, وحكم عليه بالسجن مدى الحياة, كما حوكم العام 1991 مرة أخرى بالسجن مدى الحياة غيابيا, وحوكم أيضا عام 1998 غيابيا بنفس الحكم. 

 

 

 

أهم كتبه ومؤلفاته

 

عرف الشيخ راشد بكتاباته منذ السبعينات, وصدرت له منذ ذلك الحين العديد من الرسائل والكتب منها:

 

- طريقنا إلى الحضارة

 

- نحن والغرب

 

- حق الاختلاف وواجب وحدة الصف

 

- القضية الفلسطينية في مفترق الطرق

 

- المرأة بين القرآن وواقع المسلمين

 

- حقوق المواطنة في الدولة الإسلامية

 

- الحريات العامة في الدولة الإسلامية

 

- القدر عند ابن تيمية

 

- مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني

 

- الحركة الإسلامية ومسألة التغيير

 

- من تجربة الحركة الإسلامية في تونس

 

وقد ترجمت بعض من كتبه إلى لغات أجنبية، كالانجليزية، والفرنسة، والتركية، والاسبانية  والفارسية.

 

- للشيخ الغنوشي إسهامات علمية وفكرية في العديد من الدوريات الأكاديمية الأجنبية والعربية.

 

- وهو أحد مؤسسي الندوة العالمية للشباب الإسلامي عام 1971، وأحد مؤسسي "المؤتمر القومي الإسلامي", الذي يجمع بين التيار القومي العربي والتيار الإسلامي, وأحد مؤسسي "حلقة الأصالة والتقدم", التي تعنى بالحوار الإسلامي المسيحي, والتي تضم  عددا من كبار المفكرين الإسلاميين والأروبيين والأمريكيين.