إرادة الشعوب

 

 

 

 

بقلم : د.نورة السعد

nora_23@anet.net.sa

 

كل يوم من أيام الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين يمر بمقدار مكثف من البؤس وتجسيد الإجرام بكل المقاييس الدولية في حق الطفولة والأمن والصحة والتنمية بجميع مستوياتها .. ولأنه مكرس منذ سنين طويلة فقد اعتاد البعض على هذه الجرائم حتى أصبح قتل الأبرياء في أيام عيد الفطر يمر دون اهتزاز لشبكة القنوات الفضائية!! ولم يعد هناك تنديد أو شجب على مستوى الدول فهي مشغولة بمتابعة الاحتلال الأمريكي في العراق وأخبار قتلى الجنود الامريكيين والبريطانيين ورجال الاستخبارات الأسبانيين والايطاليين.. وما يحدث في العراق قد فاق التصور حيث يتسلل اليه (خفية) رئيس أكبر دولة وأكبر قوة عسكرية خائفاً وجلاً في سرية وكتمان!! كي يخرج على مجموعة من جنوده في حركة مسرحية تذكرنا بألعاب البهلوان مع الأطفال في احتفالاتهم.

وقد كفانا نحن العرب مؤونة الانتقاد والتقييم لهذه المهزلة، ما نشر في صحف أمريكية حول هذه الزيارة المسرحية التي تمارس في توقيت لمنعطف خطير يهدد أمن المنطقة إذا ما استمرت هذه الدوامة من القتل والتفجير المتبادل بين المحتلين وبين العراقيين في كل موقع..

ومما يثير العجب ان عبارة وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في حديثه لمجلة ألمانية قبل أيام التي يقول فيها: "إن مشكلة الولايات المتحدة هي أنها تلقى من قبل الشعوب (تقديراً) أقل من الذي يكنّه القادة لها".. ثم يضيف إلى عبارته المضحكة ما يؤكد ان هذا الشعور سائد رغم أنهم أي الامريكيين لا يفعلون شيئاً يعبئ الآخرين ضدهم ولكن لديهم مبادئ يدافعون عنها ويفضلون ان يفعلوا ذلك في إطار منظمات وشراكات دولية ولكن هذا ليس ممكناً دائماً!!.

هذه العبارات وسواها مما نشر في مجلة (دي تسايف) حول أسلوب الحرب الامريكية في العراق والاحتلال الذي لن يتخلى عنه الامريكيون والذي يدخل الآن كورقة يتم اللعب بها تمهيداً لتجديد انتخاب الرئيس بوش الابن.. ورفض كولن باول التخلي عن العراق كما يقول في حديثه للمجلة وهو في هذه الفوضى!! والعراق في فوضى بسبب هذا الاحتلال وكما قالت هيلاري كلينتون في زيارتها التي تزامنت مع زيارة رئيسها بوش إنه مهم تحقيق الأمن وليس فقط النصر العسكري!!

إن ما يلفت نظر أي عربي أو مسلم بسيط التفكير وليس فقط من يستوعب الجذور التاريخية والاقتصادية والدينية لهذه الحرب المدمرة سواء في أفغانستان أو العراق والاحتلال المستمر منذ ما يزيد على نصف قرن في فلسطين المحتلة بمباركة الولايات المتحدة.. هذا الإنسان البسيط قد يتساءل عن هذا الكم الهائل من الاكاذيب التي يرويها مهندسو الحروب الأخيرة من كولن باول إلى رامسفيلد إلى ديك تشيني ورايس ناهيك عن الحاكم الأمريكي بريمر ومن يرافقه من العسكريين هذا الكم الهائل من التناقضات التي ترد في تصريحاتهم وكأن كلاً منهم يحادث جمهوراً غبياً لا يعرف ولا يسمع ولا يشاهد هذا الاحتلال وهذه المقاومة العراقية التي يتساقط من جرائها جنودهم قتلى يتم دفنهم في أنهار العراق!! أو يتم إعادة جثامينهم في صناديق إلى ارضهم والبقية ينتحرون أو يبكون.. وأحياناً يتسلون بلعب البيسبول في قصور صدام!! وربما هم قلة!! أو يسرقون اموال العراقيين من أيديهم!! وسياراتهم!!

لقد تمت الإطاحة بصدام هناك ولكن تم زراعة أكثر من صدام أمريكي وبريطاني يروع المواطنين ويعتدي على حرمة النساء ويتصيد الأطفال برصاصاته الطائشة حيناً والمتعمدة أحياناً كثيرة..

القارئ البسيط للمشهد الحالي يستوعب كيف تفقد الدولة الكبرى سيطرتها على الأحداث والتي ستجرها رغماً عنها إلى مسار تدهور يجرها بالتالي إلى مزيد من العدوان والقتل بل وارتكاب هفوات والقيام بأعمال غير حذرة تضر بمصالحها وتستخدم ذريعة لردود متفاوتة ومتعددة على مختلف المستويات تضر بها وتفقدها المزيد من القدرة على التوازن..

وكما يقال ترتيب الحروب يتم بحسب نماذج المواجهات التي تعبر عنها.. فهناك مواجهات عرقية وأخرى دينية وثالثة اقتصادية أو عسكرية.. وما يحدث في العراق قد تمت فيه الأبعاد كلها وكان يُراد منه احتلال هادئ ولكن مسيرة الاحداث جعلته (حرباً ومقاومة عنيفة) لن تهدأ وكما هي الحال في افغانستان الآن من مطاردة عبر عنها بول كودغمان في مقالته ان انصراف الموارد الاستخباراتية وانتقال القوات الخاصة وطائرات البريديتور من افغانستان إلى العراق سمح لجماعة طالبان بتجميع صفوفها والعودة للهجوم.

وفي العراق يتساقط الجنود المحتلون يومياً.. ورغم هذا لا يرى كولن باول انهم يقومون بما يعبئ الشعوب ضدهم..!!

إن مسيرة المائة ألف في بريطانيا في استقبال بوش!! وسقوط تمثاله مقاربة لسقوط تمثال صدام!! مع ما امتلأت به الشعارات التي حملها الآلاف سواء في تلك المسيرة أو سواها من مظاهرات عالمية عمت دول العالم رفضاً للحرب.. جميعها تبرهن ان إرادة الشعوب هي الأقوى!!