المركزية الغربية والتمحور حول الذات

 

بقلم : د.شلتاغ عبود

 

أولاً: التمحور حول الذات

ثانياً: العدوانية والدموية

ثالثاً: المكر والخداع

رابعاً: الحقد

خامساً: اللادينية

سادساً: اللاأخلاقية

ما من شك في أن الثقافة الاوربية في العصور الحديثة قد اكتسبت عناصر قوة وتأثير، واستطاعت أن تتجاوز بيئتها المحلية إلى بيئات عالمية واسعة، منها بيئتنا الإسلامية، وذلك لظروف معروفة لمن يتابع مراحل التطور والتغيرات التي طرأت على اوربا منذ نحو قرون، ابتداءً مما سمي بعصر النهضة في القرن السادس عشر. وليس من هدف هذه الصفحات ان ترصد هذا التطور او تفصل القول في خصائص الفكر الاوربي في العصر الحديث، بل تريد ان نقف عند ملامح عامة لهذا الفكر بالقدر الذي يخص علاقته بالآخر سواء كان هذا الآخر هو نحن أو غيرنا من الشعوب التي امتحنت بهذه العلاقة، أو وقعت تحت تأثيرها. بمعنى أننا نريد أن ندرس الشعور الأوربي بشعورنا نحن، وليس بشعور الاوربي نفسه، فنحن الذين وقعت علينا آثار الثقافة الاوربية، ونحن الذين كنا ضحاياها وما نزال. ومن هذه الملامح.

أولاً: التمحور حول الذات

كان لهذا الملمح جذوره في الفكر الاوربي منذ عصر النهضة، حيث كان التركيز على الفردية وتأكيد الذات، ومنذ ان قال ديكارت: (أنا أفكر فأنا موجود)[1]، كان الالحاح على (الانا) و(الفرد) الذي يشعر بوحدانيته وجبروته، وسقط الآخرون من الميزان، وكان أن أصبح الإنسان مركز كل شيء ومقياساً لكل شيء، وتحول مركز الكون من الله إلى الإنسان في تكوين الوعي الاوربي الحديث[2].

ومن هذه المركزية كان فهم الكون، وكان تقويم الآخرين، فالغرب هو محور الدنيا كلها، والعالم كله والآخرون معه أطراف للمركز الاوربي، ومن هنا كانت الهيمنة الاوربية والاستعلاء الاوربي. ومن هنا كانت دراستهم لتاريخ الحضارات الانسانية. فالتاريخ عندهم يبدأ في اوربا، والعصور الانسانية تبدأ في أوربا، فهي تقسم إلى ثلاثة عصور: العصور القديمة والوسطى والحديثة. والانسان الاوربي هو محور حركة هذه العصور، فهو الإنسان اليوناني والروماني والمسيحي والحديث، فيقولون ان الحضارة الغربية هي وليدة ثلاثة تقاليد:

1ـ المجال السياسي والحقوقي، وهو خاضع لتأثير القانون الروماني.

2ـ المجال الاخلاقي، وهو وليد المسيحية.

3ـ المجال الفكري والفني، وهو ثمرة التقليد لحضارة الاغريق[3].

بل ان (لسنج) تتم عنده تربية الجنس البشري على ثلاث مراحل:

مرحلة العهد القديم ـ الدين اليهودي، ومرحلة العهد الجديد ـ الدين المسيحي، ومرحلة " الانجيل " الابدي ـ دين العقل الذي صاغته فلسفة التنوير الأوربية في العصر الحديث، ومن هنا تصل الإنسانية إلى مرحلة الكمال[4].

وربما لا يكون (لسنج) بعيداً عن ذهن (فوكوياما) المفكر الامريكي الياباني الاصل الذي جعل النموذج الليبرالي من الناحية السياسية والإقتصادية نهاية التاريخ، مثلما جعل لسنج النموذج الغربي من الناحية الروحية والفكرية كمالاً لمسيرة الإنسان.

وهم بهذا ينكرون انجازات الحضارات الأخرى، أو يلحقونها بالتاريخ الاوربي، فلا اثر عندهم لحضارات ما بين النهرين، ولا لحضارة الهند، ولا حضارة مصر او الصين او الحضارة الإسلامية، فهي عندهم هوامش، او أطراف، ربما تكون وجدت بتأثير أو ايحاء من انجازات الإنسان الاوربي الذي لم يكن موجوداً او فاعلاً ابان نهضة تلك الحضارات، فلا الفلسفة ولا المنطق ولا العلم ولا المنهج عرف في تلك الحضارت إلا بعد فتوحات الاسكندر الاكبر، او الثورة العلمية في العصر الاوربي الحديث[5]، حتى الفن الإسلامي في الاندلس، وفي قصر الحمراء خاصة، هو أثر من آثار الرومان. يقول احد المستشرقين: " الحمراء "، ماذا تكون الحمراء؟. ان قواعد فن العمارة فيها قد دخلت شبه جزيرة ايبيريا منذ قيام روما وبيزنطة!! "[6]، ويرى ان زخرفة المساجد في الحضارة الإسلامية ذات اصول افلاطونية.

وبهذا يكون الغرب قد أجاز لنفسه تقويم الآخرين من خلال ذاته وتأريخه الخاص، وغاياته ومعاييره الخاصة، فكل الشعوب والحضارات والثقافات والتقنيات تبدو بدائية متخلفة اذا قيست بمسيرة الغرب أو قورنت بحضارته وثقافته وعلومه.

لقد كانت نظرتهم لأهل الشرق عامة والمسليم خاصة نظرة استعلاء، فهم ـ بناءً على هذه النظرة ـ سذج، غافلون، محرومون من الحيوية والابداع، خلقوا لان يكونوا محكومين للغرب. والغربيون يتساوون في هذه النظرة، سواء أكانوا رأسماليين أو شيوعيين ، فهذا كارل ماركس، كان يرى (أن الشرقيين عاجزون عن تمثيل أنفسهم، ينبغي أن يمثلوا) [7]، وكان يرى أن الفضل لانجلترا في تصفية نمط الانتاج الآسيوي القديم وارساء الأسس المادية للمجتمع الغربي الحديث.

وهذا الموقف لايمكن أن يؤدي إلى الاعتراف بفضل المسلمين في ارساء قواعد الحضارة الإنسانية عموماً، فضلاً عن الاعتراف بدورها في النهضة الأوربية الحديثة، بل على العكس من ذلك يتوارث الاوربيون جيلاً بعد جيل أحكاماً مشوهة عن الإسلام وأهله، وكان ذلك قبل الحروب الصليبية وبعدها، وحتى اليوم. وتستطيع ان تقرأ هذا النص الذي دوّن في الكتب المدرسية التي يتلقاها الاطفال في أمريكا في هذا العصر: (ان دين المسلمين الذي يعرف باسم الإسلام بدأ في القرن السابع على يد تاجر غني من شبه جزيرة العرب اسمه (محمد، وقد زعم محمد انه كان نبياً رسولاً، واستطاع أن يجمع أنصاراً وأتباعاً من بين العرب الآخرين، حيث أقنعهم بأن الله قد اختارهم لكي يحكموا العالم) [8].

لقد بلغت هذه النظرة الاستعلائية حدّا تجاهلت فيه كل قيمة انسانية للآخرين، فمن كان خارج التمركز الاوربي لا يعني شيئاً، ولا يمثل شيئاً، وربما خرج عن دائرة الامكانات البشرية. فهذا وفد من (سيام) يأتي إلى فرنسا فيجيد التعبير عما يريده في بلاط (لويس الرابع عشر). فيدهش الفرنسيون، كيف يستطيع غيرهم الافصاح وعرض الحجج، وكأنهم ليسوا من جنس البشر!! [9].

وإذا كان ثمة منصفون يقولون كلمة الحق المجردة من الاغراض السياسية، فهم قلة، مثل غوستاف لوبون، وتوينبي، وغيرهما، وربما تعرض بعض هؤلاء المنصفين للأذى كما حدث لوليام ونستون الذي خلف (نيوتن) في جامعة كمبردج، حيث طرد من الجامعة عام 1709.

ان ثقافة المركز الاوربي لا يرجع تفوقها ـ كما يقول روجية غارودي ـ إلى تفوق الإنسان الغربي نفسه، بل إلى استخدام تقنيات السلاح والبحر لاهداف عسكرية وعدوانية[10]، ولم يكن هذا الإنسان الاوربي انساناً (سوبرمان) حقاً، ولا يملك قوى خارقة تؤهله لان يكون سيد هذا الكوكب بثقافة، ولكن باستخدامه لوسائل وطرق في التعامل غير انسانية كما سنلاحظ.

وحين ندرس آثار التغريب وأوجهه ومجالاته، سوف نلاحظ عقدة هذا التفوق الاوربي لدى (السيد) تنتقل إلى (العبد) فيروح يرددها راضياً قانعاً بقدره في بعض الاحيان، وهذا ما سنلاحظه في مقولات المتغربين والذين رضوا بسيادة الاوربي واقتنعوا بغلبته ودونيتهم، ومن هنا تجيء أهمية دراسة هذا الملمح في تكوين الوعي الاوربي وانعكاسه على نظرتهم للآخرين.

ثانياً: العدوانية والدموية

سمة العدوانية والدموية والعنف سمة غالبة على انسان الحضارة الأوربية قديماً وحديثاً، اذ ان الاوربيين بل والامريكيين المعاصرين هم ورثة الشعوب الجرمانية التي عاثت في الأرض فساداً ودمرت كل ما كان من حضارة روما، وكثيراً ما اطلق عليهم بالشعوب البربرية، وهو اسم يطلق على القوط والوندال والجرمانيين.

ولقد تجلت هذه العدوانية والدموية في الحروب الصليبية ليس في الاعتداء على المسلمين في ديارهم فحسب بل كانوا ـ وهم في طريقهم إلى القدس ـ يدمرون كل شيء، " وكان واحداً عندهم.. ان ينهبوا القسطنطينية أو القدس "، كما يقول كافين رابلي[11].

كانوا ينهبون ويسلبون ويسفكون الدماء وهم في اجواء حرب مقدسة!! هكذا كانوا مع اخوانهم وأبناء جلدتهم، ويتحدث التاريخ عن هذه الدموية بين شعوبهم لاسباب طائفية ودينية، " انهم استباحوا الجرائم الواحدة تلو الأخرى لتحقيق افضلية اله الكاثوليك على إله البروتستان، والحال انهما إله واحد. وهذا طبيعي، فان الكنيسة قضت سبعة عشر قرناً في تدبير الفتن الرهيبة التي زلزلت الغرب، فكانت منبع الحروب والعنف والاضطهاد، وفرقت بين الامم... "[12].

هكذا كانوا فيما بينهم، حتى صار يضرب المثل بحرب المئة عام بين فرنسا وبريطانيا (تحسبهم جميعاً، وقلوبهم شتى) [13].

وإذا كان الامر كذلك، فهم أكثر عنفاً ودموية وعدوانية وانتقاماً في علاقتهم مع غيرهم من الامم ومع المسلمين خاصة، فقد قتلوا مئة الف، او سبعين ألفاً من المسلمين، وكان معظمهم من الشيوخ والنساء والاطفال، وذلك حين دخلوا القدس لاول مرة في حروبهم الصليبية[14]، وكانت فظائعهم وجرائمهم يندى لها جبين البشرية في كل ارض وطأتها أقدامهم من ديار الإسلام، فقد كانوا يدمرون موانىء المسلمين في سواحل افريقيا وآسيا بمدافعهم قبل أن يحتلوها وينهبوها في مرحلة ما سمي بالكشوفات الجغرافية، وما هي بالكشوفات، بل كانت حروباً استعمارية غايتها نهب خيرات الأمم والشعوب وتحويلها إلى اوربا، علماً بأنهم أفادوا من البحارة المسلمين وتجاربهم في البحار الإسلامية، خاصة في رحلة فاسكو داكاما في طريق رأس الرجاء الصالح.

ولقد " اتجهت أساطيلهم إلى أفريقيا تختطف آلافاً مؤلفة من الآمنين السود مسلمين وغير مسلمين، رجالاً ونساءً وصغاراً، يحملونهم في السفن إلى هذه الأرض الجديدة البعيدة ـ امريكا ـ ارض الهنود الحمر، وتهلك في هذه الرحلات آلاف كثيرة منهم تحت السياط، وتبقى آلاف قليلة تلقى على البر لتكون تحت أيديهم بهائم مسخرة بالذل لعمارة الأرض "[15]. هذه هي الحضارة التي يدعي أهلها انهم جاءوا نعمة من السماء لتحضير الجنس البشري ونقله من الظلمات إلى النور!

ولعلك تذكر ما فعل الإنسان الاوربي في عصر (نهضته) بسلالات الهنود الحمر من الانكا والمايا والأزيتك (ممن حطم الاستعمار الاسباني حضارتهم القديمة، ولم يعطهم بديلاً عنها، لان الاستعمار الاسباني استخدمهم عبيداً له في المزارع والمصانع والموانىء والمدن، وأدخلهم القساوسة في المسيحية بالاسم، دون أن تدخل المسيحية قلوبهم) [16].

وهذه نعمة أخرى تمن بها الحضارة الأوربية على الجنس البشري!! اما جرائمهم في الدول الإسلامية التي ابتليت بالاحتلال الاستعماري في القرن السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر وبدايات القرن العشرين ، فلا يوجد لها مثيل في التاريخ البشري فقد كان للهولنديين والبرتغاليين جرائمهم في الفلبين واندونيسيا وجنوب شرقي آسيا عموماً، وكان للفرنسيين كذلك فظائعهم في الجزائر وتونس والمغرب، حيث دمروا الحرث والنسل، المدن والحضارة والانسان والتاريخ في عمليات ابادة للجنس البشري ومحاربة لا هوادة فيها لمقدساته في هذه الديار، مستخدمين اعتى الاسلحة، وأكثر الجيوش وحشية، وأكثر الرهبان والقساوسة والمستشرقين حقداً!!

وكان للانجليز القدح المعلّى في المظالم والاعمال العدوانية الدموية في عدن، ومصر والشام والعراق وايران والهند وافغانستان وغيرها، مما تفيض به كتب التاريخ التي تتحدث عن مرحلة الاستعمار الحديث بكل خيراته التي وعد بها امة الشرق!!

ولعل ما فعله الحلفاء اثناء الحرب العالمية بتركيا وهم يدخلون عاصمتها اسطمبول، يلخص لك الحقد والدموية الكامنة في نفس الصليبيين الجدد، فقد دمروا كل معالم الإسلام من مساجد وآثار وكتب، وقتلوا كل من وجدوه في المدينة.. انها القدس الجديدة، والحروب الصليبية الجديدة!! ولقد صدق الجنرال اللنبي قائد الجيش الانجليزي في احتلاله للقدس اثناء الحرب العالمية عندما قال: الآن انتهت الحروب الصليبية!! [17].

أما اليوم، وما أدراك ما أعظم جرائمهم اليوم!!، فقد استباحوا ديار الإسلام وولغوا في دماء المسلمين، وهذه البوسنة والهرسك شاهدة لكل الاجيال البشرية القادمة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهذه كوسوفو شاهد آخر علمت البشرية من أنبائها ما علمت، والذي خفي اعظم... واعظم... وفي كل اتجاه من ارض الإسلام تجد أثراً لعدوانية هذا الجنس المتحضر!!

ولسنا نقول ان الاوربيين كجنس بشري جبلوا بالفطرة على هذه العدوانية والدموية " ولكن ثقافة المجتمع، أي معتقداته وأديانه وسننه، هي التي تمجد العدوان أو تكتبه، والثقافة دائماً هي التي توجد العدوانية في اشكال شتى. وقد عمد مجتمعنا الغربي إلى توجيه عدوانيتنا إلى وجهات دينية وتجارية، وما اسهل ان تتحول من الصلوات إلى الصولات والافتراس "، كما يقول أحد الأوربيين المنصفين[18].

ثالثاً: المكر والخداع

يتعاملون فيما بينهم بالمكر والخداع وذلك ابان الحروب القومية في العصر الحديث فيما بين المانيا وفرنسا، وفرنسا وبريطانيا، فهم يسلكون كل سبيل من أجل الوصول إلى أهدافهم بكل أثرة وأنانية، وما كلمة السياسة عندهم إلا تعبير ملطف عن الحيلة والدناءة والبهتان والزور ونكث العهود والمخاتلة والخيانة. يقول احد ساستهم، وهو (بسمارك): (لا يوجد على الأرض إلا نفاق وكذب) [19]، وهو يريد سياسات الدول الغربية، ولكنه لا يعفي نفسه من مدلول هذه المقولة.

ولقد سن لهم (ميكافيلي) الايطالي سنّة الكذب والخداع السياسي، سواء في تعامل الحاكم مع شعبه، أو تعامله مع غيره من الدول والحكومات، وجاء بمقولة الغاية تبرر الواسطة، فكل ما في رؤوس الأوربيين من غايات نهب وسلب واستحواذ على مقدرات الشعوب، يمكن اللجوء من اجل تحقيقها إلى كل الوسائل الشيطانية الدنيئة، وعن (ميكافيلي) هذا أخذ (هوبز) فهمه للعلاقة بين الحاكم والمحكوم على انها علاقة بين الذئب والحمل!!

وعلى هذه المذهب سار الأوربيون في تعاملهم مع شعوب الشرق خاصة، ومع كل الشعوب التي قهروها، وعدوها من أملاكهم لمجرد أنهم كانوا في موضع قوة، وغيرهم في موضع ضعف. فقد قال نابليون للمصريين لما احتل الاسكندرية عام 1798، (اننا نحن المسلمون الحقيقيون) [20]، في محاولة للتمويه بأن العثمانيين لا يمثلون الإسلام، والذي يمثله تمثيلاً حقيقياً هم الغزاة الفرنسيون!!، وما هي إلا فترة وجيزة، حتى قلب نابليون ظهر المجن للمصريين فأعمل بقادتهم السيف، ودخلت خيوله الأزهر، وعاثت فساداً بمصر كلها، فكان مسلماً حقيقياً!! كما قال، ولم يخرج منها إلا ذليلاً بعد ثلاثة أعوام من الفساد والتدمير، ولكن لا أدري كيف اعتبرت الحملة الفرنسية تباشير خير، وعلامة بارزة من علامات الخروج من الظلمات إلى النور، فعدها المغرمون بالحضارة الأوربية بداية لعصر العلم والتنوير والحداثة!!

وأثناء الحرب العالمية عندما دخل الجنرال (مود) بغداد عام 1917، قال انه جاء محرراً وليس فاتحاً، وانه جاء ليخلص أهل العراق من ظلم العثمانيين، ولكن الانجليز نكّلوا بالعراقيين بعد عام واحد، واعدموا أبطال ثورة النجف عام 1918 في وسط المدينة، وكانت جرائمهم بشعة عندما أخمدوا ثورة العشرين (1920) بالحديد والنار.

وهذا ديدنهم مع كل الشعوب التي خدعوها باسم التحضر والتحرير وتقرير المصير، ولكن وعودهم هذه، ذهبت ادراج الرياح، وحُكّم منطق السلاح والدمار، فلقد طلعوا على العالم ابان الحرب العالمية الأولى بمصطلحات غامضة انطلت على بعض الناس من قبيل الحماية والوصاية والانتداب، وكأن الشعوب أطفال قاصرون يحتاجون إلى من يرعى احوالهم ليصلوا إلى سن الرشد والبلوغ. ولكن اولياء الامور هؤلاء من الانجليز والفرنسيين كانوا لصوصاً وقطاع طرق قد استحوذوا على كل ما يملك أولئك القاصرون، ومسخوا حاضرهم، وشوهوا تاريخهم، وحاربوا دينهم وقضوا على تقاليدهم، ونسبوهم بالقسر والاكراه إلى آباء ليسوا آباءهم، والى حضارة لا تعرف الرحمة، بل هي حضارة استئصالية تقضي على الحرث والنسل وتترك الأرض بواراً إلا من مفاسد الغزاة.

وفي اثناء هذه الحرب تحالف الاوربيون مع (اليهود)، ووعدوهم بأرض ليست لهم لقاء أموال ومساعدات قدمها اليهود لهم في حملتهم على ديار الإسلام. ولقد انتهت سنين على هذه الحملة والوصاية دون ان يبلغ القاصرون أجل الرشد، حتى اذا ما كان ضغط وتململ وخوف من تمرد الموصى عليه، خرجوا على العالم بمسرحية جديدة أكثر كذباً وتمويهاً، هذه المسرحية اسمها (الاستقلال)، وما كان استقلالاً ولا حرية، ولكنه العبودية والاستعمار بوجه جديد. وبقي الحمار حماراً، ولم تتغير إلا بردعته. وجاء حكام محليون منصبون من وزارات المستعمرات ووزارات ما وراء البحار، وكانوا أكثر قسوة على شعوبهم من المحتلين أنفسهم، حتى صار الناس يتمنون عودة الاحتلال الأجنبي على ذلك الاستقلال المموه. وما زالت اللعبة تمارس حتى يوم الناس هذا وباسماء جديدة وبرموز جديدة. ولعمري فان ختل الاوربيين هذا ونفاقهم وخداعهم جنّبهم وحروباً كثيراً وخسارات كبرى، اذ لولا هذا الخداع لكانت دماؤهم في كل مكان.

وصور خداعهم ماثلة في هذه الايام بأشد ما تكون البشاعة والوضوح. فهم يضربون الشعوب ويجوعونها باسم محاربة بعض الحكام، كما حدث في حرب الخليج الأخيرة، وما أولئك الحكام لهم باعداء ولا منافسين، وهم يشلون بعض الحركات والاحزاب فيما بينها ويشغلونهم عن العدو الأصلي، وهذا ما حدث في افغانستان والصومال وغيرها.

وهم على مستوى المؤسسات الدولية يمارسون الخداع والكذب، فما المؤسسات التابعة للأمم المتحدة إلا ادوات من أدوات مكرهم واستحواذهم، وهذه المؤسسات تعلن أنها ادوات للسلم وتطوير اقتصاد البلدان النامية والفقيرة، وما هي في الواقع إلا ادوات لاشعال الحروب، وبيع الاسلحة، واثقال الدول بالدويون، وما حديث صندوق النقد الدولي وقروضه عنك ببعيد، فهو وسيلة تركيع الدول للسياسة الامريكية، ووسيلة لمسخ الشخصيات الوطنية للدول. بل ان اموال القروض التي يقدمها هذا الصندوق غالباً ما تذهب إلى رؤساء الحكومات والسماسرة من الموظفين[21]. وإلا كيف تفسر أن بلداً نفطياً مثل الجزائر تصل ديونه الخارجية إلى (27) سبعة وعشرين ملياد دولار؟!! وقس عليه بقية البلدان النفطية المدينة إلى الصندوق والى غيره من الدول والمؤسسات الأوربية.

رابعاً: الحقد

ربما كانت هذه الخصيصة مرتبطة بالموضوع السابق (الخداع والمكر)، ولكننا أفردنا لها هذه الفقرة، لأنها تعطينا فرصة أكثر للحديث عن طابع ذلك الخداع الحاقد، او الحقد الماكر.

لقد مثل الإسلام منذ فتراته الأولى هاجساً مخيفاً لأوربا وصدمة مستمرة، ولذلك تعاملت معه بصور شتى من التعصب والكراهية والهمجية والحقد. فالخوف من الإسلام هو القاعدة في تفكيرهم وفي ثقافتهم. انظر إلى رجال نهضتهم مثل دانتي في (الكوميديا الإلهية) كيف يُصنّف سيدنا محمداً (ص) في عداد الهراطقة الذين وضعهم في الدرك الثامن من الجحيم!! وهذا (فولتير) وهو من رجال التنوير عندهم يكتب مسرحية (محمد) يظهر فيها النبي نموذجاً للتعصب الديني والتسلط السياسي[22]. وإذا كان رجال الفكر والثقافة الذين كانوا في حالة نقد للوعي الفكري الأوربي في مثل هذا الحقد الاعمى والتجني الصارخ على الحقائق، فكيف يكون رجال الكنيسة الذين ينظرون إلى الدنيا من خلال ثقب الابرة، ومن خلال ما تعلموه من كذب وبهتان عن الإسلام ورسوله؟! بل كيف يكون حال الدهماء والعامة التي لا تعرف غير ترديد مقولات رجال الكنيسة حتى لو كانت عارية من أية مصداقية؟!

وإذا ما وقفت عند مظاهر الحقد التي تمثلت في سلوك الأوربيين في تعاملهم واحتكاكهم المباشر بالعالم الإسلامي من خلال الصراع العسكري والسياسي، وجدت العجب العجاب. ومن أبشع تلك المظاهر ما فعله الاسبان بالعرب في الاندلس. فقد قامت محاكم التفتيش بتنفيذ احكام الموت حرقاً بـ(700 شخص في اشبيلية، و113 في أبلة، وفي مدينة طليطلة مثل أمام المحكمة ألف ومائتا شخص حكم عليهم بالاعدام في جلسة ايمان واحدة. وكان يطلب إلى الشخص اما الإيمان بالمسيحية وترك الإسلام، او الموت حرقاً، ومن هنا جاءت التسمية بجلسات الإيمان) [23]. ولم يكفهم الانتقام من المسلمين كأشخاص، بل بلغ حقدهم حد الانتقام من الإسلام ـ الحضارة حيث أمروا بحرق المصاحف وكتب العلوم المختلفة في مشهد همجي لا مثيل له في تاريخ البشرية.

وفي هجماتهم العسكرية على العالم الإسلامي تجلى هذا الحقد الدفين في أجلى صوره، فالجنرال الفرنسي (بيجو) في احتلال الجزائر عام 1830، وبعد استسلام الأمير عبدالقادر الفرنسي عام 1847، كان يقول: سوف لا يعبد الجزائريون (محمداً) بعد اليوم!! والجنرال الفرنسي (غورو) حين وصل القدس بعد الحرب العالمية الأولى يغمز قبر صلاح الدين برجله ويقول: ها قد عدنا ياصلاح الدين!! في غمرة حقد تاريخي متأصل، ومثله قال الجنرال الانجليزي (اللنبي): الآن انتهت الحروب الصليبية[24].

وحين كان الحكم الانجليزي او الفرنسي المباشر اتخذ هذا الحقد صور استئصال الحضارة الإسلامية وآثارها من حياة المسلمين، وذلك من خلال مؤسسات التعليم التي أخضعوها لرقابتهم المباشرة، وضعوا من خلالها عقولاً من أبناء العرب والمسلمين معادية للاسلام، وموالية لهم، وما حديث اللورد (كرومر) عنك ببعيد، وهاهي آثار حقده بادية في تاريخ الثقافة والتعليم بمصر حتى اليوم.

نذكر هذا باختصار شديد للاشارة إلى صورة الحضارة الأوربية القائمة على البغضاء والحقد، ولقد صدق الشاعر الحديث أحمد شوقي حين قال:

يا ويحهم نصبوا مناراً من دمٍ      يُوحي إلى جيل الغد الغضاء

وعلى الرغم من ذلك كله، حفل تاريخ الإسلام بالتسامح في التعامل مع الأوربيين سواء في مرحلة الأخذ من اليونان إلى مرحلة الأخذ والتأثر بالحضارة الأوربية في العصر الحديث. وهكذا فـ(كل اناءٍ بالذي فيه ينضح) كما يقول الشاعر العربي القديم.

خامساً: اللادينية

من المعلوم أن الجذور الثقافية للفكر الاوربي جذور مرتبطة بعالم الحس أكثر من ارتباطها بعالم الغيب، وذلك منذ مرحلة التأمل والتفكير لدى اليونانيين، حتى ان اشتقاق كلمة الثقافة او الحضارة عندهم مرتبط بالزراعة والارض (culture)، كما يرى بعض الباحثين[25]، وكانت هذه الثقافة مرتبطة بالوثنية بما فيها من مظاهر حسية ومادية على الرغم من وجود بعض المحطات التأملية المثالية لدى بعض الفلاسفة اليونانيين.

ثم جاءت مرحلة الديانة المسيحية في العصر الروماني والعصور الوسطى عندهم، وكان فيها ايغال في الروحانية إلى حد الانحراف، ولكن لدى طبقة محدودة لدى الناس، وقد صاحب هذه المرحلة تقييد لحركة العقل واستغلال الدين لصالح طبقات الأثرياء، وتأليب العامة ضد الديانات الاخرى في صور بشعة من الحقد والكراهية والبغضاء والتعصب. وبالجملة لم تستطع المسيحية تغيير الطابع المادي والنفعي في الشخصية الأوربية، بل استطاع الاوربي ان يوظف الدين نفسه لمصالحة المادية ونزعاته العدوانية بالباس تلك النوازع ثوباً من القداسة الدينية أو الشعارات الإنسانية.

وكان ما كان من ردة الفعل الشديدة في عصر النهضة وعصر التنوير حيث استهدف الدين اول ما استهدف ، الثورة على الاقطاع والكنيسة، وكان الرفض شاملاً ليس للاقطاع والكنيسة وحدها بل لدينهما الذي كبل الحريات وقيد العقل، ووقف في طريق التطور البشري، وكانت الثورة عارمة ضاع فيها التفكير المتوازن، وكذلك شأن ردود الافعال، تكون قوية بقوة الفعل نفسه او أشد، فبمقدار ما استغل الدين لاغراض الكنيسة والاقطاع، كان الرفض للدين واطروحاته شديداً، ولم يفرق ـ في غمرة ردود الفعل ـ بين الدين نفسه، وحملته من رجال الكنيسة وحلفائهم من الاقطاعيين والنبلاء. وكانت المفارقة كبيرة، وكانت النقلة كبيرة، فقد (كان الإنسان يسبح في الفضاء بين السحب والضباب، ففقد توازنه وعمت بصيرته، فسقط على الأرض) كما يقول الدكتور رشدي فكّار[26]. وكانت فلسفة الأرض، فلسفة الإنسان الذي فقد صلته بالسماء، ولم يعتمد في صراع الحياة إلا على نفسه.

وكانت معاداة الدين ومحاربة مظاهره في المجتمع والسخرية من تأثيره في سلوك الانسان، سمة اوربا الحديثة، فصار المثقف هو الذي يدير ظهره لقيم الدين ويصوغ معايير تفكيره وأخلاقياته في ضوء الواقع الاجتماعي، بعيداً عن أية نظريات مسبقة أو أي هيمنة لسلطة اجتماعية أو دينية، وصارت نسبية الحقائق مظهراً من مظاهر التفكير، فليس هناك حقيقة مطلقة، بل هي قدر مشترك لدى المتأملين جميعاً، فلا مصيب ولا مخطىء في مجال الاستنتاج وصياغة النظريات، فاختلط الحق بالباطل، وضاعت الحقيقة نفسها. ولكن هذا لا يعني أنه لم يظهر من حاول الموازنة بين الدين والعقل[27]، أو العقل والاخلاق، ولكن هذه الأصوات ضاعت في غمرة الاتجاه المادي العام لعصر النهضة والتنوير وما تلاهما من فلسفات في القرن التاسع عشر والقرن العشرين.

لقد اصبحت " العلمانية" طابع العصر الحديث في اوربا، والعلمانية في هذا المجال تعني الوضعية، واللادينية، وليست بمعنى انتهاج منهج العلم، فهي من العالم، وليس من العلم. والعلمانية هذه أو اللادينية ليست مظهراً من مظاهر التفكير الفلسفي فحسب، بل مظهر لكل سلوك في مجالات الحياة العامة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية. فالدين مستبعد من كل هذه المجالات، ولا يتعدى مجاله الخاص (اللاهوت) إلى مناهج الحياة، او مناهج العلوم الطبيعية، ولا حتى العلوم الانسانية[28]. وبسبب من هذا عد الباحثون في طوابع العصر الحديث، ظاهرة استبعاد الدين عن السياسة والاقتصاد والعلم من أبرز ظواهر هذا العصر[29].

ومع هذا كله فلا يمكن استبعاد أثر الدين حقاً من النشاط الفلسفي والفكري في هذا العصر، فهو يبرز في فكر هذا الفيلسوف او ذاك في صور مباشرة او غير مباشرة، بل اننا نجد هذا الأثر في أفكار أشد المفكرين عداوة للدين من مثل (سيجموند فرويد)، وتلميذه (يونج)، فقد كتبت الدكتورة منى فياص بحثاً قيماً عن توظيف كل منهما لعلم النفس التحليلي من أجل المبادىء اليهودية أو النصرانية[30].

وهذا الاوربي الذي أدار ظهره للدين بشكل عام وصار وضعياً علمانياً في تفكيره وسلوكه إلا ماندر، نجده في حالات التعامل مع (الآخر) العالم الإسلامي خاصة، متعصباً تعصباً أعمى ضد حضارة الآخر، ومنطلقاً من منطلقات دينية مسيحية في تفسير حضارة الآخر، على الرغم من البون الشاسع بين المسيحية والإسلام في النظر والتطبيق.

نجد هذا في الدراسات التي درست الإسلام وحضارته والتي قام بها مبشرون ومستشرقون، وهذا أمر ماثل للعيان لكل من يطلع على دراسة حضارة الإسلام لدى هؤلاء واولئك. وهذا موضوع يحتاج إلى بسط ليس هذا مجاله، ولكننا نتعرض اليه هنا للاشارة إلى الازدواجية العجيبة لدى الفكر الاوربي، فهو فكر معادٍ للدين في بلاده، ولكنه متعصب له عندما يتعلق الأمر بدراسة دين آخر، وحضارة أخرى. بل ان الدولة التي لا تتدخل في الشؤون الدينية الخاصة بالفرد عندهم، تتدخل في الشؤون الدينية الخاصة بحياة الفرد المسلم عندما تصبح هذه وصيةً او منتدبة او حاكمة حكماً استعمارياً مباشراً للمسلمين، فتسن القوانين المستوحاة من القوانين الفرنسية او الأنجليزية والتي تتعارض والشريعة الإسلامية، بل كثيراً ما تدمر مساجد، وتحطم آثاراً اسلامية. ولنأخذ مثالاً لهذا في حكم فرنسا للجزائر 1832 ـ 1962، فقد كانت (لائكية) لا دينية في بلادها، أي لا تتدخل في المؤسسات الدينية ولا تحد من نشاطها، ولكنها تحارب النشاط الديني، وتحظر التدريس الديني والمدارس الدينية وتتدخل في التصرف الديني للأفراد لأنه، في نظرها، يهدد وجودها الاستعماري في البلاد المستعمرة ويُمكّن الرجل (الأهلي) من بلورة شخصية واستقلالها[31]. وهكذا كان الدين المسيحي وسلاحه التبشير في خدمة السياسة الاستعمارية في كثير من المناطق التي ابتليت بالاستعمار الأوربي الحديث.

سادساً: اللاأخلاقية

اعتقد أن الصفحات السابقة كانت كافية لأن توصلنا إلى هذه النتيجة التي أفردنا لها فقرة بعنوان (اللاأخلاقية). فهل التمركز حول الذات واحتقار جهود الآخرين والنظر إليهم نظرة دونية عنصرية من الاخلاقية؟ ام العدوانية والدموية والمكر والخداع والبغضاء والحقد من الأخلاقية؟ بل يكفي ان نقف عند معاداة الدين والسخرية من قيمه لنضع هؤلاء الأوربيين في صف معادٍ للإنسانية وأخلاقياتها على الأقل فيما يتعلق بتعاملهم معنا ونظرتهم الينا والخطط التي يدبرونها لحاضرنا ومستقبلنا.

وهل من أخلاق الإنسان ـ ان كان هؤلاء من جنس الإنسانية ـ ان تسوق أوربا مئة مليون ضحية من السود ما بين عام 1600 إلى 1900 م ما بين مستعبد أو معذب في زراعة الأرض أو ميت في اقبية السفن التي تمخر عباب المحيط الاطلسي أي عالمهم (الجديد)، فضلاً عن الملايين من الهنود الحمر السكان الأصليين لأمريكا؟[32]. أم من الأخلاق ابادة الجنس البشري بالقنبلة الأمريكية التي القيت على هيروشيما في اليابان، ناهيك عن حرب فيتنام وغيرها من الأماكن التي قضت فيها اوربا وأمريكا على الحرث والنسل، ودمرت الأخضر واليابس لتبقى اوربا وأمريكا قويتين، وليكن بعد هذا الطوفان والدمار!!

أم من الأخلاق ان تنهب القارات بكل ما فيها من خيرات فوق الأرض وتحت الأرض ، لتتجمع الثروات الهائلة التي تساعد على بناء التقنيات الهائلة، ثم تتثاقل أوربا وأمريكا عن أعطاء 01% واحد بالمئة فقط من اجمالي دخلها القومي للشعوب الفقيرة، ولا تفكر حتى في نصف هذا وبشروط استعبادية تفضل معها الشعوب أن تموت جوعاً ولا تخضع لها!

أم من الأخلاق افتعال الحروب، واشعال الفتن، وبيع السلاح، وتقسيم البلدان وخلق بؤر التوتر في العالم. ولقد مرت ثلاثة قرون من السعي الأوربي إلى تقسيم العالم وتمزيق حضاراته وخلق العداوات بين أهله، فلم تخرج بريطانيا من بلد استعمرته إلا وخلقت فيه مشكلات حدود، وصنعت أحزاباً، وشجعت على نمو لغاتٍ محلية، وتكتلات قومية وكأنها لا تقر لها عين إلا اذا وقفت باستعلاء على اشلاء ضحاياها وهو يتمزقون ويجوعون ويموتون!!

ومع هذا كله فأوربا صانعة الحضارة الإنسانية الجديدة والمبشرة بالغد المشرق للإنسانية، وهي تسمي أعمالها الوحشية كلها (اكتشافات كبرى) في حين أنها تطلق اسم الغزوات البربرية على غزوات الهون والمغول والتتر[33]، والواقع أن ما شهدته الإنسانية من دمار على يد اوربا وأمريكا يفوق كل ما فعله المجرمون في تاريخ البشرية على مستوى الأفراد والجماعات والدول.

لقد سلكت أوربا كل السبل التي لا تنتسب إلى ما يمت للإنسان بصلة، فكانت غاياتها الاستحواذية النفعية تبرر كل وسيلة تسلكها حتى جعلت من هذا نظرية في الفكر والسلوك خاصة في التعامل مع الأعداء أو المتخلفين أو الشعوب التي تحتاج إلى رعاية أوربا.

ولنأخذ كلمتين اثنتين لرجلين امتحنا حضارة أوربا وثقافتها وعاشا ردحاً من الزمن في أوربا وعرفا أوربا عن قرب. الكلمة الأولى، أو قل الشهادة الأولى للمناضل الأفريقي (فرانز فانون) الذي عاش في فرنسا ودرس فيها، وشهد جرائمها في الجزائر، فتطوع للقتال مع الجزائريين حتى مات بين ايديهم في الجبال. يقول فانون في كتابه (معذبو الأرض): " اني ابحث عن الإنسان في التكنيك الأوربي والأسلوب الأوربي، فلا أرى سلسلة من الأنكارات للإنسان، وإلا مواكب من جرائم قتل الإنسان "[34].

والشهادة الثانية لمفكر مسلم من باكستان وهو محمد اقبال، الذي درس في ألمانيا وفي انجلترا وتعمق فهم الحضارة الأوربية، فقال: " صدقوني اذا أكدت لكم أن أوربا اليوم هي أكبر عائق في سبيل رقي الأخلاق الإنسانية "[35].

ولسنا بصدد تفصيل القول في جرائم أوربا بحق الإنسانية، فهذه بحاجة إلى مجلدات تنوء بها جهود آلاف البشر من المفكرين والباحثين ممن كانوا شهود عصرهم على فظاعة ما ارتكبته أوربا بحق الإنسان، ولكننا أردنا نشير فقط اى منابع وغايات الثقافة التي يراد لنا ان نقتدي بها ونترك ما بين ايدينا من ثقافة شهد التاريخ بل شهد حتى اعداؤنا في احتفالها بالانسان وبنائه من الداخل والخارج، فهو أما أخ لك في الدين أو شبيه لك في الخق. هذا المنطق والتوجيه الإسلامي، على لسان الإمام علي بن أبي طالب (ع).

ولا يغيّرنا ما بلغته اوربا من التطور العلمي والتقني وما وصلت اليه من الرفاهية والترف، فذلك شيء، والتطور الخلقي والارتفاع بالغايات الإنسانية النبيلة شيء آخر " ان تهذيب النفوس وضبط شهواتها وتنمية قابلياتها الخيرة لهي من أعسر المطالب الإنسانية ان لم نقل أعسرها... فلقد يكتسب الإنسان المهارة التقنية، ويتغلب تدريجياً على الطبيعة، ولكنه يظل متخلفاً بدائياً في دوافعه وأغراضه، اذ ليس من الهين اليسير ان تنسرب المعرفة إلى أغوار النفس فتضيء ظلماتها، وتقتلع أشكالها... ". كما يقول الدكتـــور قسطنطين زريق[36]

اننا في هذا الحديث لا نجرد الإنسان الاوربي مما حققه من منجزات في مجال العلم والتكنولوجيا والرفاهية وبناء المؤسسات الدولية الحديثة، فضلاً عما اعطاه من قيمة للزمن والعمل والعقلانية وروح المغامرة التي ساعدته على ولوج عوالم الابتكار والاكتشاف.

لا أحد ينكر هذا. ولكننا في معرض التقويم العام للثقافة والحضارة الأوربية في اضافتها النوعية لإنسانية الإنسان وشكل تعامله مع أخيه الإنسان. ولعل هذا هو المقياس الأول في تقويم الحضارات.

وفي هذا المجال نقول: يكف تعاملت أوربا مع الإنسان غير الأوربي؟ وماذا أعطت الإنسان غير الأوربي؟ يبدو أن المرء لا يجد لأوربا من صورة غير صور الهيمنة والاستحواذ والتدمير والنهب والاستحقاق. خذ مثلاً قضية حقوق الإنسان عند الاوربيين، فبأية قيم يحاكمون القضايا التي تتعلق بحقوق الإنسان؟! الحق انها تعني حقوق الإنسان من وجهة نظر أوربا وحدها.. وليس من وجهة نظر الإنسان المسلم أو الصيني أو الهندي أو الأمريكي الجنوبي، وشتان ما بين رؤية أوربا للإنسان ورؤية الحضارت الأخرى للكون والحياة والإنسان.

ان أوربا من خلال شعارات حقوق الإنسان، ومن خلال ما يسمى العولمة اليوم تريد فرض ثقافتها الأمم والشعوب، فباسم الثقافة العالمية تطغى حضارة أوربا على حضارات العالم، ولن يكون ـ كما تريد أوربا ـ إلا نمطاً واحداً من الفكر، ونمط واحد من السلوك.. هو نمط الفكر الأوربي ونمط السلوك الأوربي اللذين يختزنان شيئاً من النصرانية المحرفة، وآخر من المادية الوثنية الجديدة التي توظف العلم والتكنولوجيا للاستعباد. وكأن أوربا بما تعيشه من عدم توازن بين الروح والعقل، وبما تعانيه من فراغ روحي مدمر، يزعجها ان ترى أمم الأرض تنعم بهذا التوازن وتعيش في ظله على الرغم مما تعانيه من ضعف في السبق العلمي. ولعل احد أسباب هذا الضعف هو حالة النهب التي تعرضت اليها من غزاة أوربا المحدثين، فضلاً عن حالة الرصد والمراقبة لكل نمو واستقلال يخرج عن دائرة السيطرة الأوربية.

ونريد ان نختم فهمنا لعدوانية أوربا الثفافية بمقولة أحد أبنائها المعاصرين وهو (صاموئيل هانتغتون) الذي كتب بحثاً طويلاً في مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية، وهو يعكس بهذه المقولة (صراع الحضارات) وجهة نظر أمريكا وأوربا معاً، وذلك من خلال الممارسة العملية للسياسة التي تتعامل مع العالم الإسلامي. فهو يرى ان صراع أوربا القادم صراع مع الإسلام خاصة بعد انتهاء الشيوعية، وينتهي إلى الوصايا والاقتراحات التالية:

1ـ ان الديموقراطية نعمة غربية لا يمكن ان يتمتع بها المسلمون، لأنهم ينصبون من خلالها في الحكم الاتجاهات المتطرفة.

2ـ ان السلام الدولي يجب ان يقتصر على الغرب، لأن انسحابه على العالم الإسلامي يحرم الغرب من بيع السلاح وشفط الاحتياطي من الثروات.

3ـ ان تحديد النسل عملية استعجالية للعالم الإسلامي نظراً لتزايد المسلمين، واختلال التوازن الديموغرافي مع العالم الإسلامي.

4 ـ من الحكمة دعم وتأييد الجماعات الموالية للمصالح الغربية في العالم الاسلامي.

5ـ تقوية المؤسسات الدولية التي تعكس المصالح الغربية واعطاؤها الشرعية والعمل على دفع الدول غير الغربية إلى الانضواء تحتها.

6ـ مزيد من تكريس الحضارة اليهودية والمسيحية ذات المبادىء المشتركة بإزاء الحضارة الإسلامية.

بالاضافة إلى نظرته للصحوة الإسلامية على أنها (متوحشة مفترسة) بينما يصف الخطر الاصفر بانه خطر بطيء ومعتدل[37].

ولك ان تحكم على مقدار المركزية والعدوانية والبغضاء والنفعية واللاأخلاقية والعرقية والمكر والخداع في الفكر الأوربي والثقافة الأوربية ازاء الحضارات الإنسانية والحضارة الإسلامية خاصة، وذلك ما وقفنا عنده ـ يإيجاز ـ في الصفحات السابقة.

 

 

------------------------

[1]  د.مصطفى، شاكر، مقال (عالم الثقافة المتخلفة)، مجلة عالم الفكر مج19، ع1، 1988، ص8.

 [2]  حنفي، د.حسن، مقدمة في علم الاستغراب، الدار الفنية، القاهرة، ط1، 1411هـ، 1991م، ص626.

 [3]  غارودي، روجيه، حوار الحضارات، منشورات عويدات، بيروت، ط2، 1982، ص17.

 [4]  تربية الجنس البشري، ترجمة د. حسن حنفي، دار التنوير، بيروت، ط1، 1981، ص84.

 [5]  تلحظ هذا في كتاب (تاريخ علم المنطق) للمؤلف الروسي الكسندر ماكوفلسكي، وهو يختصر تاريخ هذا العلم دون أن يشير إلى انجازات المسلمين في هذا العلم، ويقول: (ان الهنود لم يعرفوا المنطق اليوناني القديم إلا بعد فتوحات الاسكندر الأكبر)، ص14. ترجمة نديم علاء الدين وإبراهيم فتحي، دار الفارابي، بيروت، ط1، 1987.

 [6]  غارودي، روجيه، ما يعد به الإسلام، ترجمة قصي الاتاسي، وميشل الحكيم، دار الوثبة، دمشق، د. ط، د.ت، ص181، 182.

 [7]  القريشي، د. علي، بحث: نحن والغرب، قراءة في التمركز الأوربي وتجلياته في المجال العربي والاسلامي، مجلة المستقبل العربي، ع196، 1995، ص145. وينظر مصدره.

 [8] أبو زيد، د.أحمد، مقال (التجربة الإسلامية)، عالم الفكر، مج10، ع2، 1979، ص9.

 [9]  هلال، محمد غنيمي، الأدب المقارن، ط3، دار العالم العربي، القاهرة، د.ت، ص18.

 [10]  حوار الحضارات، ص8.

 [11]  الغرب والعالم، سلسلة عالم المعرفة، ع90، حزيران 1985، حـ1، ص197، ترجمة د.عبدالوهاب محمد المسيري ود.هدى عبدالسميع حجازي.

 [12]  الخيبة الأدبية للسياسة الغربية في الشرق، أحمد رضا بك، ترجمة محمد بورقيبة، ومحمد الصادق الزمرلي، دار بوسلامة، تونس، ط2، ص230.

 [13]  سورة الحجر، الآية 14.

 [14] الغرب والعالم، ص198.

 [15]  المتنبي، رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، ص52، وينظر، الإسلام في معركة الحضارة، منير شفيق، دار الكلمة للنشر، بيروت، ط2، 1983، ص57، وما بعدها.

 [16] مؤنس، د.حسين، الحضارة، سلسلة عالم المعرفة، ع1، ط1، 1978، ص374.

 [17] يُنظر كتابنا، تطور الشعر العربي الحديث، دار مجد لاوي، عمان، ط1، 1998، ص13، والمصدر الذي أشير إليه.

 [18]  الغرب والعالم، كالفين رايلي، ص179.

 [19]  الخيبة الأدبية للسياسة الغربية في الشرق، ص14.

 [20]  تأملات في الحضارة والاغتراب، دار الأندلس، بيروت، ط1، 1987، ص57.

 [21]  وقد فضح هذه السياسة الخادعة الماكرة للبنك وللدول الكبرى التي تموله، خاصة امريكا، شيريل بييار في كتابه (البنك الدولي)، تجد دراسة عن الكتاب في مجلة (العربي)، العدد 452، يوليو 1996، ص194.

 [22]  ما يعد به الإسلام، روجيه غارودي، ص235.

 [23]  الدين والتدافع الحضاري، منشورات مجلة (رسالة الجهاد)، ليبيا، ط1ن 1989، ص130.

 [24]  ينظر، تطور الشعر العربي الحديث، د.شلتاغ عبود، ص13.

 [25]  الجفائري، محمد عبدالسلام، مشكلات الحضارة عند مالك بن نبي، الدار العربية، ليبيا، ط1، 1984، ص113.

 [26]  مجلة الوطن العربي، مقال (الإسلام والحضارة)، د.رشدي فكار، ع1117، ص49.

 [27]  ينظر (في الفكر الغربي المعاصر)، د.حسن حنفي، دار التنوير، بيروت، ط1، 1982، جـ2، ص117.

 [28] ينظر، الغزو الفكري، وهم أم حقيقة، د.محمد عمارة، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية، طرابلس، ليبيا، ط3، 1980، ص44.

 [29]  زيادة، معن، معالم على طريق تحديث الفكر الاوربي، عالم المعرفة، الكويت ع115، 1987، ص30.

 [30]  الدين والتدافع الحضاري بحث (الدين والعلم في الحضارة الغربية...)، ص53.

[31]  ينظر، أثر القرآن في الشعر العربي الحديث، د.شلتاغ عبود، دار المعرفة، دمشق، ط1، 1987، ص15، وما بعدها.

 

[32]  شفيق، منير، الإسلام في معركة الحضارة، دار الكلمة، بيروت، ط2، 1983، ص57.