الاختراق الاستعمارى من خلال الأقليات الدينية الجديدة

 

بقلم : د. محمد عمارة

 

 

منذ الغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة، نشهد مخططاً معادياً لوحدة الأمة، يريد أن يحول "نعمة التعددية" إلى "نقمة"! وأن ينتقل بطوائف الأقوام والملل والمذاهب من "لبنات" في بناء الأمة الواحدة إلى "ثغرات" في جدار الأمن الوطني والقومي والحضاري ..

بدأ ذلك المخطط بمحاولات بونابرت (1769 - 1821) مع نفر من أقباط مصر ابان الحملة الفرنسية عليها (1213 هـ 1897 م) .. عندما أغرى جماعة من "أراذل الأقباط" كما سماهم الجبرتي (1167 1237 هـ 1754 1822) .. فأقاموا فيلقاً قبطياً، شارك مع الجيش الفرنسي في القهر الاستعماري لمصر وفي إخماد ثوراتها وانتفاضات مدنها وقرها ضد الغزاة .. وكانت قيادة هذا الفيلق "للمعلم" يعقوب حنا (1158 1216 هـ 1745 1801م) الذي نبذته كنيسته القبطية .. وجعله الفرنسيون "جنرالاً"! .. وسماه الجبرتي "يعقوب اللعين"!

ولقد استهدفت هذه المحاولة البونابرتية وحدة الأمة عندما أرادت سلخ مصر باسم "الاستقلال" عن محيطها العربي الإسلامي وقطع روابطها بهويتها الحضارية وتراثها الإسلامي، وذلك بإلحاقها بالغرب، وإحلال التشريعات التي ترضى عنها فرنسا محل شريعة الإسلام التي تمثل سمة من سمات وحدة الأمة الإسلامية .. وكانت تلك أقدم محاولات التفتيت للأمة في عصرنا الحديث.

وتزامنت مع هده المحاولة، دعوة بونابرت سنة 1799م للطوائف اليهودية التي نعمت في الحضارة الإسلامية بما لم تحلم به من حضارة أخرى دعوته كي تتحالف مع جيشه الغازي ومشروعه الاستعماري، فتقوم بدور "ثغرة الاختراق" و"موطئ القدم" وذلك مقابل تمكينهم من فلسطين .. فأصدر بونابرت نداءه لهده الطوائف اليهودية أثناء حصاره لمدينة "عكا" .. فقال:

"من نابليون بونابرت، القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وأسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين.

أيها الإسرائيليون أيها الشعب الفريد .. انهضوا بقوة، أيها المشردون في التيه .. لابد من نسيان ذلك العار الذي أوقعكم تحت نير العبودية، وذلك الخزي الذي شل إرادتكم لألفي سنة.

إن فرنسا تقدم لكم يدها الآن حاملة إرث إسرائيل .. إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به .. قد اختار القدس مقراً لقيادته وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة، التي استهانت طويلاً بمدينة داود وأذلتها..

يا ورثة فلسطين الشرعيين إن الأمة الفرنسية .. تدعوكم إلى إرثكم بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء ..!! "

فكما بدأ المشروع الاستعماري الغربي فتح ثغرات الاختراق والتفتيت على جبهة أقباط مصر .. بدأ فتح ثغرة ثانية على جبهة الطوائف اليهودية .. ساعياً إلى تحويل "نعمة التعددية" إلى "نقمة التشرذم والتفتيت"!..

وبعد هزيمة مشروع بونابرت .. واصلت إرساليات التنصير الديني والتغريب الثقافي الفرنسية محاولات الاختراق والتفتيت، بالعمل على تحويل بعض الطوائف والمذاهب والملل إلى ثغرات اختراق تفتت وحدة الأمة، وتهدد أمنها الوطني والقومي والحضاري .. فمدارس الإرساليات الفرنسية في الشام، استهدفت كما عبرت عن ذلك مراسلات قناصلهم "جعل سوريا (أي الشام الكبير) حليفاً أكثر أهمية من مستعمرة"! و"تأمين هيمنة فرنسا على منطقة خصبة ومنتجة"! وتحويل الموارنة إلى "جيش متفان لفرنسا في كل وقت"! وذلك وصولاً إلى "جعل البربرية العربية (كما قالوا)! تنحني لا إرادياً أمام الحضارة المسيحية لأوروبا"!!

وما حاوله الفرنسيون مع الموارنة، حاوله الإنجليز مع الدروز، في ذات التاريخ!.. وحاولوه مع اليهود عندما أرادوا استخدامهم في فلسطين سداً أمام مشروع مصر، بقيادة محمد علي باشا (1184 1265 هـ 1770 1849 م) لتجديد شباب الشرق، وعلاج أمراض الدولة العثمانية .. فكتب وزير الخارجية الإنجليزي "بالمرستون" إلى سفيره في "استانبول" اللورد "بونسونبي" في 11 أغسطس سنة 1840م يقول له: "عليك أن تقنع السلطان وحاشيته .. بأنه إ>ا عاد الشعب اليهودي تحت حماية السلطان ومباركته إلى فلسطين فسوف يكون ذلك مصدر ثراء له، كما أنه سوف يكون حائلاً بين محمد علي أو أي شخص آخر يحالفه وبين تحقيق خطته الشريرة في الجمع بين مصر وسوريا..!!" فالهدف هو التفتيت للأمة، بتوظيف اليهود عقبة ضد "الجمع بين مصر وسوريا"!.. وكذلك، سعى الإنجليز إلى ما سبق وسعى إله بونابرت فمقاصد المشروع الغربي واحدة .. مع اختلاف المحتكر للثمرات!.. وذلك عندما استهدفوا علاقة أقباط مصر بمسلميها .. عن طريق العداء للاثنين ومحاولات ضرب الجميع .. وذلك بإقامة قواعد اختراق للتنصير، وفق المذاهب النصرانية الغربية تارة، وبغرس وتنمية الشقاق الطائفي مع المسلمين تارة .. وبالعداء لوحدة الأمة في مل الأحايين فاللورد كرومر (1841 1917م) المعتمد البريطاني في مصر تزعجه وحدة الأمة أقباطها ومسلميها في منظومة القيم، حتى ليتعذر التمييز بين القبطي والمسلم فينتقد دينيهما! ويحدد أن العدو بالنسبة له هو الطابع الشرقي للحضارة، الذي يميزها عن الحضارة الغربية الغازية .. فيقول: "ام مسيحية القبطي محافظة (جامدة) بقدر ما هو إسلام المسلم. والقبطي غير قابل للتغيير (التقدم) - .. وهذا راجع لا لأنه قبطي، بل لأنه شرقي، ولأن ديانته التي تسمح بالتقدم قد حوصرت بأخلاط معادية للتقدم .. وإذا كان المسلم لم يصبح مسيحياً على أي وجه من الوجوه، فإن القبطي قد أصبح مسلماً من قمة رأسه إلى أخمص قدميه في المسلك الأخلاقي واللغة والروح"!

فعدو كرومر المعتمد البريطاني للاستعمار الإنجليزي في مصر هو وحدة الأمة والحضارة، التي جعلت الجميع شرقيين، بصرف النظر عن الملل والشرائع والتي جعلت النصراني المصري متوحداً مع المسلمين في المسلك الأخلاقي واللغة والروح!

وللحديث بقية إن شاء الله