موقف الروم الأرثوذكس من المسيحية الصهيونية

 

 

 

بقلم :الأب د. عطا الله حنا

 

إن الكنيسة الأرثوذكسية ترفض رفضا مطلقا تسمية هذه الجماعات المتصهينة (بالمسيحية الصهيونية) إذ أننا لا نعترف بوجود شيء اسمه الكنائس المسيحية الصهيونية أو المجموعات المسيحية الصهيونية، ذلك لأن هنالك تناقضا كبيرا بين ما تعلمه وتنادي به المسيحية وما تقوله وتنادي به الصهيونية، فالمسيحية نَصِفها بأنها رسالة سلام ومحبة ووئام وخلاص أراده الله للإنسان وإنعتاق من الاثم والخطيئة والغرور، ناهيك عن القيم السامية التي تنادي بها المسيحية والتي لا مجال لذكرها الآن، أما الحركة الصهيونية فهي حركة عنصرية حاقدة هدامة محرفة لتعاليم الكتاب المقدس وتنظر بعين البغض والكراهية لكل من ليس يهوديا، إنها حركة عنصرية بامتياز تكرس الفكر العنصري والتمييز العرقي وتمارس أساليب خبيثة شيطانية بهدف تمرير مشروعها وسياساتها المشبوهة، ولذلك نحن في الكنيسة الأرثوذكسية ننظر بتحفظ شديد علي ما توصف به هذه الجماعات في كثير من الأوساط الاعلامية وغيرها علي أنها جماعات مسيحية صهيونية، إذ أنه في تراثنا الروحي الأرثوذكسي الشرقي لا وجود لشيء كهذا ونرفض وصم المسيحية وربط اسمها المقدس بحركة لا تمت الي القيم الأخلاقية والانسانية والروحية بشيء وأعني بذلك الحركة الصهيونية، واستنادا علي هذا الموقف الذي لا تتبناه فقط الكنيسة الأرثوذكسية فحسب وإنما كافة الكنائس المشرقية أيضا فإننا نطالب وسائل الاعلام وبنوع خاص المفكرين العرب والمسلمين عندما يريدون كتابة شيء ما عن هذه الجماعات يمكنهم أن يصفوها (بالمجموعات المتصهينة التي تدّعي المسيحية) أما أن نقول أنها جماعات مسيحية صهيونية فهذا أمر يستفز مشاعر المسيحيين المشرقيين، وهو أمر يمس المسيحية المشرقية الأصيلة في الصميم.

ومن الواضح بأن الحركة الصهيونية ومنذ مؤتمرها الأول في (مدينة بازل السويسرية) وخلال مؤتمراتها المتعددة وضعت أمامها هدفا سعت لتمريره وهو محاولة اختراق المسيحية وتسخيرها في خدمة مشروعها الصهيوني العنصري، وهذه الجماعات المتصهينة التي تدعي المسيحية زورا وبهتانا هي جماعات أُسست وأُوجدت بهدف تسخير العقيدة المسيحية وتزوير وتحريف تعاليمها بما يتناسب والمشروع الصهيوني العنصري في منطقتنا العربية عامة وفي فلسطين خاصة، وهذه الجماعات هي اقرب الي اليهودية الصهيونية منها إلي أي شيء آخر، لا بل نحن نعتقد بأن تأسيس هذه الجماعات المشبوهة أتي أيضا بهدف ضرب الكنائس الشرقية لا سيما الأرثوذكسية منها، حيث أن هذه المجموعات تستهدف فيما تستهدف ضرب الكنائس الشرقية والمساس بها وبحضورها وبهويتها وبأصالتها، وقد أُسست في القدس قبل أكثر من ثلاثين عاما سفارة تتسمي بالسفارة المسيحية الصهيونية، وهدف هذه السفارة هو استقبال هذه المجموعات المشبوهة التي تأتي من الغرب وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية بهدف تمويل بناء المستوطنات ودعم المؤسسات الصهيونية ومساعدة إسرائيل ماليا، وكذلك تمويل نشرات وفعاليات وتجمعات ذات طابع مسيحي في الأراضي المقدسة بهدف اقتناص المسيحيين الشرقيين من أصولهم المسيحية المشرقية الأصيلة، فقد أُفتتحت خلال العشرة الأعوام الأخيرة مجموعة من الأبنية التي يسميها أصحابها بأنها كنائس تحت مسميات ومفردات متعددة متخذة من التبشير بالمسيحية شعارا لها ولكن هدفها الأساسي هو اقتلاع المسيحيين الشرقيين من جذورهم وأصولهم وهويتهم وتسميم أفكارهم وغسل دماغهم في محاولة بائسة هادفة إلي إبعاد المسيحيين عن قضاياهم العربية وعن انتمائهم وجذورهم القومية، وكنيستنا تواجه هذه الجماعات وطالبت ومازالت تطالب أبناءها رفض ولفظ هذه المجموعات التي تدعي المسيحية والتبشير بها ولكن هدفها مبيّت وهو ينصب في خدمة المشروع الصهيوني وأهدافه الشيطانية، وإن كنائسنا في فلسطين تعاني الأمرين من هذه المجموعات المدعومة من الحركة الصهيونية.

إننا نرفض التفسيرات والتحليلات الصهيونية للكتاب المقدس فهي تفسيرات وتحليلات سياسية وغير روحانية، ونحن نعتقد بأن الكتاب المقدس يوصلك الي المسيح، أما التفسيرات الصهيونية فهي مزيفة ومحرّفة لتعاليم الكتاب المقدس، وهدفها تبرير الاحتلال والعدوان وكأن هذه الأرض هي لهم وليست لسواهم، وقد كان البابا شنودة محقا عندما قال بأن هؤلاء احتلوا فلسطين بوعد من بلفور وليس بوعد من الله، وإنهم يتخذون من آيات كتابية يحرفونها ويفسرونها كما يحلو لهم تبريرا لأفكارهم ومواقفهم العنصرية.

إن هذه الجماعات الموجودة في الولايات المتحدة تقوم بجمع التبرعات لإسرائيل وتقيم المؤتمرات وتصدر المطبوعات التي تتحدث عن إسرائيل التي أتت علي حساب شعب منكوب أُقتلع من أرضه ومن دياره، وإنهم يستعملون مفردات إلهية روحية لتبرير ما لا علاقة له بالله وبالروحانية، فالله لا يقبل الاحتلال ولا يقبل العدوان ولا يقبل أن يُقتلع الناس من بيوتهم وأرزاقهم ومن أراضيهم، ودور هذه الجماعات هو دور مشبوه.

ورسالتي الي اخوتي المسلمين هي أنه يجب أن يميزوا بين المسيحية الأصيلة التي من الشرق نبعت ومن الشرق انطلقت الي مشارق الأرض ومغاربها وبين هذه الجماعات المشبوهة، وإنني أقترح ما ذكرته آنفا تجنب استعمال مصطلح المسيحية الصهيونية لأنه غير صحيح أصلا، واستبداله بمصطلح الجماعات المتصهينة التي تدّعي المسيحية من دون حق.