جذور التحالف اليهودي المسيحي المتطرف

في أمريكا لهدم المسجد الأقصي

 

بقلم : حسين النديم

 

هذه المقالة من جزئين هي اعلان عن التقرير الخاص (170 صفحة) الصادر عن مؤسسة  Executive Intelligence Review ويتضمن حقائق ووثائق مهمة عن الجهات المتورطة في مؤامرة التخطيط لضرب المقدسات الاسلامية في القدس ومحاولة بناء "الهيكل الثالث" تمهيداً لحرب دينية شاملة في المنطقة والعالم.

 

بالرغم من أن الانتفاضة الفلسطينية الحالية والصراع العربي الإسرائيلي خلال العقود الأخيرة كان صراعا على الأرض والهوية وصراعاً جيوبوليتيكيا يزعزع أمن المنطقة ويستنزف طاقاتها كما أراد البريطانيون أصحاب وعد بلفور، إلا أن هذا الصراع بقي لحد الآن خارج حدود الحرب الدينية. ويبدو انه منذ أن ذهب المجرم أرييل شارون الى الحرم القدسي الشريف في أيلول، أن أطرافا معينة بدأت بالعمل الجاد لخلق حرب دينية في المنطقة إن لم تتدخل أطراف دولية وإقليمية بشكل حازم وعقلاني وسريع لايقاف هذا الخطر.

ونسلط الضوء هنا على مجموعة حقائق تنشرها لأول مرة مؤسسة إكسيكتف انتيلليجنس ريفيو وهي مؤسسة أمريكية يشرف عليها السياسي الأمريكي المخضرم ليندون لاروش. وستصدر هذه الحقائق في صيغة كتاب جديد وفيلم وثائقي قريباً. وكانت المؤسسة هذه قد نشرت أجزاء من تحقيقاتها في الموضوع في مجلتها الأسبوعية مؤخراً.

 

يقول لاروش في تصريح  صدر عنه مؤخراً  (ملاحظة 1) أنه لمعرفة الأسباب الكامنة وراء ظهور خطر حرب جديدة في الشرق الأوسط، لا بد لنا من أن ندرس بعض الحقائق المفارقة في السياسة الداخلية الأمريكية منذ عهد إدارة ليندون جونسون في منتصف الستينات، وبالذات بعد أن وقع الرئيس جونسون عام 1965 على قانون الحقوق المدنية التي حارب من اجلها السود في أمريكا. وكان الاعتراف بتلك الحقوق ولو شكلياً تحولا كبيراً في مجرى السياسة الأمريكية الداخلية.

ويشير إلى أن حرب دينية في الشرق الأوسط لن تقع ما لم يكن ورائها تحالف القوى بين المنظمات اليهودية اليمينية المؤمنة بشعار "إسرائيل الكبرى" ممثلة بشخصيات ذات النفوذ مثل ادجار برونفمان رئيس المجلس اليهودي العالمي واليمين المسيحي الأمريكي المتطرف الذي يعرف جمعاً  بسم "الألفيين" لإيمانهم الشديد بحلول الألفية السعيدة بعد حرب هيرماجيدون كما سيأتي لاحقاً. ويذكر أن مثال التحول المقزز في موقف هيلاري كلنتون تجاه عملية السلام وتحيزها المطلق لإسرائيل ضد الفلسطينيين إشارة إلى هذا النهج، بالرغم من أن ذلك مجرد جزء بسيط من المعادلة.

     كما يشير إلى أن "الألفيين" هؤلاء يتركزون في ما يسمى "حزام الإنجيل" وهي الولايات الواقعة في جنوب وجنوب غرب أمريكا التي هي تقليديا مع اليمين السياسي الأمريكي. ومن المفارقات المثيرة هي أن هؤلاء لا يحبون اليهود لسواد عيونهم بل لأنهم يعتبرون اليهود غاية لتحقيق النبوءات الغريبة التي يؤمنون بها. فالألفية السعيدة ستأتي بعد بناء "معبد الهيكل" في القدس وإبادة اليهود من جديد في حرب هيرماجدون حسب اعتقادهم.    

ويشدد لاروش على أن انفجار المد العنصري المعادي للعرب في أمريكا من قبل هؤلاء المتطرفين الألفيين الذين أبدو تأييدهم العلني لمبدأ "إسرائيل الكبرى" برز مباشرة بعد حرب عام 1967 وترافق مع بدء العملية التي قام بها الحزب الجمهوري الأمريكي لكسب دعم هؤلاء المتعصبين فيما سمي "بالاستراتيجية الجنوبية" التي جاءت بالرئيس نكسون وهنري كيسنجر إلى البيت الأبيض. وانتهج الحزب الديمقراطي فيما بعد نفس الاستراتيجية العنصرية في محاولة تنصيب جيمي كارتر رئيساً للولايات المتحدة عام 1976. ومن ثم اندمج هذان التوجهان العنصريان من الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي ليشكلا مشروعاً سياسياً مشتركا بعنوان "مشروع الديمقراطية" وكان من منظري هذا التوجه نفس صامويل هنتنغتون (صاحب صراع الحضارات) الذي قدم في عام 1974 بحثاً بعنوان "أزمة الديمقراطية" تحت إشراف زبيغنيف بريجينسكي الذي اصبح مستشارا للأمن القومي لكارتر فيما بعد. وقد عززت هذه التطورات الداخلية الأمريكية النهج التوسعي الإسرائيلي من عام 1967 وما تلاه.

ويضيف لاروش أن وقوع الرئيس كلنتون في شباك قضية مونيكا لوينسكي التي نصبها له أعداؤه خاصة بين الجمهوريين الذين قاموا بمحاولة إسقاطه في مداولات الإقالة في الكونغرس، أضاف واقعاً جديداً للقضية. فتحت ضغط الفضيحة وتأليب الجمهوريين لليمين المسيحي الأمريكي ضده، حاول كلنتون استمالة هذه القطعان الغاضبة وأعداءه كعادته بدلاً من أن يتصدى لهم. وبدأنا نرى كلنتون يذهب إلى الكنيسة يوم الأحد ليشارك في ما يسمى "فطور الصلاة" في محاولة منه لتغطية عورته مسلماً بذلك جزءاً من روحه إلى نفس الناس الذين كانوا يحاولون تدميره. ويشدد لاروش على أن ما قام به كلنتون من وضع قضية القدس الدينية على طاولة مفاوضات كامب ديفيد ومحاولته إرغام الرئيس عرفات بقبول شروط لا يقبلها أحد، شكل تحولاً نوعياً في مسار القضية. ويشدد على أن محاولة تبرير ذلك في نطاق نظرية مؤامرة ساذجة مرتبطة بهيلاري لوحدها لن يوصلنا إلى الحقيقة أما الحقائق التي يوردها أعلاه فهي جزء لا بد منه في عملية البحث عن جذور هذه القضية الخطيرة وليست محاولة للإجابة على كل الأسئلة المتعلقة بها لكي نتمكن من درء هذا الخطر المحدق بأمم الشرق الأوسط وحتى أمريكا نفسها والعالم.

      

حركة أمناء الهيكل

 

في 16 أكتوبر منعت قوات الشرطة الإسرائيلية أعضاء حركة "أمناء الهيكل وارض إسرائيل"من محاولة الدخول إلى قبة الصخرة "لوضع الحجر الأساس للمعبد الثالث". وكانت هذه محاولة استفزازية شديدة الخطر. وكانت هذه المنظمة في بيانها قد ادعت أن الحكومة الإسرائيلية قد أعطت موافقتها لهذا الحدث وستقدم الحماية الأمنية للمشتركين فيه. وأعلن البيان الذي كتبه زعيم المنظمة جيرشون سالومون أنه "آن الأوان لبناء بيت الرب على جبل الهيكل المقدس وموقع المعبدين الأول والثاني. إن الرب قد تهيأ لهذا الحدث وهو ينتظر من شعب إسرائيل أن يحرر جبل الهيكل من العرب الوثنيين ولبناء بيته ليكون قلب وروح ومقصد إسرائيل وكل الأمم ... تعالوا واشهدوا بأنفسكم هذا الحدث الذي يأذن بآخر الزمان".

 

سلسلة القيادات    

ليس بخاف أن أرييل شارون هو أحد اكثر العرابين لحركة أمناء المعبد بروزاً داخل إسرائيل. كما أن المدارس الدينية الإسرائيلية المعروفة باسم أتريت كوهانيم المتواجدة في القدس الشرقية هي إحدى أهم مراكز النشاطات الإرهابية السرية الموجهة ضد العرب وضد الأوقاف الإسلامية المقدسة. وشارون كان دائما أحد أهم الوجوه في مؤتمرات جمع التبرعات لجماعة "أصدقاء اتريت كوهانيم" في نيويورك. ولا ينافسه في ذلك الحضور سوى غريمه داخل حزب الليكود بنيامين نتنياهو. وتذكر عدة تقارير أن شارون كان القناة الرئيسية لتحويل ملايين الدولارات من امريكا إلى حركة "غوش امونيم" التي أسسها الحاخامان موشيه ليفينجر و تسفي يهودا كوك. وبرزت هذه الجماعة من مستوطنة "كريات أربع" في الخليل ومن اكثر من 30 مستوطنة إسرائيلية منتشرة في كل الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد كان المجرم باروخ غولدشتين الذي فتح النار على المصلين المسلمين في مسجد النبي إبراهيم في فبراير عام 1994 من نتاجات هذه الجماعة.

قبل فترة وجيزة من مقتل رابين على يد إيغال أمير الذي كان عضواً في عصابات المستوطنين في الضفة الغربية ومقرباً من المهووسين بجبل الهيكل، كان رابين قد وصف المتطرفين اليهود باسم "البذور الضالة" التي لا تمت بصلة إلى الدين اليهودي. لكن بفضل التاج البريطاني والقوى الماسونية في بريطانيا في القرنين التاسع عشر والعشرين تم إدخال هذه "البذور الضالة" إلى الحياة الاجتماعية والسياسية ليهود فلسطين. وليس من قبيل المصادفة أن الموجة الدينية غير العقلانية هذه قد وجدت لها شريكاً ضمن الحركة الفاشية اليهودية ممثلة بفلاديمير جابوتنسكي مؤسس مايسمى بالحركة التعديلية اليهودية التي أنجبت كتلة الليكود الحالية وجماعة "غوش امونيم". وكان جابوتنسكي قد أسس "اللواء اليهودي" تحت راية الجيش البريطاني في الحرب العالمية الأولى ضد العثمانيين.

 

     كان أحد أهم الشخصيات الدينية اليهودية المشتغلة بالشعوذة والباطنية في بريطانيا في بداية القرن العشرين هو الحاخام أبراهام إسحاق كوك. وطبقاً لسيرته الذاتية كان كوك من اقرب المتعاونين مع جابوتنسكي في تجنيد المتطوعين وجمع الأموال للواء اليهودي. وبعد فرض الانتداب البريطاني على فلسطين عينت لندن كوك حاخاماً اكبر لليهود الاشكناز (الغربيين) في فلسطين وهو موقع احتله لغاية موته في عام 1935. وقد بعث الحاخام كوك من جديد الباطنية اليهودية وتعليم القابالة بالإضافة إلى التنبؤات المتعلقة ببناء الهيكل الثالث ونشرت بعد موته(ملاحظة 2).

ومن القضايا المهمة للوضع الراهن هي أن الحاخام كوك كان قد أسس "ميركاز هاراف" (ويعني مركز الحاخام) في القدس لتكون أكاديمية تدريبية للمتعصبين اليهود الشباب. وعندما مات كوك ورث ابنه الحاخام تسفي يهودا كوك المؤسسة التي كونها أبوه.

     ومن القصص الشهيرة عن الحاخام كوك الابن هي ما يرويه تلامذته عن انه في يوم "الاستقلال الإسرائيلي" عام 1967 كان كوك الابن يلقي خطبة دينية في تلاميذه حيث قال: "قبل 19 عام، وفي ذات الليلة التي صدر فيها قرار الأمم المتحدة بتأسيس دولة إسرائيل، وبينما ابتهج كل الناس في إسرائيل، شعرت بالحزن والكآبة. فلم اكن قادراً على قبول ما حصل  فقد قسموا بلادي. نعم لقد قسموا بلادي. أين هيبرون (الخليل) التي هي ملكنا. هل نسيناها؟ وأين شيخيم (نابلس) وأريحا، أين؟ كل جزء من هذه الارض وكل حفنة تراب هي ملكنا وهي جزء من أرض الرب؟ ثم أنبأ تلاميذه أن "جيش إسرائيل سيحرر أرض إسرائيل".

     بعد ثلاثة أسابيع دخل الجيش الإسرائيلي إلى القدس الشرقية والحرم القدسي في عدوان 6 حزيران. وادعى اتباع الحاخام كوك انه قد خلق معجزة لتنبؤه بما حصل. لكن الحقيقة هي أن الحاخام كوك كان أحد الأشخاص القلائل العارفين بوجود خطط حربية لدى القيادة الإسرائيلية.

     وكان من بين المظليين الإسرائيليين الذين اقتحموا القدس الشرقية والحرم الشريف تلاميذ من "ميركاز هاراف" الذين وفروا سيارة مدرعة لغرض نقل الحاخام كوك ليشرف على رفع العلم الإسرائيلي فوق الحائط الغربي ولينفخ في بوق الشوفار.

 

فك خيوط الشبكة

الحاخام ديفيد سامسون الذي هو أحد تلاميذ الحاخام تسفي يهودا كوك. وقد اعترف سامسون في لقاء صحفي خاص أن "شبكة مدارس مركز الحاخام التي أسسها كوك هي القلب المحرك لحركة المستوطنين. وكل قادة حركة غوش امونيم هم من تلاميذ الحاخام تسفي يهودا، وكلما احتاجوا الى البت في امر مهم، فإن القرار الاخير يصدر من غرفة الضيوف في بيته حيث يجتمعون حول طاولته."

وكما اكد الحاخام سامسون فإن شبكة "مركز الحاخام" متغلغة بشكل كبير في كل مستويات قوات الدفاع من خلال مدارس الحسيديين التي هي في واقع الامر مراكز للتدريب العسكري ولدراسة تعاليم القابالة التي وضعها كوك. وقد حولت هذه الشبكة جيش الدفاع الاسرائيلي الى آلية متنامية للاصولية الدينية المتطرفة والشعوذة وتعاليم الحرب الدينية.

     بموت الحاخام كوك الابن في عام 1982، تحولت قيادة غوش امونيم وامناء جبل الهيكل الى مجموعة أكثر عنفاً من اتباع كوك مثل الحاخام موشيه ليفينجر و أليعازر فالدمان. ويشدد فالدمان على ان كوك كان يطالب بالحرب الدينية الشاملة باعتبارها الوسيلة الوحيدة لتحقيق مجئ المسيح. ويذكر سامسون أن بنيامين نتنياهو "نفسه يدرس تعاليم الحاخام كوك على يد كبار الحاخامات بصورة منتظمة. وهذه ليست مصادفة غريبة، فوالد بيبي نتنياهو كان السكرتير الشخصي للفاشي جابوتنسكي الذي كان يعمل بالتنسيق مع كوك الاب.

 

ألى اين تسير الامور

 

في منصف الثمانينات وبعد أن القت السلطات الامريكية القبض على جوناثان بولارد بتهمة تجسسه لصالح اسرائيل، قام برنامج البحوث الدفاعية الاكاديمي التابع لوزارة الدفاع الامريكية بتمويل دراسة عن تنامي ظاهرة التطرف الديني في إسرائيل وتأثيراتها الستراتيجية. ونشر مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك في عام 1988 الدراسة التي أنيطت بإيان لوستك البروفسور في شؤون الدولة في كلية دارتموث (ملاحظة 3).

     وخلصت الدراسة الى نتيجة صريحة وهي: إذا ما قدر للمتطرفين اليهود المرتبطين بحركة غوش امونيم والجناح المتنامي من غلاة القوميين اليهود داخل الجيش أن يستحوذ على السلطة، فإن "اسرائيلاً معارضة مبدئياً للحل السلمي التفاوضي ومدفوعة بالنبؤات والنوازع التخليصية ومتوفرة على ترسانة معقدة من الاسلحة النووية، ستشكل تحديات كبرى للسياسة الخارجية الامريكية والمصالح الامريكية بشكل لايقل في تأثيره من تلك التي نتجت من الثورة الاسلامية في إيران."

     وكان السيناريو الاخف وقعاً برأي لوستك هو حرب دينية مشابهة لحرب الثلاثين سنة (1618ـ 1648) التي دارت في أوربا، وأسوأ التقديرات هو اندلاع حرب عالمية ثالثة نووية.

 

(نهاية القسم الاول)

هوامش:

 

1-      Lyndon LaRouche, The Bestiality of the Fundies, Executive Intelligence Review, November 10, 2000.

2-      Abraham Isaac Kook, Orot: Lights of Holiness, 1963.

3-      Ian S. Lustick, Jewish Fundamentalism in Israel: For the Land and the Lord.

 

 

الجزء الثاني

 

العامل الماسوني واليمين المسيحي المتطرف في قضية "جبل الهيكل"

 

لقد كان للحركة الماسونية الحرة انطلاقا من بريطانيا دوراً تاريخيا في التطورات التي أحاطت بفلسطين منذ عهد اللورد بالمرستون والى يومنا هذا. وقد وثقت مؤسسة إي آي آر الترابط الوثيق والعملي بين ما يقوم به اليهود المتطرفون حول ما يسمونه "جبل الهيكل" ونشاط هذه الحركة والجماعات المسيحية اليمينية في الولايات المتحدة.

     إن هذه السيطرة الماسونية تتم ممارستها من قبل محفل "البحوث" التابع للمحفل الأم المعروف باسم "كواتور كوروناتي" (ملاحظة 1) الذي يعني التيجان الأربعة وهو قمة الهرم الماسوني البريطاني. ويترأس هذا المحفل ابن عم الملكة دوق كنت. أما الشخص المسؤول عن نشاطه اليومي فهو ماركيز نورثهامبتون السابع سبينسر دوغلاس ديفيد كومبتون.

     اللورد نورثهامبتون الذي يترأس "دراسات الهيكل"، لم يتوانى عن التصريح بإيمانه الشديد بما يعرف بـ "الإسرائيلية البريطانية" وهي فرضية تقول ان الطبقة الاوليغاركية البريطانية تملك قوى خفية، لأن بريطانيا تم استعمارها في القدم من قبل إحدى القبائل الإسرائيلية الضائعة التي أورثت فن القابالة للأسر العريقة في بريطانيا. ويعترف اللورد بأنه يمارس أعمال السحر الشيطانية التي وضعها أليستر كراولي، وأنه عين أحد ابرز خبراء طائفة "الفجر الذهبي" وهو آر أي جلبرت رئيساً لتحرير المجلة الرسمية لمحفل كواتور كوروناتي (ملاحظة 2). ومعروف أن كراولي كان قد ألف كتاباً في السحر وعبادة الشيطان باسم "معبد سليمان الملك". (ملاحظة 3).

     في الرابع من أكتوبر عام 1995، اجتمعت عصبة من ممارسي القابالة أمام منزل رئيس الوزراء إسحاق رابين وأطلقوا ضده "لعنة الموت" المعروفة في فن الشعوذة اليهودي التي تعني أن "الملعون" رابين سيموت في غضون 30 يوم. وبعد ثلاثين يوماً الضبط قتل رابين على يد إيغال أمير وهو من مستوطني الضفة الغربية. وكان مجموعة من الحاخامات قد باركوا عملية الاغتيال هذه.

     بعد أسابيع من مقتل رابين، أي في ديسمبر 1995 تم تأسيس "محفل أورشليم" الماسوني في مراسيم أقيمت في "كهف الملك سليمان" الذي يقع تحت الحي العربي المجاور للحرم القدسي. وكان الهدف المعلن لهذا المحفل الجديد هو العمل على إعادة بناء هيكل سليمان. مؤسس "محفل أورشليم" هو "المعلم الكبير" للمحفل الماسوني الإيطالي الرهباني جوليانو دي بيرناردو، وهو الساعد الأيمن للورد نارثهامبتون في مشروع "دراسات جبل الهيكل". وأعلن دي بيرناردو في مراسيم التأسيس أن "إعادة بناء الهيكل هو جوهر دراساتنا". وأصدر دي برناردو في يونيو 1996 الطبعة الإيطالية لكتابه المعنون "إعادة بناء الهيكل" والذي اصدر طبعته الإنجليزية محفل كواتور كوروناتي (ملاحظة 4). وقد اعترف دي بيرناردو انه هو أيضاً من ممارسي فن القابالة اليهودي وأنه يجري بحوثاً في ذلك الموضوع. لكنه يؤكد أن فن القابالة والباطنية اليهودية لن يكون شيئاً روحيا فقط بل سيصبح له موقع مادي وهو هيكل سليمان. وكشف دي بيرناردو أن أبراهام فوكسمان مدير عصبة مناهضة التشهير اليهودية الأمريكية (أي دي إل بناي برث) شريك في مشروع "جبل الهيكل" وأنه التقى به مع اللورد نورثهامبتون في سويسرا للتباحث في الأمر قبل تأسيس محفل أورشليم.

إن دور محفل كواتور كوروناتي في مؤامرة جبل الهيكل تسبق بزمن طويل تأسيس محفل أورشليم فالدكتور آشير كاوفمان وهو من أعضاء كواتور كوروناتي أجرى بعض أول "الدراسات" الأثرية عن جبل الهيكل في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقد أوكلت هذه المهمة إلى كاوفمان من قبل الدكتور تي إي ألليبون وهو من رجال المجتمع الملكي البريطاني وأبرز علماء فيزياء الذرة ومدير برنامج بحوث السلاح النووي البريطاني في مختبر ألديرماتسون.

 

لكن أولى الدراسات الأثرية في القدس تمت من قبل "صندوق استكشافات فلسطين" الذي تم تأسيسه في عام 1850 برعاية الأمير إدوارد البيرت ابن الملكة فكتوريا (الذي اصبح الملك إدوارد السابع فيما بعد). وقام الصندوق بإرسال أول بعثة استكشافية بإدارة الجنرال سير تشارلس وارين في الأعوام 1867ـ 70. وكانت هذه الرحلة الاستكشافية هي نقطة الانطلاق لما يسمى "مشروع جبل الهيكل". في عام 1884 كان الجنرال وارين أحد تسعة من الماسونيين الذين أسسوا محفل كواتور كوروناتي، وأصبح أول رئيس له.

 

بعد آخر لعدوان 6 حزيران         

بعد أسبوعين من عدوان 6 حزيران، شهدت لندن اكبر تجمع للماسونيين في التاريخ الحديث للاحتفال بمرور 250 عام على تأسيس "المحفل الأكبر الموحد" لإنجلترا ولتنصيب دوق كنت "معلما أعظم" للماسونية. وحسب الدكتور اليبون، برزت عملية إيفاد كاوفمان إلى القدس من هذا التجمع لإيجاد موقعي المعبدين الأول والثاني. وفي نفس الوقت تقريبا أسس الحاخام تسفي يهودا كوك حركة "أمناء جبل الهيكل" بالتعاون مع الإرهابي ستانلي غولدفوت أحد أعضاء عصابة شتيرن.

إن إرسال كاوفمان إلى القدس بعد أسابيع فقط من حرب حزيران عام 1967، أضاف بعداً جديداً لعملية "جبل الهيكل". حيث بدأت شبكة واسعة من المتطرفين المسيحيين الأمريكان المرتبطين على وجه العموم بالحركة "الداربية" (نسبة إلى القس الإنجيلي جون نيلسون داربي الذي عاش في القرن التاسع عشر) ومعهد اللاهوت في دالاس، بدأت بالانضمام إلى العمليات الجارية حول موضوع "جبل الهيكل" في القدس القديمة التي أصبحت تحت سيطرة إسرائيل لأول مرة. وعن طريق مؤسس حركة "أمناء جبل الهيكل" غولدفوت تم إحضار الدكتور لامبيرت دولفين إلى القدس في بداية الثمانينات. وكان لامبيرت عالم فيزياء في معهد ستانفورد للبحوث في كاليفورنيا، وعلى اتصال بكاوفمان قبل ذلك التاريخ. لكن غولدفوت لعب الدور الأهم في تأسيس الروابط بين محفل كواتور كوروناتي ممثلاً بكاوفمان والمتطرفين المسيحيين الداربيين ممثلين بدولفين. وعلاقة غولدفوت ببريطانيا ترجع إلى أيام الحرب العالمية الثانية عندما كان يعمل تحت إمرة اللورد مارتن تشارتيريس المسؤول عن العمليات الاستخباراتية في الشرق الأوسط أثناء الحرب والذي أصبح السكرتير الشخصي للملكة اليزابيث فيما بعد.

     بعد فترة قصيرة من توطيد هذه العلاقة بدأت كميات هائلة من الأموال تتدفق من جماعات المتطرفين المسيحيين في أمريكا إلى العمليات الجارية في القدس والتي كان الهدف النهائي لها هو تدمير المقدسات الإسلامية في الحرم الشريف. وكانت من المصادر الأولى لهذا الدعم المالي هي "مؤسسة معبد أورشليم الأمريكية". وحسب الكتابات العديدة التي أصدرها دولفين والموجودة على صفحته في الانترنيت (ملاحظة 5) . كان المصدر الآخر للتمويل يأتي من تشاك ميسلر ضابط بحرية أمريكي سابق ومدير سلسلة من الشركات المختصة بالصناعات الدفاعية.  أمريكا. وهو مالك دار نشر كوينونيا التي تنشر الدعاية المحرضة على تدمير الأوقاف الإسلامية في القدس وبناء "الهيكل الثالث".

     وقد دون دولفين كل هذه التفاصيل في سياق تقرير حول زيارته إلى إسرائيل عام 1994 برفقة ميسلر وسبعين من "الحجاج" الأمريكان. وقال دولفين في تقريره: "كانت مسئوليتي في هذه الرحلة هي تنظيم واستضافة مؤتمر الهيكل السنوي الثالث في أورشليم حيث قدم علماء وقادة دينيون إسرائيليون عشرة بحوث خاصة بموقع المعبدين الأول والثاني وخطط ورؤى لقدوم المسيح المنتظر".

     ولم يزعج دولفين حقيقة أن دماءً كثيرة ستسيل حتى يمكن بناء "الهيكل". وينذر دولفين في ختام تقريره أن "الزمن الذي سيبنى فيه الهيكل من جديد بوسيلة أو بأخرى مقبل بسرعة. وسيكون جبل الهيكل جاهزاً لأعمال الاستكشافات الجيوفيزياوية والحفر والتنقيب."

وعندما سألت إي آي أر  القس تشاك سمث وهو الأب الروحي لدولفين إن كان لديه أية تحفظات ضد إشعال حرب دينية في الشرق الأوسط يباد فيها ملايين المسلمين واليهود فكان جوابه: "لا بصراحة. فهذا كله جزء من التنبؤات التوراتية". كما كان سمث يكيل المديح على المتعصبين اليهود في حركة "أمناء جبل الهيكل" وزعيمهم غولدفوت قائلاً: "هل تريد أن ترى راديكالياً حقيقياً؟ جرب ستانلي غولدفوت فهو معجزة. فخطته هي اخذ مجموعة من أصابع الديناميت وكمية من البنادق الرشاشة لتفجير قبة الصخرة والسيطرة على كل المكان".

    

     ومن الشخصيات الأمريكية المعروفة في أوساط المتطرفين المسيحيين هو راندال برايس الذي ألف مجموعة كبيرة من الكتب حول "جبل الهيكل" و معركة هيرماجدون. وترجع جذور برايس أيضا إلى الحركة الداربية و "معهد مودي الإنجيلي" والمعقل الرئيسي لهذه الحركة هو الأكاديمية اللاهوتية في دالاس. وتكشف مؤلفات برايس (ملاحظة 6) عن العلاقات القذرة التي تربط بين الأصوليين المسيحيين من أمثاله واليهود المتطرفين والحركة الماسونية. وقد أخبر أحد الصحفيين مرة: "إننا نبحث عن صراع في الشرق الأوسط وهو أمر محتم." ولدى برايس وصفة خاصة بكيفية خلق هذه الحرب عن طريق استفزاز المسلمين وبسط السيطرة اليهودية الدينية على الحرم الشريف. ولا يهم برايس أن يسفك دم اليهود أو المسلمين في هذه المواجهة فالأمر سيان لديه، فالمهم تحقيق النبوءة. وتعج كتاباته بالنظريات الكثيرة والشبكة النشطة في إسرائيل و أمريكا الكفيلة بخلق حرب دينية في الشرق الأوسط.

     المشكلة في هؤلاء المتطرفين أو لنقل المجانين هي انهم اصبحوا قوة خاصة ومستقلة بنفسها. كما انهم ليسوا رجال دين طويلي اللحى مشغولين بقراءة الكتب الدينية فهؤلاء مثلما رأينا اعلاه يملكون شبكة تتضمن العلماء والباحثين وتتغلل علاقاتهم داخل البنتاغون والمخابرات. فليس هناك خطة محكمة تتحكم بها قوى سياسية في إسرائيل وأمريكا لإدارة عمل هذه المجاميع. فهؤلاء اصبحوا مثل وحش فرانكشتاين لا يؤمن بحكومة ولا بسلطة بل على العكس يعتبرون الحكومات الإسرائيلية التي وقعت اتفاقات سلام مع الدول العربية على أنها حكومات خائنة. حتى أولئك السياسيين الأمريكان والإسرائيليين الذين جلبوا هذه القوى إلى المعترك السياسي في الستينات وظنوا انهم قادرين على ترويض هذا الوحش لن يتمكنوا من المسك بزمام الأمور بعد الآن.

(نهاية القسم الثاني والاخير)

 

هوامش:

 

 

 1. Quatuor Coronati.

2. Ars Quatuor Coronarum.

3. Aleister Crowley, The Temple of Solomon the King.

4. Guiliano de Bernardo, La ricostruzione del Tempio, Il progetto massonico per una nuova utopia.

5. www.ldolphin.org/, www.templemount.org.

6. J. Randall Price: Ready to rebuild, The last days Temple: In Search of Temple treasures.