لا بد من التصارح وأن يلزم كل واحدٍ حَدّه:
المسكوت عنه فى المسألة الطائفية بمصر
(المقال
كاملا)
بقلم: إبراهيم عوض
http://ibrawa.coconia.net/
الموقع
المشباكى:
متى تنبهتُ إلى حكاية
"مسلم ونصرانى"؟ بطبيعة الحال كنت، فى طفولتى، أعرف أن هناك نصارى فى
مصر، لكن قريتى فى الوجه البحرى بوسط الدلتا كانت وما تزال تخلو تماما من أى وجود
نصرانى، اللهم إلا من يَرِد عليها بين الحين والحين من الموظفين الأقباط مثل
الأستاذ جرجس مدير مكتب البريد الذى كان أهل القرية يكرمونه ويستضيفونه عندهم على
العَشَاء فى كثير من الليالى نظرا لعدم وجود أحد من أفراد أسرته معه، وكطبيب
الوحدة المجمعة الذى كان لقب أسرته لوقا إذا لم تكن الذاكرة قد عبثت بى، والذى ما
فتئت أستحضر بسهولة شديدة منظره وهو يمثل أحد الأدوار المضحكة مع بعض الطلبة
الأزهريين فى مشهد هزلى على مسرح الوحدة المجمعة بالقرية يقوم على ترديد كل واحد
من الممثلين لهذه الجملة مع زيادة عدد "البرابيخوهات" كل مرةٍ واحدا:
"برابيخو مات ومَوِّت معاه واحد (اتنين/ تلاتة/ أربعة...) برابيخو". لكن
عندما انتقلتُ إلى المدينة لأواصل تعليمى فى المرحلة الإعدادية أخذت أرى الكنائس
فى طنطا، وقد أشاهد أيضا مواكب الجنائز النصرانية وهى تشق شوارع المدينة تصدح منها
موسيقى جنائزية حزينة، ويتقدمها حصانان يجران عربة التابوت مما كان يشد انتباهى
ويستهوينى. وأبرز ما بقى فى ذاكرتى من هذه المناسبات الجنائزية ذلك الموكب الذى
انطلق ذات عصر فى أوائل الستينات من الكنيسة الموجودة بشارع القنطرة فى سُرّة
المدينة. بل لقد دخلتُ كنيسة، وأنا فى المرحلة الإعدادية، قرب البيت الذى كنا نسكن
فيه على أطراف طنطا بجوار السكة الحديد التى تؤدى إلى شبين الكوم فى نهاية شارع
الحكمة، وربما كانت المناسبة عُرْسًا، وإن كنت لا أذكر شيئا آخر خلاف هذا لتقادم
العهد بتلك الذكرى.
وفى أول المرحلة الثانوية كان
معنا فى الفصل عدد من الطلبة الأقباط منهم فيما أذكر الآن أديب، وكان لَسِنًا
يتكلم كثيرا فى موضوعات الدين دون أن تكون هناك أية حساسيات بيننا، ومنهم قصدى
الذى كنت أراه جالسا فى شرفة شقتهم بالدور الثانى بشارع طه الحكيم يستذكر دروسه فى
العصارى، وكان يشجعنى هو وزميل نصرانى آخر لم أعد أذكر اسمه على أن ألتحق معه
بالقسم العلمى لأنى، كما كانا يقولان، "خسارة" فى المواد الأدبية، ومن
الأفضل أن أكون طبيبا حينما أكبر، وبخاصة أننى كنت أحصل على درجات فى المواد
العلمية أحسن من تلك التى أُحْرِزها فى نظيرتها الأدبية. إلا أننى لم أستطع أن
أتقبل رائحة الفورمالين ولا منظر كبد الأرنب الذى كان مغمورا فيه فى البرطمان
أثناء إجابتى على بعض الأسئلة الشفوية المتعلقة بمادة الأحياء آخر العام،
وأُصِبْتُ بالغثيان وظل يعاودنى بعدها لفترة من جراء ذلك!
ومن بين هؤلاء الطلاب أيضا سعد،
الذى كانت أسرته تسكن فى أول شارع القاضى من جهة شارع البحر، والذى ذهبت معه
لبيتهم بعد انصرافنا من المدرسة عصر ذات يوم، وأعطتنى والدته نسخة من العهد الجديد
(بناء على طلبى) كنت أقرأ فيها بين الحين والحين فأجد غرابة فى الأسلوب لا تتلاءم
مع ما تعودت عليه من الأساليب العربية فى كتب العقاد وطه حسين والمازنى والرافعى
وتيمور والحكيم وبنت الشاطئ وأمينة السعيد وصوفى عبد الله وغيرهم ممن كنت أقرأ لهم
آنذاك. وبعد ذلك بعامين كنت أتردد، فى حى الصاغة بجنوب المدينة، على بعض الأصدقاء
الذين كانوا يسكنون عند عم فوزى (النصرانى)، فكنت أراه عندهم، وقد ارتدى كأهل
الريف جلبابا وربما قبقابا أيضا، يجادلهم فى بعض المسائل الدينية فيردون عليه،
وكانوا جميعا (وخذ بالك من هذه!) من طلبة المعهد الدينى الأزهرى الذى لم يكن يبعد
كثيرا عن بيت الرجل من جهة الغرب. ولا أظن أنه قد وقعت بينه وبين أولئك الأصدقاء
أية مشاحنات رغم ذلك. كذلك كان مدرس التاريخ فى مدرستنا تلك الأيام أستاذا نصرانيا
اسمه فكرى روفائيل، وكانت عنده مقدرة على تحبيبنا فى دروسه بأسلوبه الشائق وشرحه
المفعم بالحيوية. وقد ذهبتُ بعد تعيينى فى الجامعة لزيارته (هو وأستاذى القدير
المرحوم سيد أحمد أبو رية) فى المدرسة الأحمدية التى حصلت منها على التوجيهية،
وزففت له خبر خِطْبتى فهنأنى مسرورا ورحب بى وأحضر لى مشروبا.
بل لقد اشتغلت مدرسا فى شبابى
فى بعض المدارس النصرانية، وكان لى فى واحدة منها ما يشبه الصداقة مع قِسّيسَيْن
من قساوستها، وكان أحدهما مقبلا على الحياة يباهى بشبابه ووسامته ويُسِرّ إلىّ
ببعض خصوصياته غير واجد فى ذلك حرجا، أما الآخر فكان يحدثنى عن تفاسير القرآن التى
يرجع إليها فى دراساته الإسلامية ويأخذنى خلفه على دراجته النارية وهو فى ملابسه
الكهنوتية قاطعا شوارع مصر الجديدة وشارع الخليفة المأمون إلى أن نصل على هذا
الوضع اللافت للنظر إلى الجامعة. كذلك ففى الوقت الذى كنت أسكن فيه مع
"فانوس" النصرانى ورفاقه من المجندين المسلمين الذين سيأتى ذكرهم عما
قليل كان أصحاب البيت أقباطا، وكانت العلاقة بيننا وبينهم طيبة ولله الحمد
والمنّة، بل أذكر أنهم أرسلوا لنا مرة أو مرتين بعض الطعام مع ابنتهم الصغيرة،
وحين طلبوا منا إخلاء الشقة لحاجتهم إليها لم يستثنوا فانوسا، ولم يحاول هو أن
ينخلع منا، بل خرجنا كلنا معا وبحثنا عن مسكن آخر فى منطقة الدمرداش آثرنى زملائى
مشكورين بغرفة مستقلة من غرفتيها لأكون على راحتى فى الدراسة، وأخذوا هم كلهم
الغرفة الأخرى، وكانت الأكبر، ولم يكلفونى من الإيجار إلا كأحدهم.
فتأمل أيها القارئ الجو الذى
كنا نعيش فيه تلك الأيام، وقارن بينه وبين الأجواء التى تنفجر بين الطائفتين بين
الحين والحين رغم أن العلاقة بين عموم المسلمين وعموم النصارى طيبة إلى حد كبير!
فمثلا كنت وما زلت أشترى كثيرا من حاجاتى، وبخاصة قطع غيار السيارة، من التجار
الأقباط، ولى معهم مَوَدّات ومجاملات، ولا يمكن أن أنسى هنا دكان ميشيل فى طنطا
القريب من مدرستى القديمة، والذى كلما ذهبت إليه لشراء قطعة غيار لسيارتى حين أكون
فى القرية سمعت من صاحبه القفشات الضاحكة كعادته مع الزبائن. ولى قريب متعلم تاجر
لا يشترى العسل الأسود إلا من أحد تجار النصارى (وهذا التاجر يشتغل فى الصباح
مدرسا فى ذات الوقت)، وإذا حدث أن رافقته إلى هناك أكرمنى الرجل ورحب بى وبادلته
مودة بمثلها أو بأشد منها. فماذا بالله عليكم أيها القراء يمكن أن يقع إذا قرر
المسلمون مقاطعة التجار الأقباط؟ أسيكون هذا شيئا طيبا؟ وإنى لا أذكر أبدا أننى قد
ضقت صدرا، بل لا أشعر حتى الآن ولا أظننى سأشعر فى المستقبل بضيق فى صدرى، من أى
شخص يخالفنى فى الدين رغم أننى ككل البشر أفضِّل أن يكون الناس جميعا على دينى
ومذهبى. وأرى أن بداية التغير فى جو العلاقات بين المسلمين والنصارى فى مصر
الحبيبة تعود إلى بداية السبعينات حين تغيرت القيادة القبطية فى مصر. وفى هذا
المقال أحاول أن أسلط الضوء على بعض ما هو مسكوت عنه فى ذلك
الموضوع.
وأعتقد أن أساس المشكلة يكمن فى
زعم طائفة مؤثرة من نصارى الوطن أن المسلمين أجانب عن مصر، ذلك الزعم الذى كان
كامنا تحت أطباق الرماد فى أغوار النفوس البعيدة فكأنه غير موجود، ثم أبرزه وأججه
ذلك التغير الذى حدث فى قيادة الأقباط فى سبعينات القرن الماضى، مع تتالى انكسارات
المسلمين بوجه عام فى ميدان السياسة والحروب. وهم يقصدون بهذا الكلام المزعوم
شيئين: الأول أن المسلمين أجانب دِينًا، بمعنى أن مصر قد خلقها الله نصرانية
تثليثية. أقول: "تثليثية" لأن هناك نصارى كثيرين جدا ليسوا تثليثيين بل
موحدين لا يعتقدون فى عيسى أكثر من أنه نبى كريم لا إلهٌ ولا ابنٌ للإله كما يقول
المثلِّثون. وما يقوله هؤلاء النصارى الموحدون هو ذاته ما يعتقده المسلمون فى هذا
النبى العظيم صلوات الله وسلامه عليه. ورغم أن موحِّدى النصارى هم الأصل فى
العقيدة السمحة التى أتى بها عيسى بن مريم، عليه وعلى السيدة العذراء السلام، فقد
استطاعت الفِرَق المثلِّثة أن تجحر أولئك الموحدين وأن تضيق عليهم الخناق وأن
تضطهدهم اضطهادا بشعا وأن تقتل منهم الكثيرين وأن تُقْصِىَ من لم تسطع القضاء
عليهم عن المراكز المؤثرة وأن تهمّشهم تهميشا حتى انتهى الأمر أن أضحى صوت هؤلاء
النصارى الموحدين مطموسا لا يُسْمَع. على أن المسلمين فى مصر طبقا لهذا الزعم
ليسوا أجانب عن مصر بدينهم فحسب، بل هم أجانب أيضا عن أرض الكنانة المباركة بجنسهم
ودمائهم التى تجرى فى عروقهم وتستحق الحرق، فهم على هذا الزعم الكاذب عربٌ أَتَوْا
من وراء الحدود، وينبغى من ثَمّ أن يعودوا من حيث أَتَوْا، أى إلى الجزيرة
العربية.
وللأسف فإن الجو لا يسمح
بالضحك، وإلا لقلت: يدى على يدكم، وساعدونا على التجنس بأية جنسية عربية (لكن
دعونا أَوّلاً من اليمن، فليس فيها نفط)، ذلك أن العمل فى دول الخليج هدف لمعظم
المصريين، وذلك التجنس سوف يوفر عليهم الوقت والجهد ولن يكونوا بحاجة إلى البحث
واللهاث وطلوع العين والروح خلف وظيفة فى أى بلد بترولى، إذ سيكونون هم أنفسهم من
أهل تلك البلاد البترولية التى تفيض زفتا وقطرانا، وبالتالى: سمنا ولبنا وعسلا.
وتصوروا المصريين وقد أصبحوا يلعبون بالمال لعبا، ويركبون السيارات الفارهة،
ويأكلون الكبسة وهُبَر اللحم فى كل وجبة، ويعطّشون كلهم الجيم ويخرجون ألسنتهم، لا
للناس الذين ليس عندهم نفط مثلهم، بل لزوم نطق حروف الثاء والذال والظاء (وبالذات
الظاء كما كان حسن عابدين يصنع فى إعلانه الشهير عن شويبس)، ويلبسون الغترة
والعقال (أيضا مثل ذلك الممثل الموهوب عليه رحمة الله فى إعلانه المذكور)، ويتزوج
كل منهم أربعًا (فى عين العدو) ويعيش فى بُلَهْنِيَةٍ من العيش لم يتخيلها فى يوم
من الأيام، وإذا نزل أحدهم مصر التف حوله الناس وتقربوا إليه وناشدوه الله
والرَّحِم أن يبحث لهم عن عقد عمل فى بلاده. وساعتها سوف يندم هؤلاء المساعير
المتعصبون ندامة الكُسَعِىّ، لكن بعد خراب بصرة!
غير أن الجو للأسف لا يتحمل مثل
هذا الضحك، بل إنه لا يقبل مجرد الابتسام! على الأقل لأن الخليجيين لن يَرْضَوْا
أبدا باستلحاقنا كى نشاركهم تلك النعمة ونقلل بالضرورة أنصباءهم فيها إلى الفتات
لأننا عشرات الملايين، على حين لو جمعناهم "كلهم على بعضهم" فى جميع دول
الخليج فلن يصلوا إلى ربع ذلك العدد، بل إن السكان فى بعض تلك الدول لا يصلون إلى
ربع المليون. ومعنى هذا أننا، بعد أن نترك مصر أملا فى احتياز تلك الثروات
الأسطورية التى تُسِيل اللعاب، سوف نُمْنَع من دخول بلاد العرب، وعندها يقيمون لنا
خياما على الحدود كما صنعوا مع الفلسطينيين المساكين على الحدود الليبية المصرية ذات
يوم. ولكن أية حدود؟ ليس إلا البحر الأحمر يا حبيبى أنت وهو، فى عبّارة من تلك
العبّارات التى تعرفونها والتى سوف ننتهى فيها إلى أن نكون طعاما للحيتان، ولن
يكون صاحبها بحاجة إلى الهروب من مصر قبل رفع الحصانة عنه، لأنه قد هرب وانتهى
الأمر، وهو فى لندن من يومها يعيش آمنا تماما ويستمتع بأموالنا التى سرقها منا
وقتلنا بها، ولن يهمه من أمرنا شىء. أى أننا غارقون غارقون، وفى بطون الحيتان
وأسماك القرش مستقرون! نستأهل! هل قال لنا أحد نُقِلّ عقلنا ونصدّق هذه الآمال
الكواذب ونترك المحروسة؟ وبهذا نكون لا طُلْنا عنب الشام ولا بلح اليمن، ولا حتى
المشّ المصرى المعتبر!
ولقد قرأت فى "أحكام أهل
الذمة" لابن قَيّم الجَوْزيّة، وكذلك فى "صبح الأعشى" للقلقشندى،
ما نصه: "وفي أيام الآمر بأحكام الله الفاطمي بالديار المصرية، امتدت أيدي
النصارى، وبسطوا أيديهم بالخيانة، وتفننوا في أذى المسلمين وإيصال المضرة إليهم.
واستُعْمِل منهم كاتب يعرف بالراهب، ويُلَقَّب بالأب القديس، الروحاني النفيس، أبي
الآباء، وسيد الرؤساء، مقدّم دين النصرانية، وسيد البتركية، صفيّ الرب ومختاره،
وثالث عشر الحواريين، فصادر اللعينُ عامةَ مَنْ بالديار المصرية: مِنْ كاتب وحاكم
وجندي وعامل وتاجر، وامتدت يده إلى الناس على اختلاف طبقاتهم، فخوّفه بعض مشايخ
الكتّاب من خالقه وباعثه ومحاسبه، وحذره من سوء عواقب أفعاله، وأشار عليه بترك ما
يكون سببا لهلاكه. وكان جماعة من كتاب مصر وقبطها في مجلسه، فقال مخاطبا له ومسمعا
للجماعة: نحن ملاك هذه الديار حرثًا وخَرَاجًا، ملكها المسلمون منا، وتغلبوا عليها
وغصبوها، واستملكوها من أيدينا. فنحن مهما فعلنا بالمسلمين فهو قُبَالة ما فعلوا
بنا، ولا يكون له نسبة إلى من قُتِل من رؤسائنا وملوكنا في أيام الفتوح. فجميع ما
نأخذه من أموال المسلمين وأموال ملوكهم وخلفائهم حِلٌّ لنا، وهو بعض ما نستحقه
عليهم. فإذا حملنا لهم مالاً كانت المنة لنا عليهم، وأنشد:
بنت كَـــــرْمٍ يتَّمـــوها
أمهـــــا ** وأهـــانوها فدِيسَتْ بالقدمْ
ثم عادوا حكّموها بينـهـم
** وَيْلَهُمْ من فعل مظلومٍ حَكَمْ
فاستحسن الحاضرون من النصارى
والمنافقين ما سمعوه منه، واستعادوه، وعَضّوا عليه بالنواجذ، حتى قيل إن الذي
احتاط عليه قلم اللعين من أملاك المسلمين مائتا ألف واثنان وسبعون ألفا، ومائتا
دار وحانوت وأرض بأعمال الدولة، إلى أن أعادها إلى أصحابها أبو علي بن الأفضل، ومن
الأموال ما لا يحصيه إلا الله تعالى".
وبهذه المناسبة أذكر أننى، قبيل
انتهاء حرب رمضان المجيدة أيام الشباب الأول، كنت أسكن فى شقة مفروشة فى منطقة
قريبة من دير الملاك بالقاهرة مع بعض المجندين من خريجى الجامعات، ومنهم شاب
نصرانى اسمه ميلاد كنت أحبه وأستلطف ظله وأضحك معه كثيرا وأداعبه وأطلق عليه اسم
"فانوس"، مثلما كنت أسمى زميلا له مسلما اسمه أحمد بــ"أحمد
الدَّنَف" إشارة إلى غلبة النعاس عليه أثناء حديثنا معه وانفراج فكيه وثقل
جفنيه. و ذات عصريّةٍ كنت أناقش صديقى فانوسا فى شارع رمسيس قبل أن تغير الحكومة
معالمه وتجعله اتجاها واحدا، وكنا ساعتها فى منطقة الدمرداش قريبا من الكاتدرائية،
ولا أدرى بالضبط فيم كنا نتحاور، إلا أن الذى أذكره جيدا أنه ألقى بالجملة التالية
فجأة فى وجهى، وكانت أول مرة أسمع شيئا كهذا: "أنتم، أيها المسلمون فى مصر،
عرب ولستم مصريين، وهذه ليست بلادكم، لأنكم إنما جئتم من الجزيرة العربية مع عمرو
بن العاص، وعليكم أن ترجعوا من حيث أتيتم!". فما كان منى إلا أن رددت على
البديهة فى الحال: انتظر يا فلان انتظر، وتعال نحسبها بالقلم والورق. ترى من الذى
أدخل فى مخك هذا الكلام الذى لا معنى له ولا منطق فيه؟ أيُعْقَل، وأنت خريج كلية
الهندسة البارع فى الحساب، أن تردد هذا الكلام الذى يدابر الحساب والإحصاء؟ إن
العرب الذين دخلوا مصر مع عمرو بن العاص لم يكونوا يتجاوزون عدة آلاف، على حين كان
سكان مصر بالملايين، فهل تريد أن تقول إن الذى بَقِىَ من هذه الآلاف القليلة
المحدودة (أقصد: بَقِىَ ولم يغادرها إلى ليبيا وبقية بلاد المغرب مع حركة الفتح)
قد تكاثر حتى أصبح يشكل الأغلبية الساحقة فى مصر الآن ويُعَدّ بعشرات الملايين،
بينما الملايين النصرانية التى كانت موجودة آنذاك بمصر قد أكلتها القطة فلم تعد
تتجاوز ثلاثة ملايين من الأنفس؟ فكان تعليقه: فماذا تريد أن تقول؟ قلت له بكل
هدوء: أريد أن أقول إن المسلمين فى مصر هم مصريون لحما ودما، وإن كان هذا لا ينفى
أن بعضهم قد انصهرت دماؤه مع دماء إخوانه من المسلمين العرب القليلين، مثلما
انصهرت دماء نصارى مصر مع دماء النصارى الذين وفدوا على أرض الكنانة من كل مكان.
فعاد يقول: لكن دينكم عربى، وليس نابعا من مصر! قلت: وهل دينكم يا فلان مِنْ نبت
التربة المصرية؟ إنه وارد الخارج كما تعرف، والذين ورّدوه لنا ليسوا مصريين، وإن
كان قد اعتنقه جزء من المصريين، أما الإسلام فاعتنقته الأغلبية الساحقة. فإن كنتم
تريدون من الإسلام أن يعود أدراجه فلتعيدوا النصرانية قبل ذلك أدراجها وتعودوا
معها إن كنتم ترغبون فى ذلك، أما نحن المسلمين المصريين فهذا وطننا، ولا نبتغى به
بديلا، ولا يصحّ أن يقول أى إنسان كائنا من كان: "اخرجوا من مصر"، إذ
أين نخرج، وليس لنا يا ابن الحلال وطن إلا المحروسة؟ بل من قال إن من حق أى إنسان
أن يقول للمسلمين: اخرجوا من مصر! بالضبط مثلما لا نرى من حقنا أن نقول للنصارى
المصريين: اخرجوا من مصر، وعودوا من حيث أتيتم، إذ أين يخرجون؟ وإلام يذهبون؟
ثم عدت إلى الضحك معه ومداعبته كما
كنت أصنع قبلا. وكانت هذه، والحق يقال، صدمة لم أتوقعها، ولم يَدُرْ قَطُّ ببالى
أن أحدًا يمكن أن يقول هذا الكلام الغريب الساذج، لكنى بعد أن تكرر سماعى وقراءتى
له لم أعد أرى فيه كلاما ساذجا غريبا، بل تخطيطا شيطانيا ودعاية مسمومة وحقدا
عارما وأوهاما آثمة من شأنها أن تدمر الصلات الطيبة التى ينبغى أن تجمع بين
الطوائف المختلفة لأبناء الوطن الواحد! وبمناسبة قولى آنفا إن العرب الذين دخلوا
مصر مع عمرو بن العاص لم يكونوا يتجاوزون عدة آلاف، على حين كان سكان مصر
بالملايين، أحب أن أوضح أن تلك النسبة العددية العربية الشديدة الضآلة فى مصر وفى
كل مكان فتحه العرب هى المسؤولة عن ضآلة النسبة العددية للعلماء العرب بين علماء
الحضارة الإسلامية عموما. والعجيب أن بعض الباحثين، وبخاصة من المستشرقين ومن
يجرون وراءهم ويرددون أفكارهم كأنهم الأبواق، يتخذون ذلك تكأة للنيل من العرب والقول
بأنهم ليسوا مؤهلين للعلم ولا باع لهم فى ميدان الإنجازات الثقافية ناسين بل
متناسين عن عمدٍ وسبق إصرارٍ تلك الحقائق التى تفقأ العيون.
ثم نبهنى بعد ذلك
بسنواتٍ أستاذٌ جامعىٌّ مشهور إلى كتاب للشيخ الغزالى لم أكن قرأته رغم أننى كنت
ولا أزال من المحبين لقراءة ما يخطه يراع ذلك العالم الجليل، وهو كتاب "قذائف
الحق"، قائلا إن الكتاب يتضمن تقريرا أمنيا يرصد بعض النشاطات الكنسية
المعادية للإسلام. فقلت له: لكن من الطبيعى أن يكون للكنيسة نشاطات لا توافقنا نحن
المسلمين، فما وجه الأهمية لذاك؟ قال: اقرإ الكتاب، ولسوف ترى ما يريد الشيخ أن
يقول. ولم أقرإ الكتاب رغم ذلك إلا بعدها بمدة طويلة، فوجدت فيه الكلام التالى
الذى أنقله هنا من نسخةٍ متاحة على المشباك، وهو التقرير الذى أشار إليه الأستاذ
المذكور، والكلام فيه عن الأوضاع التى كانت قائمة آنذاك:
"إذا أراد إخواننا الأقباط
أن يعيشوا كأعدادهم من المسلمين فأنا معهم فى ذلك، وهم يقاربون الآن مليونين
ونصفا، ويجب أن يعيشوا كمليونين ونصف من المسلمين. لهم ما لهم من حقوق، وعليهم ما
عليهم من واجبات، أما أن يحاولوا فَرْض وصايتهم على المسلمين وجَعْل أَزِمَّة
الحياة الاجتماعية والسياسية فى أيديهم فلا. إذا أرادوا أن يبنوا كنائس تَسَعُ
أعدادهم لصلواتهم وشعائرهم الدينية فلا يعترضهم أحد. أما إذا أرادوا صبغ التراب
المصرى بالطابع المسيحى وإبراز المسيحية وكأنها الدين المهيمن على البلاد فلا. إذا
أرادوا أن يحتفظوا بشخصيتهم فلا تُمْتَهَن، وتعاليمهم فلا تُجَرَّح، فلهم ذلك، أما
أن يودّوا "ارتداد" المسلمين عن دينهم ويعلنوا غضبهم إذا طالبنا بتطبيق
الشريعة الإسلامية وتعميم التربية الدينية فهذا ما لا نقبله.
إن الاستعمار أوعز إلى بعضهم أن
يقف مراغماً للمسلمين، ولكننا نريد تفاهماً شريفاً مع ناس معقولين. إن الاستعمار
أشاع بين من أَعْطَوْه آذانهم وقلوبهم أن المسلمين فى مصر غرباء وطارئون عليها،
ويجب أن يزولوا، إن لم يكن اليوم فغداً. وعلى هذا الأساس أَسْمَوْا جريدتهم
الطائفية: "وطنى"! ومن هذا المنطلق شرع كثيرون من المغامرين يناوش
الإسلام والمسلمين، وكلما رأى عودة من المسلمين إلى دينهم همس أو صرخ: عاد التعصب!
الأقباط فى خطر! ولا ذرة من ذلك فى طول البلاد وعرضها، ولكنها صيحات مريبة أنعشها
وقواها "بابا شنودة" دون أى اكتراث بالعواقب. وقد سبقت محاولات من هذا
النوع أخمدها العقلاء، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كتابات القمص سرجيوس،
الذى احتفل "البابا شنودة" أخيراً بذكراه.
ففى العدد 41 من السنة 20 من
مجلة "المنارة" الصادر فى 6 / 12 / 1947 كتب هذا القمص تحت عنوان:
"حسن البنا يحرض على قتال الأقليات بعد أن سلح جيوشه بعلم الحكومة"
يقول: "نشرنا فى العدد السابق تفسير الشيخ حسن البنا لآية سورة
"التوبة" قوله: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر
ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى
يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة/ 29). قال: "وقد قال الفقهاء،
وتظاهرت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، إن القتال فرض عين إذا ديست أرض
الإسلام، أو اعتدى عليها المعتدون من غير المسلمين، وهو فرض كفاية لحماية الدعوة
الإسلامية وتأمين الوطن الإسلامى، فيكون واجباً على من تتم بهم هذه الحماية وهذا
التأمين. وليس الغرض من القتال فى الإسلام إكراه الناس على عقيدة، أو إدخالهم
قسراً فى الدين، والله يقول: "لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى"
(البقرة/ 256). كما أنه ليس الغرض من القتال كذلك الحصول على منافع دنيوية أو
مغانم دينية، فالزيت والفحم والقمح والمطاط ليست من أهداف المقاتل المسلم الذى يخرج
عن نفسه وماله ودمه لله بأن له الجنة: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيَقْتُلون ويُقْتَلون وعداً عليه
حقاً فى التوراة والإنجيل والقرآن" (التوبة/ 111). حكم قتال أهل الكتاب: وأهل
الكتاب يقاتَلون كما يقاتَل المشركون تماماً إذا اعْتَدَوْا على أرض الإسلام، أو
حالوا دون انتشار دعوته".
" الرد: للشيخ حسن البنا
أسلوبه الخاص فى الكتابة والتفسير وفى الفتاوى، ويُعْرَف بالأسلوب المائع، إذ يترك
دائماً الأبواب مفتوحة ليدخل متى شاء فى ما أراد دون أن يتقيد أو يُمْسَك، ومن
آيات ميوعته أنه يقول أن القتال يكون فرض عين إذا ديست أرض الإسلام، أو اعتدى
عليها المعتدون من غير المسلمين، دون أن يبين أو يحدد ما هى أرض الإسلام أو الوطن
الإسلامى: هل هى الحجاز فقط أم هى كل بلد من بلاد العالم يكون فيها المسلمون
أغلبية أو أقلية أو متعادلين؟ وكان فى عدم تحديده لأرض الإسلام أو الوطن الإسلامى
ماكراً سيئاً ليكون حرا فى إعلان القتال على من يشاء من المستضعفين من المسيحيين
واليهود الذين يقوى على محاربتهم فى أى بلد كان. وكان أحرى به أن يقولها كلمة
صريحة أن أرض الإسلام هى الحجاز، أى الأرض التى نشأ عليها الإسلام، أى الدين
الإسلامى، وليست البلاد التى يعيش فيها المسلمون فى العالم. وسواء كانت أرض
الإسلام أو وطن الإسلام هى الحجاز أم هى كل بلد من بلاد العالم يعيش فيه المسلمون،
فلا يمكن العمل بما يقول به الشيخ حسن البنا بأن القتال فرض عين أو فرض كفاية على
المسلمين إذا ديست أرض الإسلام أو اعتدى عليها المعتدون من غير المسلمين".
وأنا أسأل أى قارئ اطلع على
تفسير حسن البنا: هل اشتم منه رائحة تحريض على الأقباط أو اليهود؟ وأسأل أى منصف
قرأ الرد عليه: هل وجد فيه إلا التحرش والرغبة فى الاشتباك دون أدنى سبب؟ إن هذا
القمص المفترى لا يريد إلا شيئاً واحداً: إبعاد الصفة الإسلامية عن مصر، واعتبار
الحجاز وحده وطنا إسلاميا. أما مصر فليست وطنا إسلاميا رغم أن سكانها المسلمين فوق
92 % من جملة أهلها. ولماذا تُنْفَى الصفة الإسلامية عن مصر مع أن هذه الصفة تذكر
لجعل الدفاع عنها فريضة مقدسة؟ هذا ما يُسْأَل عنه القمّص الوطنى والذين احتفلوا
بذكراه بعد ربع قرن من وفاته. إن الدفاع عن مصر ضد الاستعمار العالمى ينبغى أن
تهتز بواعثه وأن تفتر مشاعره!
لقد كانت مصر وثنية فى العصور
القديمة، ثم تنصر أغلبها، فهل يقول الوثنيون المصريون لمن تنصر: إنك فقدت وطنك بتنصرك؟
ثم أقبل الإسلام فدخل فيه جمهور المصريين، فهل يقال للمسلم: إنك فقدت وطنك
بإسلامك؟ ما هذه الرقاعة؟! بيد أن الحملة على الإسلام مضت فى طريقها، وزادت ضراوةً
وخسةً فى الأيام الأخيرة. ثم جاء "الأنبا شنودة" رئيساً للأقباط فقاد
حملة لا بد من كشف خباياها وتوضيح مداها حتى يدرك الجميع: مم نَحْذَر؟ وماذا نخشى؟
وما نستطيع السكوت، ومستقبلنا كله تعصف به الفتن ويأتمر به سماسرة الاستعمار.
تقرير رهيب: كنت في الإسكندرية في مارس من
سنة 1973، وعلمت من غير قصد بخطاب ألقاه البابا شنودة في الكنيسة المرقصية الكبرى في
اجتماع سرى أعان الله على إظهار ما وقع فيه. وإلى القراء ما حدث كما نُقِل مسجلا
إلى الجهات المعنيّة:
"بسم الله الرحمن الرحيم:
نقدم لسيادتكم هذا التقرير لأهم ما دار في الاجتماع بعد أداء الصلاة و التراتيل:
طلب البابا شنودة من عامة الحاضرين الانصراف، ولم يمكث معه سوى رجال الدين وبعض
أثريائهم بالإسكندرية، وبدأ كلمته قائلاً إن كل شئ على ما يرام، ويجري حسب الخطة
الموضوعة لكل جانب من جوانب العمل على حدة في إطار الهدف الموحد، ثم تحدث في عدد
من الموضوعات على النحو التالي:
أولا_ عدد شعب الكنيسة: صرح لهم
أن مصادرهم في إدارة التعبئة والإحصاء أبلغتهم أن عدد المسيحيين في مصر يقارب
الثمانية مليون (8 مليون نسمة)، وعلى شعب الكنيسة أن يعلم ذلك جيداً، كما يجب عليه
أن ينشر ذلك ويؤكده بين المسلمين، إذ سيكون ذلك سندنا في المطالب التي سنتقدم بها
إلى الحكومة التي سنذكرها لكم اليوم. والتخطيط العام الذي تم الاتفاق عليه
بالإجماع، والتي صدرت بشأنه التعليمات الخاصة لتنفيذه، وُضِعَ على أساس بلوغ شعب
الكنيسة إلى نصف الشعب المصري، بحيث يتساوى عدد شعب الكنيسة مع عدد المسلمين لأول
مرة منذ 13 قرنا، أي منذ "الاستعمار العربي والغزو الإسلامي لبلادنا"
على حد قوله، والمدة المحددة وفقاً للتخطيط الموضوع للوصول إلى هذه النتيجة
المطلوبة تتراوح بين 12_ 15 سنة من الآن. ولذلك فإن الكنيسة تحرّم تحريما تاما
تحديد النسل أو تنظيمه، وتعدّ كل من يفعل ذلك خارجاً عن تعليمات الكنيسة، ومطروداً
من رحمة الرب، وقاتلاً لشعب الكنيسة، ومضيعاً لمجده، وذلك باستثناء الحالات التي
يقرر فيها الطب و الكنيسة خطر الحمل أو الولادة على حياة المرأة. وقد اتخذت
الكنيسة عدة قرارات لتحقيق الخطة القاضية بزيادة عددهم:
1- تحريم تحديد النسل أو تنظيمه
بين شعب الكنيسة.
2- تشجيع تحديد النسل وتنظيمه
بين المسلمين (خاصة وأن أكثر من 65 % [!] من الأطباء والقائمين على الخدمات الصحية
هم من شعب الكنيسة).
3- تشجيع الإكثار من شعبنا،
ووضع حوافز ومساعدات مادية ومعنوية للأسر الفقيرة من شعبنا.
4- التنبيه على العاملين
بالخدمات الصحية على المستويين الحكومي وغير الحكومي كي يضاعفوا الخدمات الصحية
لشعبنا، وبذل العناية والجهد الوافرين، وذلك من شأنه تقليل الوفيات بين شعبنا (على
أن نفعل عكس ذلك مع المسلمين).
5- تشجيع الزواج المبكر وتخفيض
تكاليفه، وذلك بتخفيف رسوم فتح الكنائس ورسوم الإكليل بكنائس الأحياء الشعبية.
6- تحرّم الكنيسة تحريما تاما
على أصحاب العمارات والمساكن المسيحيين تأجير أي مسكن أو شقة أو محل تجاري
للمسلمين، وتعتبر من يفعل ذلك من الآن فصاعداً مطروداً من رحمة الرب ورعاية
الكنيسة، كما يجب العمل بشتى الوسائل على إخراج السكان المسلمين من العمارات والبيوت
المملوكة لشعب الكنيسة، وإذا نفّذنا هذه السياسة بقدر ما يسعنا الجهد فسنشجع ونسهل
الزواج بين شبابنا المسيحي، كما سنصعبه ونضيّق فرصه بين شباب المسلمين، مما سيكون
له أثر فعال في الوصول إلى الهدف. وليس بخافٍ أن الغرض من هذه القرارات هو انخفاض
معدل الزيادة بين المسلمين وارتفاع هذا المعدل بين شعبنا المسيحى.
ثانياً_ اقتصاد شعب
الكنيسة: قال شنودة إن المال يأتينا بقدر ما نطلب وأكثر مما نطلب، وذلك من مصادر
ثلاثة: أمريكا، الحبشة، الفاتيكان، ولكن ينبغي أن يكون الاعتماد الأول في تخطيطنا
الاقتصادي على مالنا الخاص الذي نجمعه من الداخل، وعلى التعاون على فعل الخير بين
أفراد شعب الكنيسة. كذلك يجب الاهتمام أكثر بشراء الأرض، وتنفيذ نظام القروض
والمساعدات لمن يقومون بذلك لمعاونتهم على البناء، وقد ثبت من واقع الإحصاءات
الرسمية أن أكثر من 60 % من تجارة مصر الداخلية هي بأيدي المسيحيين، وعلينا أن
نعمل على زيادة هذه النسبة. وتخطيطنا الاقتصادي للمستقبل يستهدف إفقار المسلمين
ونزع الثروة من أيديهم ما أمكن بالقدر الذي يعمل به هذا التخطيط على إثراء شعبنا.
كما يلزمنا مداومة تذكير شعبنا والتنبيه عليه تنبيها مشددا من حين لآخر بأن يقاطع المسلمين
اقتصاديا، وأن يمتنع عن التعامل المادي معهم امتناعاً مطلقاً، إلا في الحالات التي
يتعذر فيها ذلك، ويعني مقاطعة المحاميين، المحاسبين، المدرسين، الأطباء، الصيادلة،
العيادات، المستشفيات الخاصة، المحلات التجارية الكبيرة و الصغيرة، الجمعيات
الاستهلاكية أيضا (!)، وذلك مادام ممكنا لهم التعامل مع إخوانهم من شعب الكنيسة،
كما يجب أن ينبهوا دوماً إلى مقاطعة صنّاع المسلمين وحِرْفِيّيهم والاستعاضة عنهم
بالصنّاع والحرفيّين النصارى، ولو كلفهم ذلك الانتقال والجهد والمشقة. ثم قال
البابا شنودة: إن هذا الأمر بالغ الأهمية لتخطيطنا العامّ في المدى القريب
والبعيد.
ثالثاً_ تعليم شعب الكنيسة: قال
البابا شنودة إنه يجب، فيما يتعلق بالتعليم العام للشعب المسيحي، الاستمرار في
السياسة التعليمية المتبعة حاليا مع مضاعفة الجهد في ذلك، خاصة وأن بعض المساجد
شرعت تقوم بمهام تعليمية كالتي نقوم بها في كنائسنا، الأمر الذي سيجعل مضاعفة
الجهد المبذول حاليا أمرا حتميا حتى تستمر النسبة التي يمكن الظفر بها من مقاعد
الجامعة وخاصة الكليات العملية. ثم قال: إني إذ أهنئ شعب الكنيسة، خاصة المدرسين
منهم، على هذا الجهد وهذه النتائج، إذ وصلت نسبتنا في بعض الوظائف الهامة والخطيرة
كالطب والصيدلة والهندسة وغيرها أكثر من 60% (!)، إني إذ أهنئهم أدعو لهم يسوع
المسيح الرب المخلص أن يمنحهم بركاته وتوفيقه حتى يواصلوا الجهد لزيادة هذه النسبة
في المستقبل القريب.
رابعاً_ التبشير: قال البابا
شنودة: كذلك فإنه يجب مضاعفة الجهود التبشيرية الحالية، إذ أن الخطة التبشيرية
التي وُضِعَتْ بُنِيَتْ على أساس هدفٍ اتُّفق عليه للمرحلة القادمة، وهو زحزحة
أكبر عدد من المسلمين عن دينهم والتمسك به، على ألا يكون من الضروري اعتناقهم
المسيحية، فإن الهدف هو زعزعة الدين في نفوسهم، وتشكيك الجموع الغفيرة منهم في
كتابهم وصدق محمد، ومن ثم يجب عمل كل الطرق واستغلال كل الإمكانيات الكنسية
للتشكيك في القرآن وإثبات بطلانه وتكذيب محمد. وإذا أفلحنا في تنفيذ هذا المخطط
التبشيري في المرحلة المقبلة، فإننا نكون قد نجحنا في إزاحة هذه الفئات من طريقنا،
وإن لم تكن هذه الفئات مستقبلاً معنا فلن تكون علينا. غير أنه ينبغي أن يراعى في
تنفيذ هذا المخطط التبشيري أن يتم بطريقة هادئة لبقة وذكية حتى لا يكون سبباً في
إثارة حفيظة المسلمين أو يقظتهم.
وإن الخطأ الذي وقع منا في
المحاولات التبشيرية الأخيرة التي نجح مبشرونا فيها في هداية عدد من المسلمين إلى
الإيمان و الخلاص على يد الرب يسوع المخلص (!) هو تسرب أنباء هذا النجاح إلى
المسلمين، لأن ذلك من شأنه تنبيه المسلمين وإيقاظهم من غفلتهم، وهذا أمر ثابت في
تاريخهم الطويل معنا، وليس هو بالأمر الهين. ومن شأن هذه اليقظة أن تفسد علينا
مخططاتنا المدروسة وتؤخر ثمارها وتضيع جهودنا. ولذا فقد أصدرت التعليمات الخاصة
بهذا الأمر، وسننشرها في كل الكنائس لكي يتصرف جميع شعبنا مع المسلمين بطريقة ودية
تمتص غضبهم وتقنعهم بكذب هذه الأنباء. كما سبق التنبيه على رعاة الكنائس والآباء
والقساوسة بمشاركة المسلمين احتفالاتهم الدينية، وتهنئتهم بأعيادهم، وإظهار المودة
والمحبة لهم. وعلى شعب الكنيسة في المصالح و الوزارات والمؤسسات إظهار هذه الروح
لمن يخالطونهم من المسلمين. ثم قال بالحرف الواحد: إننا يجب أن ننتهز ما هم فيه من
نكسة ومحنة لأن ذلك في صالحنا، ولن نستطيع إحراز أية مكاسب أو أي تقدم نحو هدفنا
إذا انتهت المشكلة مع إسرائيل سواء بالسلم أو بالحرب. ثم هاجم من أسماهم بضعاف
القلوب الذين يقدمون مصالحهم الخاصة على مجد شعب الرب والكنيسة، وعلى تحقيق الهدف
الذي يعمل له الشعب منذ عهد بعيد، وقال إنه لم يلتفت إلى هلعهم، وأصر أنه سيتقدم
للحكومة رسميا بالمطالب الواردة بعد، حيث إنه إذا لم يكسب شعبُ الكنيسة في هذه
المرحلة مكاسبَ على المستوى الرسمي فربما لا يستطيع إحراز أي تقدم بعد ذلك.
ثم قال بالحرف الواحد: وليعلم
الجميع، خاصة ضعاف القلوب، أن القوى الكبرى في العالم تقف وراءنا ولسنا نعمل
وحدنا، ولا بد من أن نحقق الهدف، لكن العامل الأول والخطير في الوصول إلى ما نريد
هو وحدة شعب الكنيسة وتماسكه وترابطه. ولكن إذا تبددت هذه الوحدة وذلك التماسك فلن
تكون هناك قوة على وجه الأرض مهما عظم شأنها تستطيع مساعدتنا. ثم قال: ولن أنسى موقف
هؤلاء الذين يريدون تفتيت وحدة شعب الكنيسة، وعليهم أن يبادروا فوراً بالتوبة وطلب
الغفران والصفح، وألا يعودوا لمخالفتنا ومناقشة تشريعاتنا وأوامرنا، والرب يغفر
لهم (وهو يشير بذلك إلى خلاف وقع بين بعض المسئولين منهم، إذ كان البعض يرى التريث
وتأجيل تقديم المطالب المزعومة إلى الحكومة). ثم عدد البابا شنودة المطالب التي
صرح بها بأنه سوف يقدمها رسميا إلى الحكومة:
1- أن يصبح مركز البابا
الرسمي في البروتوكول السياسي بعد رئيس الجمهورية وقبل رئيس الوزراء.
2- أن تخصص لهم 8 وزارات
(أى يكون وزراؤها نصارى).
3- أن تخصص لهم ربع
القيادات العليا في الجيش والبوليس.
4- أن تخصص لهم ربع المراكز
القيادية المدنية، كرؤساء مجالس المؤسسات والشركات والمحافظين ووكلاء الوزارات
والمديرين العامين ورؤساء مجالس المدن.
5- أن يستشار البابا عند شغل
هذه النسبة في الوزارات والمراكز العسكرية والمدنية، ويكون له حق ترشيح بعض
العناصر والتعديل فيها.
6- أن يسمح لهم بإنشاء جامعة
خاصة بهم، وقد وضعت الكنيسة بالفعل تخطيط هذه الجامعة، و هي تضم المعاهد اللاهوتية
والكليات العملية و النظرية، وتمول من مالهم الخاص.
7- يسمح لهم بإقامة إذاعة
من مالهم الخاص.
ثم ختم حديثه بأن بشّر
الحاضرين، وطلب إليهم نقل هذه البشرى لشعب الكنيسة، بأن أملهم الأكبر في عودة
البلاد والأراضي إلى أصحابها من "الغزاة المسلمين" قد بات وشيكاً، وليس
في ذلك أدنى غرابة في زعمه. وضرب لهم مثلاً بأسبانيا النصرانية التي ظلت بأيدي
"المستعمرين المسلمين" قرابة ثمانية قرون (800 سنة)، ثم استردها أصحابها
النصارى. ثم قال: وفي التاريخ المعاصر عادت أكثر من بلد إلى أهلها بعد أن طُرِدوا
منها منذ قرون طويلة جدا (واضح أن شنودة يقصد إسرائيل). وفي ختام الاجتماع أنهى
حديثه ببعض الأدعية الدينية للمسيح الرب الذي يحميهم و يبارك خطواتهم".
بين يَدَىْ هذا التقرير المثير
لا بد من كلمة: إن الوحدة الوطنية الرائعة بين مسلمى مصر وأقباطها يجب أن تبقى وأن
تصان، وهى مفخرة تاريخية، ودليل جيد على ما تسديه السماحة من بر وقسط. ونحن ندرك
أن الصليبية تغصّ بهذا المظهر الطيب وتريد القضاء عليه، وليس بمستغرب أن تفلح فى
إفساد بعض النفوس وفى دفعها إلى تعكير الصفو. وعلينا، والحالة هذه، أن نرأب كل
صدع، ونطفئ كل فتنة، لكن ليس على حساب الإسلام والمسلمين، وليس كذلك على حساب
الجمهور الطيب من المواطنين الأقباط. وقد كنت أريد أن أتجاهل ما يصنع الأخ العزيز
"شنودة" الرئيس الدينى لإخواننا الأقباط، غير أنى وجدت عدداً من
توجيهاته قد أخذ طريقه إلى الحياة العملية.
الحقائق تتكلم: فقد قاطع
الأقباط مكاتب تنظيم الأسرة تقريباً، ونفذوا بحزمٍ خطة تكثير عددهم فى الوقت الذى
تنفَّذ فيه بقوةٍ وحماسةٍ سياسةُ تقليل المسلمين. وأعتقد أن الأقباط الآن يناهزون
ثلاثة ملايين، أى أنهم زادوا فى الفترة الأخيرة بنسبة ما بين 40 %، 50 %! ثم إن
الأديرة تحولت إلى مراكز تخطيط وتدريب، خصوصاً أديرة وادى النطرون التى يذهب إليها
بابا الأقباط ولفيف من أعوانه المقربين، والتى يستقدم إليها الشباب القبطى من
أقاصى البلاد لقضاء فترات معينة وتلقِّى توجيهات مريبة. وفى سبيل إضفاء الطابع
النصرانى على التراب المصرى استغل الأخ العزيز "شنودة" ورطة البلاد فى
نزاعها مع اليهود والاستعمار العالمى لبناء كنائس كثيرة لا يحتاج العابدون إليها لوجود
ما يغنى عنها، فماذا حدث ؟
لقد صدر خلال أغسطس وسبتمبر
وأكتوبر سنة 1973 خمسون مرسوما جمهوريا بإنشاء 50 كنيسة يعلم الله أن أغلبها
بُنِىَ للمباهاة وإظهار السطوة وإثبات الهيمنة فى مصر. وقد تكون الدولة محرجة
عندما أذنت بهذا العدد الذى لم يسبق له مثيل فى تاريخ مصر. لكننا نعرّف المسئولين
أن الأخ العزيز "شنودة"! لن يرضى لأنه فى خطابه كشف عن نيته، وهى نية
تسىء إلى الأقباط والمسلمين جميعاً. وقد نفى رئيس لجنة "تقصى الحقائق"
أن يكون هذا الخطاب صادراً عن رئيس الأقباط. ولما كان رئيس اللجنة ذا ميول
"شيوعية"، وتهجمه على الشرع الإسلامى معروف، فإن هذا النفى لا وزن له.
ثم إنه ليس المتحدث الرسمى باسم الكنيسة المصرية. ومبلغ علمى أن الخطاب مسجل بصوت
البابا نفسه ومحفوظ، ويوجد الآن من يحاول تنفيذه كله.
نحن نريد الحفاظ على وحدة مصر
الوطنية، ونحن نناشد الأقباط العقلاء أن يتريثوا وأن يأخذوا على أيدى سفهائهم وأن
يُبْقُوا بلادنا عامرة بالتسامح والوئام كما كان دَيْدَنها من قرون طوال. وإذا
كانت قاعدة "لنا ما لكم، وعلينا ما عليكم" لا تقنع، فكثِّروا بعض ما
لكم، وقلِّلوا بعض ما عليكم شيئاً ما، شيئاً معقولاً، شيئاً يسهل التجاوز عنه والتماس
المعاذير له! أما أن يحلم البعض بإزالتنا من بلدنا، ويضع لذلك خطة طويلة المدى،
فذلك ما لا يطاق، وما نرجو عقلاء الأقباط أن يَكْفُونا مؤنته، ونحن على أتم
استعداد لأن ننسى وننسى".
هذا ما جاء فى كتاب الشيخ
الغزالى. وقد يقول بعض إن هذا كلام لا أساس له من الصحة، وهو من الناحية النظرية
البحتة يمكن أن يكون كذلك، لكن تَعَالَوْا ننظر إليه من الناحية الواقعية: ترى
أيمكن أن يُقْدِم عالم جليل كالغزالى على تضمين كتابه مثل هذا التقرير لو كان يعلم
بل لو كان يشتبه أنه تقرير مزور؟ إن الشيخ الغزالى لم يكن بالرجل المتسرع ولا
بالرجل الذى لا يحسب للأمر حسابه؟ ولقد نشر الرجل ذلك الكلام فى كتاب يقرؤه الألوف
المؤلفة فى كل مكان من العالم، وكانت كتب الرجل وما زالت توزع على أوسع نطاق،
ويقبل عليها الصديق والعدو على السواء، فلماذا لم يتصدّ لما قاله أحد يفنّد ما
كتبه؟ بل سوف نذهب أبعد من هذا ونقول: لماذا لم يرفع عليه أحد ممن يتضررون من هذا
الكلام دعوى قضائية ترجع الأمر إلى نصابه؟ ولسوف نذهب خطوة أخرى أبعد من هذا
ونقول: لماذا لم تحقق معه الدولة فى هذا الكلام الذى نسبه إلى أحد أجهزتها الحساسة
لو كان ما نسبه لذلك الجهاز إفكا وزورا؟
ثم إن هذا الذى تحدث عنه الشيخ
الغزالى يُكْتَب الآن فى الصحف والمجلات لا خارج الوطن فقط بل داخله أيضا. وهذا
مقال يجرى فى ذات الاتجاه، وهو يقطر وقاحة وقلة أدب فى حقنا نحن المصريين المسلمين
ويستفز الأغلبية صاحبة البلاد دون أى معنى أو حق، لأنه يتهمهم بأشياء ليس لها وجود،
إذ الحديث عن احتلال عربى لا بد فى نظر كاتب المقال أن ينتفض المصريون ويعملوا على
التخلص منه رغم مرور أربعة عشر قرنا عليه، لأن الجريمة لا تسقط بالتقادم كما هى
خلاصة كلامه، فالأوان إذن مناسب تماما لذلك. والكاتب نكرة فى عالم الكتابة، ولا
يهم القارئ اسمه فى قليل أو كثير، وهذا هو نص المقال على ما به من ركاكة وتفاهة
وأخطاء لغوية وأسلوبية لا يقع فيها تلميذ ذكى صغير، فضلا عن التفكك العقلى
والمنطقى، وعنوانه: "مقاومة المحتل بأثر رجعي_ رسالة الى قبطي"، وقدنُشِر منذ
وقت غير قصير فى جريدة "شباب مصر" المشباكية:
"هل يسقط حق مقاومة
الإحتلال بمرور الزمن؟ كم من الزمن ينبغى أن ينقضى قبل أن يتوجب على مقاومى الإحتلال فى
العراق وفلسطين بأن يتوقفوا عن مقاومتهم؟ اذا بقت أمريكا بالعراق لعدة قرون من
الآن، هل تصبح العراق أرضاً أمريكية بوضع اليد وبالتقادم؟ اذا استسلم العراقيون عن ضعف وقلة حيلة، وفرض
الأمريكان عليهم مبادئ وقيم جديدة راقت للبعض ولم ترق للبعض الآخر، هل من حق
من راقت لهم تلك القيم فرضها بالقوة وبالحيلة وبالضغط على الآخرين؟ ألا تعتبر تلك
حماقة وخيانة للوطن وأبناءه؟ اذا مرت القرون واستسلمت الأغلبية
للأمر الواقع، هل من حق أحفاد الأحفاد الانتقام من العدو ومقاومة احتلاله
والثورة على مبادئه التى صارت بالية عتيقة مهترئة؟ اذا كنت قبطى مصري، فأنت احد أحفاد
القلة من المصريين التى استسلمت للاحتلال العربى لمصر عام 640 ميلادية لقلة
الحيلة و للهروب من حكم الأجانب الطغاة. نعم حررتنا القوات الاسلامية ولكنها قبعت
على قلوبنا قروناً وغيرت ديننا ولغتنا وثقافتنا وعاداتنا بالقوة أو بغيرها لا فرق.
أخى المواطن القبطي، احترم ما فعله أجدادك فبالرغم من
استسلامهم فانهم لم يتخلوا عن هويتهم ودينهم وثقافتهم وأورثوها لك. أخى المواطن لم يسقط حقك
فى المقاومة بالتقادم. بامكانك فى ظل الديموقراطية ان تنل حقوقك كاملة. لا داعى
لأن تكون المقاومة عنيفة كما يفعل الاخوة بالعراق وفلسطين. فمهما كان فإن هؤلاء
الذين اختاروا الاسلام لهم ديناً هم ايضاً ابناء ذلك الوطن. قاوم بالكلمة و طالب بحقك بتعديل
الدستور المستلهم من الشريعة الاسلامية وحسب. قاوم بالكلمة، تكلم الآن، فالوقت
مناسب لكل ذي حق المطالبة به. طالب بألا تكون الديانة الاسلامية هى الدين الرسمى
الوحيد للبلاد. ثُر ضد الأعراف والتقاليد فكل شئ قابل للتجديد. والمقدس مقدس فقط لمن
يقدسونه وليس لهم الحق فى فرضه على الآخرين بل لهم على الآخرين الحق باحترام
مقدساتهم وحسب. طالب بحقوقك واعلم ان الكثير من أبناء الوطن سينصت لك. المسلمون
الطيبون المعتدلون اللاطالبانيون واللازرقاويون سوف سيساعدونك. لا تنصت لهؤلاء
الذين
يقولون
أن الوقت غير مناسب والذين سيتهموك معى بالحرب ضد الاسلام لصالح امريكا واسرائيل.
لا تدعهم يرهبونك باطلاق المسميات الساذجة مثل المتأمرك والمتصهين والخائن والعميل
والشاذ عقليا وغيرها. انهم يريدون ارهابنا بالكلام كما أرهبَنا أجدادهم قرونا بالسوط والسيف
والحجارة والمتفجرات، ولكننا لا نبالى. معاً سنصمد. معاً سنقاوم المحتلين العرب.
فلم يفت الآوان بل هو الآن".
أما الركاكة اللغوية والأخطاء
التعبيرية فهى سيدة الموقف بحيث لا داعى أن أضرب عليها الأمثلة، لأن المقال كله
أمثلة على هذه الأخطاء والركاكات، وأما التفكك العقلى والمنطقى ففى مثل قوله:
"طالِبْ بألا تكون الديانة الاسلامية هى الدين الرسمى الوحيد للبلاد. ثُر ضد الأعراف والتقاليد فكل شئ
قابل للتجديد. والمقدس مقدس فقط لمن يقدسونه وليس لهم الحق فى فرضه على الآخرين بل
لهم على الآخرين الحق باحترام مقدساتهم وحسب"، إذ من قال إن المسلمين
المصريين أو غير المصريين يريدون أن يفرضوا دينهم أو شريعتهم على شركائهم فى
الوطن؟ هل قال مسلم يوما للنصارى: اتركوا كنائسكم وتَعَالَوْا صَلُّوا معنا فى
المسجد؟ هل قال لهم: لا تقولوا: باسم الآب والابن والروح القدس، وقولوا بدلا منها:
باسم الله الرحمن الرحيم، أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ هل قال لهم:
اتركوا صيامكم عن اللحم والبيض والسمن وتَعَالَوْا صوموا معنا رمضان؟ أمَا والله
إن هذا لهو الاستبلاه بعينه! ترى من الذى يعتدى هنا على عقائد الآخر ومقدساته؟ إن
المسلمين لم يفرضوا قط دينهم بالحديد والنار على أحد كما صنع النصارى فى معظم
أرجاء العالم مع مخالفيهم فى المعتقد، وفى المذهب أيضا! إذن ما الذى يدعو كاتبُ
المقال نصارى مصر إلى الثورة عليه؟ إنه يمدحهم بأنهم لم يعتنقوا دين العرب وحافظوا
على عقائد آبائهم. أى أن "الاحتلال العربى" لم يمسهم بشىء من السوء، فما
المشكلة إذن؟
لكن الكاتب لا يقصد إلى
هذا، بل إلى العمل على إرجاع المسلمين عن دينهم إلى النصرانية، وكأن النصرانية هى
جوهر الشخصية المصرية، مع أن المصريين قد غيروا دينهم مرات على مدار التاريخ، ومن
السهل على أى شخص يريد الرد على هذا الكلام أن يقول: ولماذا النصرانية بالذات؟
ولماذا لا يكون الإسلام هو جوهر هذه الشخصية؟ وقد يقول قائل آخر: بل لماذا لا تكون
عبادة العجل هى ذلك الجوهر؟ وقد يقول ثالث: ولماذا لا نتدين على مذهب إخناتون
الوثنى ونعبد الشمس، إخناتون الذى قال فى شذوذه أحد الأساتذة
فى
"شباب مصر" ما قال مما لا داعى لذكره هنا؟ وقد يقول رابع: ولماذا لا
يكون ثالوث إيزيس وأوزوريس وست هو عقيدتنا؟... ولن ننتهى. العبرة، أيها القراء،
باحترام اختيار كل إنسان وكل شعب وكل طائفة لما تريد أن تتدين به وعدم دَسّ أىّ
واحدٍ أنفه فيما لا يعنيه بغية إثارة الفتن والمشاكل. المسلم حر فيما اختار،
والنصرانى حر بنفس الطريقة فيما اختار، واليهودى هو أيضا حر فيما اختار، والأغلبية
الساحقة الآن بل منذ قرون تدين بالإسلام. وبذلك تنتهى المشكلة، أما الكلام عن أن
الإسلام والمسلمين أجانب عن مصر فهو كلامٌ أحمقُ بل كلامٌ مجرمٌ لا يراد به إلا
إلحاق الأذى بأرض الكنانة. فكفانا كذبا وتزييفا وإشعالا للمشاكل!
ومن التفكك العقلى أيضا القول
بأنك "اذا كنت قبطى مصري، فأنت احد أحفاد القلة من المصريين التى استسلمت
للاحتلال
العربى لمصر عام 640 ميلادية لقلة الحيلة وللهروب من حكم الأجانب الطغاة.
نعم
حررتنا القوات الاسلامية و لكنها قبعت على قلوبنا قروناً و غيرت ديننا ولغتنا
وثقافتنا
وعاداتنا بالقوة أو بغيرها لا فرق. أخى المواطن القبطي، احترم ما
فعله
أجدادك فبالرغم من استسلامهم فانهم لم يتخلوا عن هويتهم ودينهم وثقافتهم وأورثوها
لك. أخى المواطن لم يسقط حقك فى المقاومة بالتقادم. بامكانك فى ظل
الديموقراطية ان تنل حقوقك كاملة". أى خبل عقلى واضطراب نفسى هذا؟ إن صاحب
هذا الكلام المختل يقول إن النصارى المصريين لم يستسلموا وحافظوا على ديانتهم
وهويتهم وثقافتهم، فعلام يريدهم أن يثوروا إذن إذا كانوا قد احتفظوا بكل ما يريدون
لأنفسهم من هوية وثقافة ودين؟ صحيح أنه قبل ذلك بقليل قال كلاما مختلفا، إذ صاح
بأن القوات الإسلامية قد غيرت عاداتنا وثقافتنا وديننا، لكنه يقصد هنا المسلمين،
فهل وكّله المسلمون ليتكلم باسمهم؟ وهل هذه هى الديمقراطية التى يتصايح بها تصايح
من لا يعرف عمّ يتكلم؟ هل الديمقراطية هى أن يتحكم كل سمجٍ رَذْلٍ سفيهٍ فى
الآخرين ويوجه حياتهم بالقوة ويعمل على تغيير دينهم وهويتهم وثقافتهم كرها وجبرا
لأن ما هم عليه من دين وهوية وثقافة لا يعجبه ولا يرضيه؟ إن الذين اختاروا الإسلام
من وثنيى مصر ونصاراها ويهودها حين دخل هذا الدينُ الكريمُ أرضَ الكنانة
إنما اختاروه بملء حريتهم وحبهم واقتناعهم، والتاريخ أصدق شاهد على ما نقول، إذ لم
ينقل لنا شيئا خلاف ذلك، فضلا عن أنه ليس من سياسة العرب والمسلمين إكراه أحد على
دينهم بعكس النصرانية، التى عرفت محاكم التفتيش والإبادة والحرق وغير ذلك من
أساليب الجبر والعسف.
وحتى لو افترضنا المستحيل
وقلنا إنهم قد أُجْبِروا إجبارا على الإسلام، فهل وكّلوا أحدا من متصايحة هذا
الأيام أن يتكلم باسمهم بعد كل هاتيك القرون؟ إننا، يا من نحن أبناؤهم، راضون بل
مبتهجون أشد الرضا والابتهاج بأننا مسلمون وأن أسلافنا قد اعتنقوا هذا الدين
العظيم الكريم النبيل، فليسكت الآخرون بل ليخرسوا وليضع كل منهم لسانه فى فمه، أو
بالأحرى تحت حذائه، وينقّطنا بسُكَاته. أم ترانا ما نزال قاصرين لا نملك قرارنا
ولا يحق لنا اختيار الدين الذى يريحنا ويقنعنا، فهم يريدون أن يقوموا عنا بهذا
العمل؟ والله الذى لا إله إلا هو ما رأيت رقاعة ولا سفاهة ولا سفالة بهذا الشكل!
ولاحظ قوله إنه لا فرق عنده بين أن تكون "القوات الإسلامية" قد غيرت دين
المصريين وهويتهم وثقافتهم بالقوة أو بالرضا! ذلك أن الديمقراطية التى ينادى بها
هى ديمقراطية الاستبداد والتحكم والإكراه، وتكميم أفواه الأغلبية حتى يعيش كل واحد
من أبناء الأقلية "مَرِحَ الأعطافِ، حُلْوَ اللفتات" على رأى
المهندس على محمود طه فى رائعته: "الجندول"! يعنى: "عنزة ولو
طارت"! ويعنى أيضا: "يا هذا، أنت عكَّرْتَ علىّ الماء، فأنا آكلك آكلك
مهما حصل"! والله لقد هُزِلَتْ حتى سامها كل مُفْلِس!
أرأيت أيها القارئ مدى
الاستفزاز والإثارة والحرص على الفتنة والعمل على إشعال النار كى تحرق الأخضر
واليابس؟ أرأيت مدى العدوان الآثم على حق الأغلبية الساحقة من أهل البلد؟ طيب:
واحد شائل ذقنه، والآخر غضبان لِمَهْ؟ نحن المسلمين راضون بدين التوحيد ونحب سيد
النبيين والمرسلين، فما شأن من لا يؤمن بالتوحيد ولا يوقّر سيد النبيين والمرسلين
فى هذا الأمر؟ أوعلينا أن نكفر بالله وبرسوله وندخل فى دين التثليث كى يرضى عنا
الآخرون؟ فليسمعها كل أحد بملء الفم وبأعلى الصوت: لا رَضِىَ هؤلاء الآخرون ولا
سُرّوا ولا رَأَوُا الفرحة يوما إن كان هذا ثمن تلك الفرحة! والله إن هذا لهو
السُّعار بعينه! لقد عرفنا أطفالا أرذالا مدلَّلين تدليلا مارقا لا يهنأ لهم بال
إلا إذا آذَوْا سواهم من الأطفال، واجدين اللذة كل اللذة فى إبكائهم والتنكيد
عليهم دون وجه حق، لكنى لم أسمع يوما بأقلية فى بلد من البلاد تريد أن تتحكم فى
الأغلبية الساحقة الماحقة وتنزلها منازل الخسف والهوان وتمحو شخصيتها ودينها
وشريعتها، وإلا بكت واشتكت وتشنجت ومرغت نفسها فى التراب ورفست بقدميها فى الهواء!
ولسوف يأتيك أيها القارئ ما يبعث به بعضهم لنا على المشباك من شتائم فى حق ربنا
ونبينا وأعراض أمهاتنا. والمضحك أنهم مع ذلك يظلون يلوكون لنا الأسطوانة الكاذبة
السخيفة التى تزعم أنهم أهل السماحة والعفو والتواضع والمحبة! أية محبة وسماحة
بالله عليكم أيها القراء فى أن يسب أولاد الأفاعى أعراضنا ويجدفوا فى حق ربهم
وربنا؟
ثم إننا لنتساءل: أى احتلال يا
ترى ذلك الذى يتحدث عنه صاحبنا؟ بل أين العرب هنا؟ الواقع أنه لا يوجد غيرنا نحن
المصريين المسلمين، أما العرب فلم يكونوا يمثلون من السكان إلا نقطا قليلة فى بحرٍ
هدارٍ، وسرعان ما ذابوا وانتهى أمرهم، ولم يعد هناك إلا المصريون. ترى هل كان
الطولونيون عربا؟ أم هل كان الإخشيديون عربا؟ أم هل كان الأيوبيون عربا؟ أم هل كان
المماليك عربا؟ أم هل كان العثمانيون عربا؟ أم هل كان محمد على وأسرته عربا؟ أم هل
كان محمد نجيب وعبد الناصر والسادات وحسنى مبارك عربا؟ وإذا كان المسلمون المصريون
قد اختلطت دماؤهم فى بعض الحالات مع الدماء العربية فقد حدث شىء مشابه بالنسبة
لنصارى مصر، إذا اختلطت دماؤهم مع دماء اليونان والرومان والصليبيين والأرمن
والفرنسيين والإنجليز وغيرهم. فلم لا يقول صاحبنا وأمثاله لأنفسهم ما يكذبون به
على المسلمين؟ ألا إن هذا لهو السخف بعينه وقلة الحياء! وكما أن العرب هم الذين
أَتَوْنا بالتوحيد والإيمان اللذين نفخر بهما ولا تستقيم حياتنا ولا يكون ثمة معنى
لوجودنا إلا من خلالهما، فإن الذين أَتَوْا بالتثليث إلى مصر هم بنو إسرائيل الذين
دخلوا قبل ذلك دين المثلِّثين. يعنى: الحال من بعضه، بَيْدَ أن ثمة قلوبا قد
أغلقها الله إغلاقا، فأصحابها لا يفهمون ولا يفقهون ولا يبصرون ولا يسمعون ولا
يشمّون!
وفى موضع "الأقباط"
نقرأ للمدعوّ نبيل شرف الدين نفس الكلام، إذ كتب مقالا بعنوان "عن ذهنية
الشعارات، وتبني رؤية الغزاة، وخرافات أخرى" ينادى فيه بفتح ملفات الماضى
والنبش فى قضية دخول العرب مصر. ومنطقه أن مثل هذه الأمور لا تسقط بالتقادم. كما
يزعم أيضا أن الأقباط هم أصحاب البلد وأن المسلمين قد أُدْخِلوا فى الإسلام قسرا
وغصبا. وتوفيرًا للوقت الذى يمكن إهداره فى الأخذ والرد سأفترض أن كل ما يقوله من أن
المسلمين المصريين لم يختاروا الإسلام بحريتهم وإرادتهم هو قول صحيح مائة فى
المائة، فما دخله هو فى ذلك؟ لقد مات المصريون الذين أُجْبِروا، طبقا لمزاعمه، على
ذلك من قديم الزمان، وغاية علمى أنهم لم يوصوه بأن يبكى أو يتباكى عليهم، ولا نحن
قد طلبنا منه أن يدس أنفه فى موضوع يخصنا ويخص أولئك الآباء، ولا قال له أحد منا
إنه يريد أن يعود للنصرانية بعد إذ استنقذه الله منها. أما من يُرِدْ من الخونة
الأوساخ أن يتنصّر فالباب مفتوح يفوّت جملا وفيلا ودبا وديناصورا معا، وله علينا
أن نكسر وراءه من القلل أو نرمى من البراطيش القديمة ما يرضيه. وهذه هى خلاصة
المسألة، أما خلاف ذلك فتنطع وتدخل من الشخص فيما لا يعنيه وسخف وحماقة ما بعدها
حماقة. ثم ما حكاية أن النصارى هم المصريون الحقيقيون؟ هل هناك ماركة مسجلة للمصرى
لا يكون مصريا بدونها؟ وما تلك الماركة المسجلة يا ترى؟ أهى الصليب؟ ولماذا لا
تكون مفتاح عنخ؟ أو لماذا لا يكون الهلال بالأحرى هو تلك العلامة المسجلة نزولا
على مقتضى الديمقراطية التى يصدعون بها رأسنا إلا إذا كانت فى صالح الإسلام كما هو
الحال الآن؟ ألا يرى القارئ كمّ الاستبلاه فى هذا الكلام؟ إنه وأمثاله يريدون أن
يقف التاريخ المصرى عند نقطة بعينها منه لا يتقدم عنها أو يتأخر، هى النقطة التى
اعتنق فيها قسم من أبناء مصر دين النصرانية المثلِّثة! وهو ما يذكرنا بالشاعر
العباسى الذى يقول:
وَقَفَ الهوى بى حيث أنت فليس
لى ** متقدَّمٌ عنه ولا متأخَّرُ
لكن ذلك فى الهوى والغرام لا فى
الشخصية الوطنية! كما أن الشاعر هو الذى اختار ذلك بنفسه لنفسه ولم يجبره على ذلك
مستبد غشوم. ثم ما
تلك القطاعات العريضة من المصريين التى يأخذها الحنين الجارف للعودة إلى الجذور يا ترى؟ أين هم؟ وما نوع ذلك
الحنين؟ وأية جذور تلك التى بات الحنين الجارف يجذبهم إليها؟ الواقع أن ليس إلا
الصليب والتثليث، فهل هذه هى الجذور؟ وهل ذلك هو الحنين؟ إن هذا لهو الكذب بعينه.
ومتى كان الخونة الأوساخ ممن يتظاهرون بالعطف على الأقباط وهم ليسوا منهم يكابدون
الشوق والحنين أو يعرفون لهما معنى أو طعما؟ إن من يُرِدْ من الخونة الأوساخ أن يتنصّر
ويبوء بغضب الله واشمئزاز كل ذى عقل متنور فالباب مفتوح يفوّت جملا، وفيلا ودبا
وديناصورا أيضا، وله علينا أن نكسر وراءه من القلل، ونرمى كذلك من البراطيش
القديمة، ما يرضيه كما سبق بيانه! وما دام الأمر كما يقول صاحبنا فإن من حق
المسلمين أن يطمحوا ويعملوا على عودة شبه الجزيرة الأيبيرية إلى دين التوحيد بعدما
أُكْرِهت إكراها على تركه والالتحاق بعبادة الصليب. إننى لا أقصد عودة العرب
إليها، لا بل عودتها هى إلى دين محمد الذى عُذِّب أهل البلاد أنفسهم تعذيبا رهيبا
كى يتركوه، ولم يَذَرْ مجرمو محاكم التفتيش من القساوسة والرهبان وسيلة شيطانية
إلا استعملوها لفتنتهم عن دينهم حتى تم لهم ما أرادوا عن طريق البطش والقتل والحرق
والتغريق وسحق العظام وثقب الأجساد بمسامير التوابيت الداخلية التى تُطْبِق على
الجسم مع انطباق التابوت فتمزقه تمزيقا أى تمزيق، وما من مغيث، ثم يتكلمون عن
الرحمة والتسامح والرغبة فى العودة إلى الجذور!
ولقد ذكرتُ الثليث هنا كى يعرف
من يريدون إشعال الفتن أنهم أول من سيندمون إذا ما استمروا فى عملية الاستفزاز
والتزييف، وإلا فكيف يريدون تجاهل الحقيقة الساطعة التى تقول إن النصرانية كانت فى
مبتدإ أمرها ديانة توحيدية لا ترى فى عيسى بن مريم أكثر من أنه عبد الله ورسوله
قبل أن تتحول إلى ديانة تثليثية؟ فعليهم فى هذه الحالة أن يخلوا الطريق لهؤلاء
الموحدين الذين قمعهم المثلِّثون وطاردوهم وعذبوهم وظنوا أن جرمهم ذاك سيسقط
بالتقادم إن كانوا يريدون أن يتنصر المصريون. كفانا تزييفا للماضى وكذبا على
الحاضر والمستقبل، ولننصرف لتعمير بلادنا وترقيتها وإنهاضها من عثرتها. خلاصة
القول إن لكل إنسان الحق فى أن يعتنق ما يشاء من دين: المسلم له الحق كل الحق أن
يتمسك بدينه وألا يصيخ السمع لهؤلاء الذين يعملون على فتنته عن التوحيد المحمدى
العظيم. والنصرانى له الحق كل الحق فى أن يتمسك بصليبه وتثليثه وألا يتعرض له أحد
بأذى، لكن عليه فى ذات الوقت أن يكف عن إثارة المشاكل والمزاعم الكاذبة عن إخوان
الوطن المسلمين. وبهذا نضع حدا لتلك القضايا البائسة التى تستنزف الجهد والوقت ويكْذِب
أصحابها ببجاحة ما بعدها بجاحة على التاريخ والحقيقة ولا ينتج عنها إلا المصائب،
ثم نعود فنبكى ونتباكى على شىء إنما جنيناه على أنفسنا بأيدينا!
وفى ذلك المقال نقرأ ما يلى:
"قبل أن نبدأ يلزم أن نؤكد على أمرين، الأول أننا هنا لا نرد على أحد، فلسنا في
موضع السجال، بل يكفي أن نقول
كلمتنا ونمضي، أما الأمر الثاني فهو أننا لا ننبش تاريخاً مات بل نسعى إلى فهم
تاريخ حي مازلنا نعيش تبعاته وتوابعه حتى اليوم. وإذا كانت جرائم مثل التعذيب والإبادة الجماعية
وجرائم الحرب لا تسقط بالتقادم، فما بالنا بجرائم من نوع احتلال وطن، وانتهاك
ثقافة وثروة شعب، وتغيير دينه ولغته وديموغرافية بلاده، فضلاً عن نهب خيراته بذرائع
لاهوتية تارة، ومبررات عنصرية تارة أخرى. ولأن
هذه الجرائم التاريخية من النوع الذي لم يتقادم فحسب، بل استقر في النفوس والأفئدة، وأفرز
"عرّابين" تمكنت من نفوسهم رؤية المنتصر إلى حد تبنيها والاستعداد
للدفاع عنها "بالروح والدم"، وهي حالة ذهنية معروفة وشائعة في مختلف
الثقافات تتمثل في تماهي المهزوم مع رؤية المنتصر وتمثُّل أدبياته والإذعان لمنطقه وتبرير خطاياه والاستماتة في
الترويج لمغالطاته. غير أن هذا المسلك لا يبدل طبيعة الأشياء، ولا يعني أن الدعايات
السياسية التي تطلقها مدافع المنتصرين، وترفعها رماحهم وسيوفهم، وتتغنى بها
إذاعاتهم، وتزينها صحفهم وكتبهم، تعني صيرورتها عنواناً للحقيقة، وإلا فلماذا يرفض
العروبيون (بعثيون وناصريون وما شابه) الآن الطروحات الأميركية بشأن العراق مثلاً؟
ولعل هذا السؤال يمثل مجرد عينة عشوائية من التناقضات التي تتسم بها الشخصية
العربية عموماً، بينما لا يتردد الأعراب في اتهام الغرب دوماً بأنه يكيل
بمكيالين، بينما يمارس العرب الأمر ذاته في مسائل مختلفة من دون التوقف مع أنفسهم في
ما يطرحونه من آراء وما يتبنونه من خرافات لا يصدقها غيرهم.
ولما كانت هوية الشعوب لا
تتأسس بإهالة التراب على الحقائق بمنطق "سَدّ الذرائع"، بل بنبش الجراح
وتنظيفها بعمق، فإنه يمكن لأي مدقق أمين ملامسة الحنين الجارف بين قطاعات عريضة من المصريين
للعودة إلى الجذور، بعد أن أعياهم التسكع ذات اليمين وذات اليسار، وبعد خبرات
مريرة مع العرب والعروبة، سواء السفيانية منها أو الأموية وحتى الناصرية والبعثية،
بينما هم (أي القبط) ينامون على كنز حقيقي لا يتطلب سوى يد خبيرة لاستخراجه، اسمه
"الهوية المصرية". ودورنا كنُخَبٍ طليعيةٍ في مجتمعاتنا أن نتقن فنون التعاطي مع
هذا النوع من الكنوز ببراعة العارفين بقدرها، وإصرار الذين اكتشفوا حجم الخديعة
التي ظلت تحاصرنا قروناً، وبعد أن ننبذ خرافة التمسك بذهنية الشعارات والمغالطات،
وتبني المقولات السائدة في أوساط الغوغاء، سواء كان هؤلاء الغوغاء على مقاعد
السلطة أو في الصفوف الأولى بحكم كونهم نخباً مثقفة متواطئة تاريخياً مع الأنظمة
الحاكمة لتمرير مشاريع القمع والفشل باسم الأوطان والأديان، أو كان هؤلاء الغوغاء من
الجماهير التي أدمنت هذا الصنف من المخدرات الدعائية التي ما فتئت الأنظمة
الثورية تضخها منذ عقود عبر كافة الأقنية الإعلامية لتسويغ وجودها والتغطية على
ممارساتها الاستبدادية. ويمكن القول
بثقة وضمير مرتاح أننا لن نجد من المصريين العاديين من يتشبث الآن بخرافة العروبة السياسية هذه سوى بعض الأبواق
المستفيدين من "إبقاء الحال على ما هي عليه" لأنهم صاروا، بدرجات متفاوتة، متورطين
بالارتباط العضوي مع الأنظمة الفاسدة الفاشية التي تتسول شرعيتها من مشاريع خرافية
مصطنعة مثل مشروع "القومية العربية" البائس الذي استقر في قاع الخليج (الفارسي) منذ
حرب الخليج الثانية، ليلفظ أنفاسه الأخيرة في حرب العراق الأخيرة. وقد نحتاج إلى عقدين
أو ثلاثة لنتخلص من بقية أوشابها، تماماً كما يحتاج المريض للتعافي إلى
"فترة نقاهة"، خاصة لو كان الداء عضالاً كما هو حال العَوْرَبة القسرية.
ويقتضي الخوض الصادم في هذه
المنطقة
المسكوت
عنها الاستناد إلى أكبر قدر ممكن من الأدلة والتوثيق بما لا تسمح به طبيعة المعالجات الصحافية، غير أننا
هنا سنسعى إلى مناقشة بعض الخرافات الشائعة التي لم تكتسب مصداقية إلا لذيوعها
وانتشارها، ولم تخضع يوماً للتدقيق الذي تستحقه، لما سيترتب على القبول بها من نتائج
خطيرة، كما هو الأمر في الحالة المصرية مثلاً. ومن
بين أبرز تلك الخرافات الشائعة على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
* أن
المصريين أذعنوا للعرب من دون قتال، بل ورحبوا بهم، معتبرين
أنهم"المخلصون" لهم من استبداد الرومان.
*أن المصريين اعتنقوا الإسلام
طوعاً، وفي وقت قياسي، ولم يكن ذلك تحت ضغوط سياسية أو اقتصادية أو غيرها.
*أن العرب لم يتعرضوا لمعتقدات
المصريين المسيحيين، ولم يعتدوا على ديارهم ولا كنائسهم، بل على العكس قاموا بحمايتهم.
*أننا بهذه الطروحات نقاتل من
أجل مومياء في المتحف، وأن الهوية العربية قدر لا فكاك منه، لأنه ليس أمامنا سواها من بدائل...".
ولا أظن القارئ قد فاته
الانتباه إلى الشتائم التى تدل على قلة الأدب من مثل وصف العروبيين (أى المسلمين
بطبيعة الحال) بأنهم غوغاء، وامتداح النصارى بأنهم يمثلون كنزا ثمينا يستطيع
أمثاله من العزفة الماهرين استخراج أفضل ما فيه. ترى أى كنز ثمين يمثله النصارى المصريون
فى نظر هذا العازف البائس؟ أهو التثليث وعبادة بشر يأكل ويشرب ويبول ويخرأ ويهان
ويُصْفَع على وجهه ويُشْتَم ويُضْرَب بالحربة فى جنبه وتُكْسَر ركبتاه ويستغيث على
الصليب وما من مغيث؟ أهو الاعتقاد العامى الخرافى فى ظهور القديسين على هيئة صور
ضوئية ملونة فى الهواء رسمتها أيدى الشياطين العابثين بعقول الحمقى الجاهلين؟ أهو
الاعتقاد فى الخطيئة والفداء كما كان يعتقد الوثنيون؟ أهو قائمة المواعظ التى لا
يمكن العمل بها أبدا من مثل: "إذا ضربك أحد على خدك الأيمن فأدر له خدك
الأيسر"، والدعوة إلى تطليق المال والأهل والدنيا جميعا؟ أهو كراهيةُ العقل
والإيمانُ الأعمى بخرافات أشد عمى وظلاما... إلى آخر هذا الكلام الذى لا يؤكّل
عيشا ولا سميطا ولا يأخذ به أحد لأن الأخذ به معناه ببساطة الخروج من التاريخ ومن
الحضارة جملة وتفصيلا، ومن أول جلسة، ودون نقض أو إبرام؟
ما كنا نحب أن نفتح هذه
الموضوعات لأنها تؤلم إخواننا فى الوطن، ولكن ما العمل وبعض الناس هذه الأيام لا
يكفون عن إثارة الفتن والمشاكل والتفنن فى خلق الرزايا والبلايا وشتم المسلمين
وإيذائهم فى دينهم ورسولهم ورموزهم وتاريخهم والتخطيط لاستئصالهم بالعزف على
البيانو والكمان والعود والطبلة بقيادة المايسترو نبيل شرف الدين؟ وانظروا تهليله
للعدوان الأمريكى الإجرامى الذى نرجو أن تكون قد اقتربت نهايته على أيدى الأبطال
المسلمين فى بلاد الرافدين ممرِّغةِ شرفِ الكاوبوى فى الوحل هو وجميع صبيانه
وزبانيته! وانظروا كذلك شماتته فى القومية العربية، تلك القومية التى كان
الاستعمار الغربى وراء شيوعها فى المنطقة بغية ضرب الإسلام، فلما تم لهم ما يريدون
منها انقلبوا عليها كما يفعلون مع كل خوان أثيم من الحكام الأوغاد، لأنها، رغم كل
شىء، يمكن أن تكون بابًا خلفيًّا يدخل منه الإسلام فيسيطر بجاذبيته العقلية والحضارية
التى لا تقاوَم على نفوس الشعوب العربية مرة أخرى! وكيف تكون النصرانية هى جوهر
الشخصية المصرية كما يحاول الكاتب أن يلقى فى رُوع القراء الذين يحسبهم حمقى لا
عقل لهم ولا فهم ولا ذوق، والنصرانية (النصرانية الحقيقية قبل تزييفها وتحريفها،
فما بالنا بعد أن "وقعت الفاس فى الراس" وتم التحريف والتزييف؟) إنما
أتت لبنى إسرائيل وحدهم، ولا علاقة للمصريين بها، بخلاف الدين المحمدى العالمى
الذى جاء للبشرية جمعاء؟ ولماذا نذهب بعيدا؟ تاهت والتقيناها! ألا يدعونا العازف
العبقرى إلى التفرعن والعودة إلى الجذور؟ عظيم، فكيف فاته أن الفراعنة رفضوا دين
بنى إسرائيل وطاردوهم وأخرجوهم من ديارهم؟ والنصرانية، كما نعرف، هى ديانة
إسرائيلية. ألم يكن المسيح عليه السلام واحدا من بنى إسرائيل؟ إذن فلا مكان لتلك
الديانة فى المنظومة الفرعونية التى يدعونا إلى الرجوع إليها والأخذ بها عازفنا الهمام،
بخلاف الإسلام الذى رحب به المصريون أيما ترحيب وظلوا متمسكين به قرونا وراء قرون!
ترى ماذا يقول عازف الطبلة ذو الأصابع الألماظية بالمهلبية، القادرة على استخراج
كوامن الدُّرَر (أقصد: العُرَر) الخفيّة، من أعماق الشخصية المصرية؟
وفى موقع تنصيرى آخر
عنوانه:
"Muhammadanism"
وتحت عنوان "يا عرب ويا مسلمين أنتم من استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم
أحرارا" يتحدث صفوت جلال الجبارى عن الظلم والإجحاف الذى وقع على شعب
"مصر الذى يمثل فيه الأقباط 15% من السكان، أى 10 إلى 15 مليون نسمة (أين أنت
يا دكتور محمد عباس حتى تشق هدومك هذه المرة من ذلك الكذب الأبله المفضوح فى مسألة
أعداد القبط فى مصر؟!)، والذين هم السكان الأصليين لشعب وادى النيل، وهم الامتداد
العرقى والتواصل الحضارى لسلالة شعب وادى النيل القديم وممن تبقى من المسيحيين
الأصليين فى مصر"! مرة أخرى: نفس النعيق الغربانى، ونفس الافتراء الأخرق على
حقائق التاريخ التى تفقأ عين كل مجرم كذاب، ونفس الدموع التماسيحية على المصريين
(الذين هم طبقا لمزاعمهم الكاذبة: الأقباط، ولا شىء سوى الأقباط)، وكأن المسلمين
المصريين قد جُلِبوا بالهيلوكبتر ليلا من بلاد العرب وأُسْقِطوا فى جنح الظلام
الدامس خلف الخطوط بعد أن لم يكن لهم وجودٌ قَطُّ فى المحروسة! وهل هذا كلام
يُعْقَل؟ ثم يمضى الكاتب مهيجا كل سكان المنطقة (لا المصريين فحسب) ضد الإسلام
داعيا إياهم إلى الثورة على العبودية الإسلامية التى أفسدت عليهم حياتهم وثقافاتهم
وأوطانهم واستلبت منه شخصيتهم حسبما يدَّعى. أى أن المسألة ليست تنصير المصريين
المسلمين وحدهم فقط بل القضاء التام على الإسلام وكل ما يمت للإسلام بصلة فى آسيا
وأفريقيا وفى كل مكان فى العالم!
وينفى قبطى آخر عن المسلم
المصرى صفة المصرية مستنكرا أن يفكر المصريون فى الانتماء إلى أرض الكنانة. بل
يدعى، وهو بطبيعة الحال نائم عريان، أنه ليس من حقهم الانتماء إلى مصر. ويمكن
الرجوع إلى ما كتبه فى "موسوعة تاريخ الأقباط" المشباكية تحت عنوان
"من هم الأقباط؟". أما حجته العبقرية مثله فهى "أنهم حسب قول محمد
صاحب الشريعة الأسلامية أنهم أى المسلمين "خيـــر أمـــة أخرجـــــــــــت
للناس" فأمة الأسلام التى ينتمون إليها فى رايهم خير من أمة مصر فلماذا
إذاً يريدون ان ينتموا إلى مصر اليوم؟؟؟؟". وعلامات التعجب الكثيرة من عنده
لا من عندى، فأنا لا أزال بحمد الله أعقل من هذا، وأرجو ألا يحرمنى الله هذه
النعمة أبدا حتى لا يقال لى: قم غطِّ نفسك! ثم يقولون عنا إننا ننفى الآخر ولا
نطيق أن نرى غير أنفسنا. فإذا كان بعضهم بالله عليكم يقول ذلك وهم قلة، فكيف
سيتصرفون إن قدر الله أن تكون لهم الأغلبية؟ عونك اللهم، فلن يكون فى انتظارنا إلا
محاكم التفتيش والحرق والسلخ والهرس، أو على الأقل: الصَّلْب والمسمرة! ومع هذا
كله فالمسلمون إرهابيون استئئصاليون متعصبون جاهلون ظلاميون! أما الرحمة والعطف
والرقة والتسامح والوداعة فهى من سمات الآخرين. طبعا، وهل فى ذلك أدنى شك؟ هل فينا
من يتسمى باسم "وديع"؟ طبعا لا، إذن فنحن لسنا "وُدَعاء".
ثم يستمر الرجل فى هلوساته
فيقول إن "الأقباط المسيحيين فى مصر يرجع جذورهم إلى قدماء المصريين، وهم
أقرب شعب يرث آباؤهم فراعنة مصر فى صفاتهم واعمالهم وحضارتهم.
ومما يذكر أن مرقس هو رسول الرب يسوع إلى شعب مصر ومنذ دخوله إلى مصر وهم يؤمنون
بالمسيحية بدون تغيير". والرد على هذا
الهلواس هو أن المسلمين يرجعون هم أيضا بجذورهم إلى قدماء المصريين (أم
عند نيافته كلام آخر؟ لقد قلنا إنهم لم ينزلوا بالبراشوتات فى ظلام الليل الدامس
خلف الخطوط)، وهم أقرب شعب يرث آباءهم فراعنة مصر فى صفاتهم واعمالهم وحضارتهم. ومما يُذْكَر فلا يُنْكَر أن
عمرو بن العاص عليه رضوان الله منذ أن جاء الإسلام معه إلى مصر، والمسلمون يؤمنون
به كما هو لم يتغير، بل ظل صافيا طاهرا نقيا كما أتى به محمد بن عبد الله عليه
صلوات الله وسلامه، بخلاف النصرانية، إذ لم تبق كما نزلت على عيسى بن مريم عليه
السلام، بل انتقلت من خانة ديانات التوحيد وأضحت ديانة تثليثية!
ومع السيد أندراوس نمضى
فنقرأ أن "إسم قبطى اليوم يعلوا على أسم
مسلم بفضل أمانة وعمل وكفاح أقباط مصر المسيحيين". طبعا فالمسلمون صائعون
ضائعون لا شغلة ولا مشغلة، وينتظرون كل ليلة أن يطعمهم النصارى من بقايا ما يطفحون
حتى لا يناموا من غير عشاء. بالله عليكم أيها القراء أهذا كلام يقوله إنسان لديه
مسكة من عقل وفهم، أو يردده حيوان لا حَظَّ له من عقل أو فهم؟ صدق من قال: الملافظ
سعد! ثم يقال إننا متكبرون مغرورون لا نرى لأحد حقا ولا اعتبارا! ماش يا سيدى،
فأدبك قد فاق الحد، والذوق والرقة يسيلان من فمك، وأنفك أيضا، مع اللعاب والمخاط.
إخص عليك ألف إخص! لم يبق إلا أنت يا من لا تعرف كيف تكتب أو تقرأ أو تفكر أو
تتذوق أو تتصرف كما يتصرف القوم المتحضرون حتى تأتى وتقول إن اسم القبطى يعلو على
اسم المسلم بأمانته (ولا أدرى ماذا أيضا). طبعا، والدليل على هذا هو ما كتبتَه هنا
مما يسيل كذبا وتزييفا وخيانة لحقائق الواقع والتاريخ وقلة حياء وانعدام ذوق!
تُرَى أين
الأمانة فى قولك إن النصرانى المصرى أقرب إلى الفراعنة من المسلم وإنه هو الذى يرث الفراعنة فى
صفاته وأعماله وحضارته؟ هل المسافة الزمنية التى تفصل بين
الفراعنة وبينكم أقصر من تلك التى تفصل بين المسلمين وبينهم؟ لماذا بالله عليك؟ هل للنصارى
مقياس زمنى غير المقياس الذى يُسْتَعْمَل فى أمور المسلمين؟ وهل
تكتبون بالهيروغليفية مثلا وترسمون غربانًا وحِدَءًا
وهداهد (على
رأى الأستاذ حسنين
كروم) بدلا
من الألفباء؟ هل اسم إلهكم آمون أو آتون أو ينسون أو كمون أو كعبلون، واسم
نبيكم إخناتون؟ هل تبتهلون إلى الشمس كل صباح؟ هل تقدسون الكِبَاش؟ نعم عندكم
الخروف، لكنهم عندهم كباش "بالهَلَبُلَّة" كما فى طريق الكباش بالأقصر،
لا خروف واحد يتيم "مسكين وحاله عدم" كما يقول الدكتور محمد عبد الوهاب
المغنواتى: خروف لا قرون له ينطح بها كما ينطح الكبش بقرونه كل غبىّ عديم العقل
والفهم والذوق! هل تستخدمون فى قتالكم العجلة الحربية التى كان يركبها
تحتمس؟ هل عند أبيك تاج نارمر موحد القطرين؟ أما نحن فبالغيظة فيك عندنا تاج
الجزيرة: السلطانية! هل أبوك قائد طابية، أو بالأحرى: "كائد تابية" على
رأى رَبّة الغنج والدلال، شويكار بنت طوب صقال؟ هل اسم أبيك أوزوريس، وأمك إيزيس،
واسمك أنت سِت، ونحن لا ندرى؟ أما نحن فنسمى بناتنا:
"سِتّ": ست الدار، ست البيت، ست أبوها، ستّ كل لئيم النفس وستّ الذين
خلّفوه! ونحن أيضا الذين خرمنا التعريفة، فهل خرمتم التعريفة كما خرمناها؟ يا رجل،
احقد على المسلمين كما تحب، لكن لا بد أن يكون عند الواحد منا شىء من العقل
والتمييز!
ويرسم السيد السند الخطة
الجهنمية "اللى هيّه" لعودة مصر إلى مجدها القديم أيام أن كانت المحروسة
نصرانية تصنع المرسيدس وسفن الفضاء والكواتيب والقنابل الهيدروجينية وتستنسخ
النعاج والخرفان (كصاحبنا الخروف) قبل أن يفد عليها الإسلام فتتحول إلى صناعة
القُفَف والمِشَنّات والبلاليص والقُلَل القِنَاوى، فيقول: "ونحن نحب أخوتنا
الذين كانوا جدودهم مسيحيين وأعتنقوا الإسلام نتيجة لشروط جحافل العرب المسلمين
الغزاة ونقول لهم يا ابن ابن جدى القبطى أرجع لدين جدودك المسيحية فالأسلام قضى
على مصر كدولة وثقافة وعلم وحضارة وانه لن ينقذ مصر من السرقات والبوظان والروتين
فى الأعمال الحكومية ويرجعها إلى عهدها الأول الذى كان قبل الإسلام إلا قوة الرب
يسوع الذى كان يؤمن به اجدادك". انظروا إلى المحبة التى تسيل من دبره!
اِلْحَقْ يا جدع أنت وهو قبل أن يقوم من مقامه فى المرحاض وينقطع سيلان المحبة،
"م العين ذى حبتة، والعين ذى حبة، واعرف يا هاجر طبع الأحبة"! يا رجل يا
أبله، الناس العاقلة حين تدعو أحدا إلى دين أو مذهب تقول له إن العقل يقتضى
كذا وكذا، وإن القيم الحضارية هى كذا وكذا، وإن ميزات عقيدتنا فى ميزان العقل
والحضارة هى كذا وكذا، أما أن تقول له: أجدادك وأجداد الذين نفضوك، وهذا الكلام
الأبله، فما الحل لو قال لك: إلى حيث ألقتْ أنت وأجدادى، وأجدادك أيضا الذين
نفضوك، فوق البيعة ما داموا مشركين؟ إن عندى عقلا ينبغى أن تخاطبه لا أن تقول لى:
آبائى وأجدادى، وإلا فلم تركتَ أنت دين آبائك وأجدادك الفراعين الذين أزعجْتنى
بذكراهم وأنت لا تفهم من أمرهم شيئا؟ أوكانوا نصارى؟ طبعا لم يكونوا نصارى، فإن
كنت تدرى ما تقول فارجع إلى دينهم. أما نحن فقد أكرمنا الله بدين التوحيد النقى
الطاهر الكريم الخالى من دنس الوثنية والعبودية لغير الله، ولا نريد به، والحمد
لله، بديلا. وهنيئا لك ما أنت فيه، وصحتين وعافية. ولا أحب أن أعطّلك، فهيا
أَرِنَا عرض أكتافك، ولا تنس أن تسلم لى على القمص المنكوح، ذى الدبر المقروح،
الذى منه النتانة تفوح! أَوْ لا داعى لتبليغه السلام، فهو الآن يطالع هذا المقال،
ويقرؤه منتشيا لأننا أتينا على ذِكْر دبره، وهو يستلذ هذا الموضوع مَوْتًا!
وبالمناسبة فقد شكّلتُ له كلمة "ذِكْر" حتى لا يروح باله فى اللى بالى
بالك! سلامات يا زيكو! والله سلامات! الرسائل وصلتْ يا "سبع"
البُرُمْبَة ("سبع" بالمعنى الذى سيأتيك شرحه بعد قليل)، وعرفتُ منها أن
دبرك يأكلك، فأرجو أن تتصبر بهذه التصبيرة إلى أن أوافيك بمشيئة الله بقفة غراميل
كاملة من "اللى هيّه"، وكله بأوانه!
وأخيرا نورد من كلام الأبله هذه
الفقرة الحمقاء التى تدل على أن بعض الناس يكتبون وهو مغيَّبو الذهن. قال:
"وايا كان الإضطهاد الدينى الإسلامى العنصرى سواء أكان بدنياً أونفسياً فهو لم
يستطع أن يبيد مسيحية أقباط مصر منذ غزو مصر وحتى الآن ووقف القبطى صامداً
يقاوم عوامل تعريبه كما قاوم الهرم الذى بناه أجدادهم عوامل التعرية ومحاولة هدمة
من دراويش مصر المسلمين، وكانت مقاومة الأقباط لهم واضحة بتمسكهم برب المجد يسوع
المسيح مهما كانت خسائرهم فحماهم وحمى مصر من الذوبان، وظل الأقباط بفضله مسيحيين
حتى هذا اليوم". يعنى أن العرب لم يحولوا أحدا من المصريين إلى الإسلام كما
تزعمون كذبا وزورا وبهتانا عظيما! وبطبيعة الحال فالمسلمون الموجودون بمصر الآن
ليسوا مصريين بل وارد الخارج، أما الملايين الذين كانوا فى مصر وقت دخول الإسلام
فكما قلتُ من قبل: أكلتهم القطة! لكن يا ابن الحلال، كيف تريدنى أن أصدق هذه
الحكاية البلهاء، وهذه هى القطة، فأين الملايين؟ أو هذه هى الملايين، فأين القطة،
على رأى الأغنية الهزلية التى لحنها سيد مكاوى، وهى تدور حول زوجٍ اشترى كيلو لحم
وأعطاه لزوجته لتطبخه، وحين عاد من الشغل ظهرا قالت له إن القطة قد أكلت اللحم
لأنها (أى الزوجة لا القطة الغلبانة) كانت طَفِسة وكذابة فى أصل وجهها ووقحة كبعض
الناس، وكنت أسمعها (أقصد الأغنية لا الزوجة بطبيعة الحال) فى صباى عندما أقوم من
نومى صباحا على النحو التالى: "آدى القطة، فين اللحمة؟ وآدى اللحمة، فين
القطة؟"؟ أَفَهِمْتَ يا رجل يا قطة؟
والآن سوف أستطرد قليلا وأورد
من نفس الموقع الحكاية البلهاء التالية لأُرِىَ القراء أننا نتعامل مع قومٍ الكذبُ
يجرى فى دمهم. ينقل الأحمق عن المنكوح عن أخيه الميت بعد موته، لا رضى الله عنهم
بل لعنهم واحدا واحدا (أما كيف يتكلم الميت بعد موته، فاسألوا فيها دبر القمص
المنكوح)، ينقل عنه ما يلى: "يقول أبونا ذكريا في سنة 48: كان
لي أخ الكبير البكري اسمه فؤاد بطرس حنين عنده عمل حر وكان يروح يوعظ في الكنائس
وفي يوم وهو رايح قرية من القرى يعظ فيها فمسكوه جماعة الإخوان المسلمين سنة 48
وجروه داخل الدرة وضربوه بالبلط وبعدين قطعوا لسانه علشان خاطر لو كان لسه فيه روح
ما يعرفش يخبر عنهم لأنه كان شافهم ... ونوموه على الأرض علشان يثبتوه ما يجريش
وراهم ولا يزحف بره الذرة لحد ما تطلع روحه، دخلوا سيخ حديد في أذنه وخرج من أذنه
الثانية وهو نائم على الأرض وغرسوه في قلب الأرض علشان ما يتحركش. انتقل شهيد من
أجل اسم المسيح وكلمة الله- طبعا ما اتكونش عندي رد فعل عنيف ضد المسلمين بالعكس
أنا بحب المسلمين حب شديد جدا وبأشفق عليهم مش خوف من الجماعات دي لكن إشفاق". ياخبيث، يا خِنّيس،
وتقول إنك تحب المسلمين؟ حَبَّك بُرْص، وعشرة خُرْس! الحق أنك ليس عندك من الحياء
ولا بَعْضشى، وإلا ما جرؤت على تلفيق هذه الحكاية التى لا يمكن أن يرويها إلا
كذابٌ قرارىّ مثلك، بل هى الكذب مجسَّدا.
ترى كيف عرف القمص
المنكوح شخصية القاتل أو القتلة؟ وكيف عرف الطريقة التى قتلوا أخاه بها إذا كان
أخوه قد مات وشبع موتا قبل أن يكتشفوه، وبخاصة أن لسانه الذى يستأهل الحرق كلسان
أخيه الكذاب قد قُطِع؟ يعنى حتى لو افترضنا أنه حدثت معجزة (وعندهم المعجزات
بالهَلَبُلِّى!) وقام بسلامته من الأموات فلن يستطيع الكلام! وللعلم فإن هذه
الطريقة فى رواية القصص معيبة حتى من الناحية الفنية، فبعض الروائيين يبنى عمله
على هذا النحو فيجعل سارد القصة يموت، وحينئذ يثور السؤال المنطقى: إذا كان سارد
القصة قد مات، فمن يا ترى وصّل لنا كلامه؟ وفى بعض ما كتبتُ من نقد قصصى كلام
يتناول هذا الموضوع، وهو كما قلت عيب فنى خطير. أى أن القمص المنكوح لا يجترح
الكذب فقط، وهو عيب خلقى شنيع لا يليق بأى شخص محترم، فضلا عن أن يكون هذا الشخص
رجل دين يزعم أنه ينشر الفضيلة، بل يضيف إليه سقم العقل وعقم الخيال ورداءة
التلفيق القصصى، فضلا عن ركاكة الفكرة وسخف الأسلوب وقبح اللغة، مما لا يفترق به
المنكوح عن أفكار العوام وأساليبهم ولغتهم! وهذا إن كان شىء مما رواه لنا قد وقع
أصلا!
ومن أكاذيب المنكوح (التى لم
يُحْكِمها لأنه كان متفزز الأعصاب بسبب عدم نكاح أحد له يومين كاملين) الحدوتة
التالية: "لما جاءت التكنولوجيا عملوا البال توك
فدخلنا السعودية دخلت قلب مكة. دخلنا المدينة غير المنورة فلقينا
ناس مؤمنين في مكة. مسيحي سعودي على البال توك ودة لي جلسات ملتزمة على البال توك
برضه. أيضا
أتكلم مع أستاذ شيخ من جامعة فيصل في مكة خدنا يومين حوار (يقصد المأبون اليومين اللذين
لم ينكحه فيهما أحد فطاش لُبّه وركبه البلبال وأصبح يخرّف).
الحوار كان بيمتد إلى حوالي الخمس ساعات 800 كمبيوتر في الروم طبعا كل كمبيوتر
بحوالي عيلة على الأقل في 800 في 5 بحوالي 4000 فرد عمرها ما بتكرر. (سامي مقاطعا): الشيخ
أحمد السويدي؟ أيوه الشيخ أحمد السويدي". يا منكوح، أتظن أنك تخاطب ناسا
من أتباعك البلهاء مثلك؟ يا منكوح، لا يوجد جامعة فى مكة اسمها جامعة فيصل، ولا
يوجد أستاذ جامعى هناك اسمه الشيخ أحمد السويدى! يامنكوح، استح على وجهك! أقصد أن
أقول: استح على دبرك، فأنت لا وجه لك، بل دبر، ودبر فقط!
ومن تلك القصص البلهاء أيضا
كعقول مختلقيها ما تجده فى كثير من مواقعهم المتخلفة ذهنيا مثلهم من كلام متخلف عن
المسلم الذى لم "يحبكه" التنصر إلا أثناء الطواف حول الكعبة (التى
يسميها الكذاب الوقح المدعى بأنه كان مسلما ثم تنصر: "أرض جهالاته وضلالاته
وآثامه وتجديفاته وخطاياه وشروره وأكاذيبه")، وكان ذلك "يا روح
أمه!" حين شاهد المسيح فوقها. وكأن الذى يطوف حول الكعبة عنده من الوقت
وروقان البال ما ينظر فيه إلى أعلى ليتأمل هذه السخافات المتخلفة، وكأن الظهور
المزعوم للسيد المسيح فوق الكعبة قد حصل فى جب أو مغارة كمغارة على بابا والأربعين
حراميا، وليس على مرأى من الحجاج وأهل مكة والدنيا جميعا، وكأنه ليست هناك كاميرات
تنقل الطواف على الهواء مع الأذان! فكيف لم يره إلا الكذاب الأحمق؟ ثم إن صح هذا،
وهو بكل يقين غير صحيح، فلماذا يا ترى لم تتم المعجزة ويظهر عيسى بن مريم فى الصورة
كى يحرج المسلمين ويهلل القمص المنكوح بدبره تهليلا؟
ولقد اشتهر رجال الدين
عندهم بهذه الألاعيب بسبب عجزهم عن إقناع أحد، من خلال الحجج العقلية والعلمية،
بصواب دينهم، وكتب علماء المسلمين يكشفون تلك الألاعيب التافهة منذ قرون، ومن ذلك
ما ذكره بعض العلماء فى الأندلس عن صليب ضخم معلق فى الهواء فى بهو إحدى الكنائس
هناك لا يمسكه شىء، مبينا أن السر يكمن فى أنهم وضعوا، حول الصليب من جهاته
الأربع، أربعة مغناطيسات متعادلة الجاذبية: واحد فى السقف، وآخر فى الجدار الأيمن،
وثالث فى الجدار الأيسر، ورابع تحت الأرض بحيث تمسكه الجاذبيات الأربع المتعادلة
فى مكانه فلا يقع. ثم يعللون ذلك عند عامتهم ودهمائهم بأنها معجزة! ومنها أيضا ما
قرأته لعالم آخر تفسيرا لما يسيل من عينى صورة العذراء فى حائط كنيسة ثانية من
أنهم قد أحدثوا فى الجدار فى مكان العينين ثقوبا نافذة لا تُرَى، وكلما زار
الجمهور الكنيسة وقف قسيس وراء الجدار وغذَّى تلك الثقوب بماء من أنبوب رفيع فتظهر
من الناحية الأخرى نقط ماء كأنها دموع العذراء، وتصيح الدهماء كالعادة: يا لها من
معجزة! كما أورد الشيخ الغزالى فى كتابه الذى اقتبسنا منه النص الذى مرَّ آنفا
التفسير العلمى الفيزيائى الذى قدمه الدكتور محمد جمال الدين الفندى لما سُمِّىَ
بــ"ظهور العذراء" فوق إحدى الكنائس بالزيتون فى أعقاب نكسة 1967م
واستغلال عبد الناصر ورجاله تلك الحادثة لإلهاء المصريين عن هزيمتهم الساحقة
المخزية التى دفعت المنطقة كلها إلى ما نقاسيه حتى اليوم من مصائب وبلايا ورزايا
متلتلة حولت حياتنا إلى جحيم مقيم نستحقه وزيادة. وأذكر فى هذا السياق كتابا قرأته
وأنا فى أكسفورد ألّفتْه، فى بداية القرن العشرين، زوجة قسيس بريطانى من قساوسة
الاحتلال عن ذكرياتها فى مصر، وكان من بين ما وصفتْه غرفة فى كنيسة تظهر فيها بعض
الصور بنفس الطريقة. وما زلت أذكر الكلمة التى استخدمتْها أثناء حديثها عن تلك
الظاهرة الضوئية، وهى: "camera obsecura"، وكانت تلك أول مرة يقابلنى فيها هذا
المصطلح.
وكما ترى فهذه الحواديت تتفوق
فى الرقاعة على حدوتة أمنا الغولة وأبو رجل مسلوخة! سلخ الله جلدك منك له أيها
المناكيح المعاتيه! وقد نتناول قريبا بمشيئة الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذى لم
يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، حدوتة أمنا الغولة الأخرى صديقة القمص المنكوح
التى انقلبت عليه وأخذت ترشقه ويرشقها بالاتهامات، والتى زارها السيد المسيح (طبقا
لمزاعم الحيزبون نفسها) وملَّس على بدنها المتغضن المنتن (أعوذ بالله أن يقترب
السيد المسيح عليه السلام من مثل هذه الدردبيس النجسة)، حتى إنها لما قامت من
النوم وجدت جسمها مدهونا بالزيت المقدس. وأنا لا أصدقها إلا فى أن جسدها النجس كان
مدهونا، لكننى أفسره تفسيرا آخر، وهو أنها قد تبوّلت، وهَرّت أيضا، على نفسها
لطعونها فى السن وعجزها عن أن تتحكم فى مثانتها وأمعائها المنتنة مثل فمها الأبخر،
ثم سوَّل لها عقلها الأبله أن تدعى أن ذلك من عمل المسيح وأنه دليل على أنه قد
رسمها قديسة. قديسة مرة واحدة يا أيتها العجوز المخرفة؟ ماشٍ كلامك على عينى وعلى
رأسى: من الآن فصاعدا سنخلع عليك لقب قديسة فنقول: "القديسة أُمّ شخّة"!
وبعد هذا الاستطراد نعود لما
كنا فيه فنقول إن صاحب الموسوعة يتهم المسلمين أيضا باغتصاب الفتيات النصرانيات.
الله أكبر! أين كان ذلك يا ترى؟ ومتى كان؟ لعل ذلك قد حصل فى بلاد الواق واق قبل
الطوفان! وبعد ذلك يقولون إننا متعصبون ونكره الآخرين ونفترى عليهم الكذب! والله
لم أكن أتصور فى يوم من الأيام أن الكذب يمكن أن يبلغ لدى بعض الناس هذا المبلغ
حتى قرأت مثل هذه الحكايات والتلفيقات. فهل يظن الكذابون الملفقون أنهم يستطيعون
إقناعنا بما يقولونه من افتراءات وتلفيقات وتزويرات مجرمة عن المسلمين الذين رحبوا
بهم حين جاؤوا وخلصوهم من عسف الرومان وتنكيلهم وبطشهم، حتى إذا اطمأنوا بَطِروا
وأَشِروا وتنكروا للجميل وصُنّاع الجميل وانقلبوا عليهم كشأنهم كلما ظنوا أن
الفرصة مواتية لتنصير مصر وإخراج المسلمين المصريين عن دينهم، فكالوا لهم بالكذب
والتزييف أبشع الاتهامات! ألا لعنة الله على كل كذابٍ أَشِر! ولنقرأ فى هدوءٍ ما
كتبه C. Diel فى
كتابه: "Afrique Byzantine"
بنصه الفرنسى حسبما أورده بتلر (
ولنقرأ هذه أيضا، وهى كذبة أخرى
من أكاذيب المارقين التى تدل على أن وجوههم قُدَّتْ من جلد النعال القديمة،
والكذبة هذه المرة عن الدكتور ميلاد حنا، وليس عن شخصٍ نكرةٍ لا يعرفه أحد، ويمكن
من ثم تلفيق الحكايات الكاذبة عنه دون خوف من الافتضاح. ويجد القارئ هذه الكذبة
المفضوحة فى نفس الموقع تحت عنوان: ""البكاشين، المؤلفة قلوبهم،
اليهوذيين" حيث يقول: "وفى تعبيرهم عن إستيائهم من تصريحه هذا ذكر بيان
رابطة اقباط المهجر على موقعهم على الإنترنت أن ميلاد حنا يقوم منذ فترة طويلة
بالإساءة إلي الأقباط ومصالحهم. وأما عن علاقته المشبوهه بالإخوان المسلمين فقالوا
إن ميلاد حنا صلى مع المسلمين (صلاة المغرب) في حفل الإفطار الذي أقامته الجماعة
في رمضان الماضي قبل أنتخابات 2005 م والتى حصل فيها 88 عضو منهم على عضوية مجلس
الشعب. وأتهم البيان أن ميلاد حنا مرتدا عن المسيحية فقال: أن الكاتب القبطي
يكون بذلك قد ترك "الإيمان المسيحي القويم" وقام بما يقوم به من يتبعون
الهرطقات ويتساوى فعله هذا مع فعل من كانوا قديما يقدمون بخورا للأوثان تاركين
إيمانهم بالسيد المسيح كما أننا نتعجب من أن ميلاد حنا لم يحتج أو ينفي هذا الأمر
وكأنه شيئ عادي أو كأنه لم يرتكب خطأ وهنا لابد أن نتساءل هل اعتنق ميلاد حنا
الإسلام سرا ليحصل علي بعض المنافع الشخصية أو أملا في الحصول علي منصب حكومي أو
تعيينه في مجلس تشريعي؟؟!! وتساءل البيان: هل تم إبقاء هذا الأمر، إي إسلام ميلاد
حنا، سرا حتى يتم ضرب الأقباط به حيث يحسب عليهم. ويلاحظ أنه كثيرا ما يتم
استخدامه في الإعلام ونعته بأنه المفكر القبطي البارز. وهل ما كتبه سليم؟ ألعل قيامه
بالصلاة مع الإخوان يجيب عن تساؤل الأقباط عن سبب تصرفات ميلاد حنا ضد حقوقهم
ومصالحهم وقضيتهم؟؟!!". ولن أعلق على هذا الكلام، فقد أوشكتُ أن أطقّ من
أجنابى!
وكثيرا ما تصلنا رسائل مشباكية
مملوءة بالشتائم المنتقاة التى تدل على الرحمة والتسامح والتواضع والمحبة التى لا
تطاق من فرط ما فيها من حنان وعطف ورهافة قلب ونزوع غلاب إلى السلام فى ذات الوقت!
وبالمناسبة فأحد المناكيح (أو قل إنه المنكوح الأعظم) يوالينى كل حين برسالة من
النوع الحَيِىّ الوديع المسالم مذيِّلاً كلا منها باسم "فلان السبع".
وهذا كذب وزَيْف ومَيْن، فذلك ليس اسمه الحقيقى، لأن مثله من الأوباش لا يمكن أن
يكون سبعا، بل هو خنزير جبان ليس فيه من صفات "السبع" شىء، اللهم إلا
أنه "ابن لبــ...". وقد رأى بعض الأصدقاء أن من الأفضل ضرب الصفح عن هذه
البذاءات والكفريات لأن الجميع يعرفها من مواقعهم المشباكية، وهأنذا أنزل على رأى
أولئك الأصدقاء.
وعودة إلى القمص المنكوح نقول
له: الحق الذى لا مرية فيه، أيها القمص المنكوح، هو أن اعتبار المسلمين فى مصر
أجانب عن البلاد إنما هو الكذب والبهتان بعينه وقضه وقضيضه، وهو كذلك أس البلاء
وأصل الداء العياء، إذ كل ما يُتَّهَم به المسلمون من هضم حقوق الأقباط لا يساوى
فى خطورته، لو صَحَّ، عشر معشار ما يجول فى أوهام فريق من إخواننا نصارى الوطن،
لأن معنى ذلك أنهم لن تهدأ لهم نفس ولن يصلح لهم حال إلا بواحد من اثنين: فإما أن
يستأصلونا، وهذا هو المراد من رب العباد والبلاد، وإما أن يخرجونا على الأقل من
هذا الوطن إلى ما لا أدرى أين. ولا تَسَلْ أيها القارئ: كيف يمكن أن يكون ذلك؟ فقد
فعلها متعصبة النصارى فى إسبانيا حين دالت دولة المسلمين، إذ وضع النصارى هناك
الخطط والتصاميم للقضاء على أية نأمة للتوحيد وإخراس أى صوت يقول: أشهد ألا إله
إلا الله، وأن محمدا رسول الله، رغم أن المسلمين عندما دانت لهم تلك البلاد تركوا
لغيرهم من أهل الأديان الأخرى الحرية التامة دون أن يفكروا مجرد تفكير فى إكراههم
على ما لا ترضاه ضمائرهم، ورغم أن الأغلبية الساحقة الماحقة من المسلمين التى كانت
تُعَدّ بالملايين هناك والتى قُتِل كثير جدا منها أو أُحْرِق أو شُرِّد أو عُذِّب
على يد جلادى محاكم التفتيش المتوحشين المجرمين، ثم أُجْبِر الباقون على قبول
التثليث بوسائل يعجز الشيطان الرجيم نفسه عن التفكير فيها، فضلا عن استنباطها، هذه
الأغلبية كانت من أهل البلاد ولم تكن من العرب، لأن العرب هناك لم يكونوا يتجاوزون
كالعادة بضعة آلاف، أما الأغلبية الساحقة الماحقة من المسلمين فى الأندلس آنذاك،
مثلما هو الحال الآن فى مصر، فكانوا هم أهل البلاد من النصارى والوثنيين واليهود
الذين اعتنقوا دين التوحيد وظلوا عليه إلى أن وقعت الكارثة. وقد ذكرتُ الوثنيين
واليهود عمدا حتى لا يظن المتعجلون أن كل من دخل الإسلام لدى مجيئه إلى مصر (أو
الأندلس) كان نصرانيا، إذ النصارى لم يكونوا يشكّلون كل سكان مصر فى ذلك الوقت أو
حتى الأغلبية منهم، بل كان هناك وثنيون كثير. وهذا يعطيك مؤشرا على الفرق الجوهرى
بين منهج الإسلام ومنهج النصرانية فى التعامل مع الآخر: إن تلك الطائفة من النصارى
تملأ الجو صخبا وضجيجا وتشدقا بالسلام والمحبة والتواضع، لكن أعمالهم تكذّب هذا
تكذيبا، أما المسلمون فمتَّهَمون بأنهم إرهابيون استئصاليون لا يطيقون وجود الآخر
إلى جوارهم، مع أن كلمة التاريخ والواقع تقول بلسان صدق طليق إن هذا كله ليس سوى
تقولات باطلة تامة البطلان. لكنها آلة الإعلام الجهنمية المجرمة الأثيمة!
وقبل أن أنتقل إلى نقطة أخرى
أحب أن أتريث قليلا أمام يقوله الأبله الذى يزعم أن كل مسلم (بما فى ذلك المصريون)
لا بد أن يكون من نسل هاجر (يقصد أنهم عبيد من نسل أَمَة)، وأن كل نصرانى لا بد أن
يكون من نسل سارة (بمعنى أنهم أحرار ينتسبون إلى امرأة حرة). وهو عَتَهٌ ما بعده
عَتَه، وهذا إن كان الانتساب لهاجر يَشِين صاحبه فى شىء، أو كان الانتساب لسارة
يضفى على صاحبه زينة ليست فيه. ومقطع الحق الذى ينبغى أن يُبَصَّر به هذا المنكوح
أن الذين ينتسبون إلى هاجر عليها السلام هم جزء من العرب لا العرب كلهم، ومن بين
هؤلاء العرب من بقى على نصرانيته أو مات وثنيا. أى أن الانتساب لهاجر لا يعنى أن
صاحبه عربى مسلم بالضرورة، أما المصريون فليسوا من العرب بالمعنى العرقى، وإن
كانوا عربا بالمعنى الثقافى والحضارى. كما أن النصارى لا ينتمون إلى سارة، اللهم
إلا نصارى بنى إسرائيل، وليس منهم نصارى مصر فى شىء مثلما أن مسلمى مصر ليسوا من
العرب حسبما وضحنا.وعلى أية حال فإن الانتساب لهاجر هو شرف ما بعده شرف، إذ إن
ذريتها هم ذرية الخليل إبراهيم بالتبعية، وهل هناك ما هو أفضل من الانتساب للخليل
عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يا أيها الخنزير؟ علاوة على أن من المؤرخين من
يقول إن هاجر أميرة مصرية فى الحقيقة. وعلى أية حال فإن الانتساب لها هو أفضل
مليون مرة من الاتساب ليعقوب مساوم الله ومصارعه وعاكمه حتى لم يستطع سبحانه
(أستغفر الله) أن يفلفص منه إلا بعد اللتيا والتى، كما أنه أفضل ملا يين المرات من
الانتساب لإسحاق نائل البركة الإلهية بغشه لأبيه وربه وخديعتهما جميعا، وكأن
البركة يمكن أن تنال بتلك الأساليب التى لا يحسنها إلا أبناء سارة حسب كتابكم أنتم
لا كتابنا نحن، والحمد لله، وأفضل مليار مرة من الانتساب لداود، الذى صوره كتابكم
على أنه زان وقاتل وحقود، داود صاحب بتشبع، وما أدراك ما بتشبع (عندكم وليس عندنا
والحمد لله)، داود أبى تامار التى زنى بها أخوها أمنون فلم يشأ الأب أن يفاتح ابنه
الزانى بأخته كيلا يؤلم مشاعره الرهيفة، وهذا إن كانت له عين يفتحها فى عين ذلك
الولد السائر على منهج أبيه فى الزنا والخنا والفجور، ومن شابه أباه فما ظلم،
وأفضل مليارات المرات من الانتساب لسليمان (ابن داود وبتشبع)، الذى يشكل إحدى
حلقات النسب الإلهى الكريم وناظم الشعرِ العاهرِ الفاجرِ المثيرِ للشهوات النائمة
والمسمَّى: "نشيد الأناشيد"، وجاعل بيته مثابة للأوثان التى كانت تعبدها
زوجاته (بشهادة كتابكم أنتم لا كتابنا نحن، والحمد لله أيضا)، وأفضل تريليون مرة
من الانتساب ليهوذا، الذى زنى بامرأة ابنه، والذى يشكل بدوره حلقة أخرى فى النسب
الكريم، وأفضل من أن يقال عن صاحبه إنه ابن يوسف النجار كما جاء فى كتابكم أنتم لا
كتابنا نحن حتى لا يتهمنا أحد بالرغبة فى الإساءة، بل على العكس كان كتابنا ومازال
يرسم صورة وضاءة لهؤلاء الرسل الكرام، إلا أن العُمْى لا يفقهون ولا يقبلون هذا
الكلام الحق الجميل ولا يريدون إلا تلطيخ الجميع بما فيهم الإله الذى يعبدونه. ثم
هل كل ذرية الأَمَة عُبْدان وإماء ياخنزير؟ وهل كل ذرية الحرة أحرار وحُرّات؟ طبعا
لا، فكثير من نسل الملوك كانوا رقيقا، وكثير من نسل العبيدكانوا ملوكا! ثم هل الله
إله الأحرار فقط؟ إنه إذن لإله عنصرى، وهو ما لا يليق إلا بالإله الخروف الذى لا
يعقل ولا يفهم! فاهم أيها الخنزير، أم ترانى ينبغى أن أعيدالكلام من أوله؟ لكنك لن
تفهمه لا من أوله ولا من آخره لأنك وأمثالك لا تفكرون بعقولكم بل بحوافركم. وأنا
لا أقصدك بهذا الكلام أصلا، بل أريد أن أضحك القراء عليك وعلى عقلك الخرفانى يا
عابد الخروف! وتفكيرك هذا أمر طبيعى، فالآدمى الذى يؤمن بدينه دون تشغيل عقله ودون
استناده فى التمسك به إلى المنطق والتفكير، ماذا تنتظر منه؟ إنه خنزير لا ينبغى
إلقاء الدرر أمامه لأنه لا يعرف لها قيمة كما جاء فى الكلام القليل المعقول المنسوب
للسيد المسيح؟ ويكفى هذا للقمص المنكوح "سَبْع" البرمبة، السبع بمعنى
"ابن اللَّبْــ..." ليس إلا!
ولننتقل إلى شىء مما كتبه
الكبار المعروفون من إخوان الوطن، وها هو ذا د. ميلاد حنا يعلن بكل جراءة وثقة أنه
إذا اختارت الأغلبية المسلمة تطبيق شريعتهم فلا قبول لذلك أبدا. لا يقصد أنه سوف
يعلن عدم موافقته وينتهى الأمر عند هذا الحد، بل المقصود، فيما هو واضح من كلامه،
أنه لا يمكن أن يسمح بذلك. ومعنى هذا؟ معنى هذا أتركه لعقل القارئ وخياله! وكأن
المسلمين ليسوا سوى عزبة ورثها مَنْ ورثها، فهو فى حِلٍّ من أن يفعل بها ما يشاء.
ولم لا، وقد قيل: مَنْ حَكَمَ فى ماله ما ظَلَم؟ ثم لم لا، والمسلمون قد رَضُوا
الهوان وشربوه وأكلوه وتنفسوه وسرى فى دمائهم وخلايا أجسامهم وشُعَب رِئِيهم؟
وهكذا تكون الديمقراطية فى بلاد المسلمين وإلا فلا، تلك الديمقراطية التى نُكَايَد
بها، وإذا بها فى نهاية الأمر والمطاف أسوأ من الاستبداد ذاته! فماذا قال الدكتور
حنا؟ تعالوا نقرأ معا ما كتبه الأستاذ محمد رشيد الصحفى بجريدة "
المصريون" بتاريخ 23/ 4/ 2006م فى هذا الصدد تحت عنوان "زعم تعارض
الشريعة مع الديمقراطية... الدكتور ميلاد حنا: أرفض تطبيق الشريعة الإسلامية حتى
لو كان باستفتاء شعبي": "أكد المفكر القبطى الدكتور ميلاد حنا رفضه
تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر حتى لو جاء ذلك عن طريق استفتاء شعبي بموافقة
أغلبية الشعب، مضيفا أن تطبيق الشريعة بهذا الشكل ليس له علاقة بالديمقراطية بزعم
أن هناك ثوابت في الحياة لابد وان تراعي من خلالها شركاء الوطن، وهم الأقباط. وقال
حنا في تصريحات خاصة لــ"المصريون" أنه لو فرضنا مثلا أن هناك استفتاء
شعبيا في مصر على أكل الحشيش ووافق 55 % من الشعب على هذا المطلب، هل يكون هذا
مقبولا؟ فهناك توازنات مجتمعية لابد وأن تراعي عند الحديث عن تطبيق الشريعة. ولو
كان هناك استفتاء شعبي مثلا عن إبقاء المرأة في البيت وعدم خروجها للعمل ووافقت
عليه الأغلبية، هل هذا مقبول؟ وهل معقول تعطيل طاقة هذا القطاع؟ وشدد حنا على أن
الأقباط شركاء أصليون في هذا الوطن، وتطبيق الشريعة الإسلامية يحولهم إلى مواطنين
من الدرجة الثانية، مشيرا على أنه يرحب بتطبيق جزئي للشريعة يراعي حقوق الأقباط،
مؤكدا ان هناك تطبيق لنظام المواريث في الإسلام على الأقباط، وهم راضون
بذلك".
ومن الواضح أن الدكتور حنا فى
كلامه هذا إنما يفصّل ديمقراطية على مزاجه لم يسمع بها أحد منذ أن خلق الله
الديمقراطية. الحق أنها ليست ديمقراطية، بل استبدادوقراطية! إنه يقول لنا: طظ فى
الأغلبية وما تقرره الأغلبية إذا تعارض هذا مع ما أريد أنا ومن يرافئوننى على ما
أريد. إذن فلنلغ الديمقراطية، ولتنفذ الأغلبية ما تريد بالقوة والقمع والإكراه.
فهل هذا مما يسعد سيادته؟ ليس ذلك فحسب، بل تعالوا ننظر إلى المثل الذى ضربه كى
يبين السبب الذى من أجله يرفض تصويت الأغلبية الساحقة فى مصر لصالح تطبيق شريعتها،
تاركة فى ذات الوقت للأقباط مطلق الحرية ليطبقوا شريعتهم فيما فيه تشريعات
نصرانية، وهى تشريعات الأحوال الشخصية والعبادات والشعائر، بما يعنى أنه لا مجال
على الإطلاق للحديث عن إجبار الأقباط على أى شىء يتعارض مع دينهم أو يحرج ضمائرهم
أو تحويلهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية كما يزعم، ومن ثم يمكن اتخاذه تكأة
للشغب على ما يقرره جمهور الأمة فى استفتاءات حرة. إنه يقول: "لو فرضنا مثلا
أن هناك استفتاء شعبيا في مصر على أكل الحشيش ووافق 55 % من الشعب على هذا المطلب،
هل يكون هذا مقبولا؟". أى أن سيادته لم يجد ما يشبه به انحياز الأغلبية
الساحقة من الشعب المصرى إلى خيار تطبيق الشريعة إلا تصويت جماعة من
"البهائم" بالموافقة على أكل الحشيش! وشكرا على هذا التهذيب الراقى وتلك
المراعاة الجميلة الحكيمة لمشاعر عشرات الملايين من الأمة التى ينتمى إليها
الأستاذ الدكتور! ومرة أخرى نقول: إن المسلمين يستأهلون هذا وما هو أشنع من هذا ما
داموا قد ارْتَضَوُا الهوان واستحبوا الخزى والتخلف! ولسوف يستمر هذا وما هو أبشع
من هذا ما داموا نائمين على آذانهم. والإنسان حيث يضع نفسه.
والملاحظ أن أحدا لم يفكر مجرد تفكير فى الرد، ولو همسا، على ذلك الكلام المهذب
غاية التهذيب! يا للخزى! ويا للعار! ثم من قال لسيادته إن المسلمين سوف يصوتون على
لزوم المرأة البيت لا تغادره أبدا؟ ولنفترض أنهم انخبطوا فى عقولهم وقرروا هذا
بملء إرادتهم وحريتهم، فهل من الديمقراطية أن يأتى متحذلق أو مستبد فيعطله؟ أما أن
الأقباط شركاء أصليون فى هذا الوطن، فهل قال أحد شيئا آخر غير هذا؟ إن فريقا من
الأقباط للأسف هم الذين يريدون أن يلغوا بجرّة قلمٍ وجودَ المسلمين الذين يشكلون
الأغلبية الساحقة الماحقة من أبناء هذا البلد الأصليين بل أن ينفوهم منه نفيا!
وكأنما كتب إبراهيم عيسى (فى
جريدة "الدستور" بتاريخ 23/ 2/ 2005م) مقاله: "انتهى الدرس يا
وطنى" ردًّا على ما قاله الدكتور ميلاد حنا، إذ يقول فيه: "أما التلويح
والتهديد بأن وصول الإخوان لمجلس الشعب قد يدفع الأقباط للفزع
وربما للهجرة فالمؤكد أولاً: أن الأقباط هم أكثر شرائح مصر هجرة قبل صعود
الإخوان بل فى قلب فترة اعتقال الإخوان أيام عبد الناصر. هذه واحدة، أما الثانية:
أن الأقباط يعلنون كل يوم عن اضطهادهم فى عصر مبارك، وكثير من هذا حقيقى، وله
منطقه، وبعضه مبالغة مبررة. وهذا كله فى ظل فترة ليس للإخوان فيها شئ لا فى المعارضة
ولا فى الحكم .ثم من الذى تجاهل ترشيح الأقباط وأبعدهم عن السياسة؟ هل هم الإخوان؟
ثم
أخيراً يجب أن يتوقف الأقباط فى الحقيقة عن التصرف كأقلية مذعورة فهم
مواطنون فى هذا البلد لهم حقوق كما لأكبر رأس فيها، ومصر وطنهم قبل أن تكون وطن
أحد أخر. مجمل الأمر
أننى لا أتصور أن الأقباط يمكن أن يشكلوا حق فيتو على اختيار
الشعب الديمقراطى. ولا أظن أن عقلاء الأقباط يسمحون لعواطف متوهمة أن تجعلهم
فى موقع مضاد لاختيار المصريين". ونحن نتمنى أن يصيخ الحكماء إلى قوله: "مجمل الأمر أننى لا أتصور أن
الأقباط يمكن أن يشكلوا حق فيتو على اختيار الشعب الديمقراطى. ولا أظن أن
عقلاء الأقباط يسمحون لعواطف متوهمة أن تجعلهم فى
موقع مضاد لاختيار المصريين". أما قوله فى حميّة الانفعال إن مصر هى وطن الأقباط
قبل أن تكون وطن أحد آخر، فهو مبالغة لا معنى لها، لأن مصر هى وطن المسلمين
والأقباط معا دون "قبل" أو "بعد" لا لهؤلاء ولا لهؤلاء!
ولنلاحظ أن للمسلمين على
الجانب الآخر ملاحظات وشكاوى تردّ بدورها على مزاعم اضطهاد إخواننا القبط فى مصر
الحبيبة، ومن ذلك ما كتبه ممدوح إسماعيل أمين عام رابطة المحامين
الإسلاميين فى
موقع "طريق الإسلام" فى ختام مقال له بعنوان "ماذا يريد الأقباط في مصر؟": "ويبقى السؤال المهم ماذا يريد
الأقباط في مصر؟؟؟
1_ طلبوا بناء كنائس،
فحصلوا
على بناء كنائس في كل قرية في مصر بما لا يتلاءم مطلقاً مع عددهم؛ فهم لا
يتجاوزون
سبعة مليون من سبع وسبعين مليون مصري.
2_ أصبحوا يسيطرون على أربعين في
المائة من الاقتصاد المصري.
3_
جرى
العرف السياسي بتعيين اثنين منهم وزراء في كل حكومة.
4_ ولا تتدخل الدولة فيها ولا
تستطيع منع قسيس لأنه هاجم الدولة أو حتى الإسلام بعكس ما يفعل بالمساجد من منع
خطباء ومراقبة وغير ذلك.
5_
لا يتعرض
من يخرق منهم الوحدة الوطنية للاعتقال كما يفعل بالمسلمين.
6_ الكنيسة يصلها مليار دولار من الخارج
ولا تتدخل الدولة بخلاف ما يجمع من النصارى في الداخل ولا يعرف أين يذهب كل ذلك.
7_ يكرهون النساء اللاتي أسلمن على
العودة للنصرانية، وتقوم الدولة بمعاونتهم في ذلك.
8_ يسعون بالاتفاق مع الأقباط في
المهجر على توزيع الأدوار في الهجوم الصارخ بالخارج على الإسلام والمسلمين
ثم الحكومة المصرية بصفتها حكومة أغلبها مسلمون، ويستنجدون بأمريكا بل وصل الأمر
إلى "إسرائيل" وفي الداخل نتيجة الضغط الأجنبي والابتزاز يجنون الثمرات.
9_ يسيطرون على معظم الوظائف
الحكومية.
10_ حاولوا من قبل إنشاء دولة قبطية
في أسيوط وفشلوا في ذلك .
11_
يطالبون
بإلغاء المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن دين الدولة الإسلام، وأن
الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، أسوة بما حدث في الدستور العراقي الذي وضعه
بريمر.
فهل هذا يكون نهاية مطاف مطالب
الأقباط في مصر: القضاء على ما تبقى في النظام
المصري من مرجعية إسلامية استغلالاً للظروف الدولية، من هيمنة الأمريكان وطغيانهم
وضعف الحكومة المصرية؟ أظن أن هذا المطلب بإذن الله نهاية الخطايا العشر
للأقباط في مصر، إن لم يتدارك بعض العقلاء في الأقباط الأمر، فلن تسكت الأغلبية
المسلمة أبداً على ذلك".
وبمناسبة
الرقم الذى أورده أ. ممدوح إسماعيل لعدد السكان الأقباط فى مصر أحب أن أنقل هنا ما
كتبه الأستاذ أبو إسلام فى موقعه: "بلدى" فى ذات الموضوع، ونصه: "مما
أزعج المسيحيين الذين زاروا جناحنا في سراي (6) علوي أو جناحنا في سراي (4) كتاباً
صغيراً بعنوان (نصارى مصر، كم؟ ومن ؟).
مصدر الإزعاج أن الدراسة التي أعددتها،
رجوعاً إلى جميع إحصائيات السكان التي تمت في مصر منذ عام 1897 حتى 1996، توصلت
إلى أن عدد نصارى مصر لا يزيد عن 5.9 % من عدد
سكان مصر. ولما ارتفع صوت أحد القسس بصورة غير حضارية اعتراضاً على كتابي هذا
الصغير أخرجت له صورة ضوئية لموقع جهاز المخابرات الأمريكية (C.I.A) حيث جاء فيه عن مصر أن عدد غير المسلمين من المسيحيين واليهود
وغيرهم هو 6 %. لذلك أطالب المحامي جبرائيل أن يضم هذه المعلومة إلى
ملف طلب محاكمتي الذي تقدم به للنائب العام.
(الجهل دائماً يكون نقمة)، فتقبلوا تحياتي".
وفى مقال بــ"القدس
العربى" فى 4/ 5/ 2006م للصحفى المصرى المقيم فى نيويورك فرانسوا باسيلى
بعنوان "الإخوان والدولة الدينية في جانب، والأقباط والعلمانية في
جانب: إنفصام الشخصية المصرية" نراه يقيم من نفسه ومزاجه وما يحبه الأقباط فى
مصر عموما معيارا يزن به مظهر المسلمين والمسلمات المصريين وملابسهم وأشكال سلوكهم
ويرفضها ويتهكم عليها ويصفها بالتخلف والشذوذ. يقول: "استطاع الإخوان ومن
انشق عنهم من الجماعات الدينية الأكثر تطرفاً ان يقوموا بتحويل مصر من دولة
علمانية تؤمن بالعلم والفن والإبداع والحداثة في العهد الناصري الي مجتمع ودولة
تتسربل في أردية دينية سلفية بالغة التزمت تنظر إلي الحياة والمجتمع برؤية دينية
أحادية لا تسمح معها بأي خلاف فكري أو تحرر ديني أو إبداع فني، وبالتالي تخمد معها
الروح الإنسانية الشابة المتوثبة المتشوقة للخلق والإبداع والإنطلاق الحر في سباق
مع العصر والحداثة. تخمد هذه الروح في كل إنسان في ذلك المجتمع تحت ثقل الرداء
الديني المتزمت الخانق الذي اقنعوا المرأة المصرية بأنه الرداء الوحيد الحلال فكان
ان نجحوا في تحجيب الأغلبية الساحقة من المسلمات المصريات في خلال سنوات معدودة.
وهكذا نظر الأقباط حولهم ذات يوم فإذا بأولاد اخوالهم شركائهم في الوطن قد تغيروا
مظهراً وجوهراً فيما بدا وكأنه قد حدث بين ليلة وضحاها. فالتحول في السبعينات كان
سريعاً فعلا، وكيف لا وقد جاء من فوق ومن تحت في نفس الوقت، إذ جاء من الحكومة
وعلي رأسها الرئيس المؤمن وفي نفس الوقت من داخل الحارات والأزقة والشوارع في
المدن المكتظة والقري المنسية بلا خدمات ولا تواجد للدولة بأي شكل محسوس مفيد،
فيما تواجدت الجماعات الدينية تقدم نفسها فعلا لا مجازا كبديل للدولة الغائبة،
فتقدم الخدمات الصحية والوظيفية والسكنية وخدمات النقل والمواصلات والمصارف وتوظيف
الأموال، بالإضافة الي الخدمات الإجتماعية والأسرية من زواج وطلاق وإغاثة وتكافل
وحل للخلافات علي الطريقة الشرعية!...
لقد نظر الأقباط حولهم فجأة في
كافة ربوع مصر فإذا باخوتهم في الوطن الذين كانوا بالأمس يتكلمون مثلهم ويلبسون مثلهم
ويعملون مثلهم ويذهبون معهم الي السينما والمسرح ويغنون ويضحكون معهم قد اصبحوا
فجأة مختلفين عنهم في كل شيء. فالرجال الآن كثير منهم يطلق لحيته ويرتدي الجلباب
ويمسك بسبحة في يده ويضع المسواك في فمه ويقحم اسم الجلالة بين كل كلمة وكلمة،
وصار بعضهم يرتدي الساعة في يده اليمني ويدخل الحجرة بقدمه اليمني لأن اليسري
نجسة، وصار بعضهم الآخر لا يبادره بالتحية ولا يجلس ليأكل معه لأنهم قالوا له ألا
يبادر الكفرة بالتحية ولا يجلس علي موائدهم. وأما نساء مصر، وكنّ قد قطعن شوطاً
هائلاً علي طريق التحرر والحداثة والتمرد علي السيطرة الغاشمة للرجل في مجتمع
ذكوري غليظ، فقد أقنعوهن ان صوتهن عورة وشعرهن عورة وأن عليهن ان يتحجبن حتي لا
تقع علي شعرهن الشيطاني الماجن أعين الرجال الأتقياء الذين لا يبغون سوي وجه الله
تعالي، فإذا بالمصريات يتنكرن لتاريخهن ولثورة هدي شعراوي وإلقائها هي واخواتها في
الحركة النسائية المصرية بحجابهن في النيل في ذلك الزمن النهضوي الثائر القديم.
وإذا بكافة مسلمات مصر يخترن ما بين الحجاب والنقاب. وبينما نجد كل جيل جديد من
مجتمعات العالم كله من الهند الي الصين إلي اليابان الي امريكا الشمالية
واللاتينية يلبس ويفكر ويتصرف باسلوب اكثر تحررا من أسلوب جيل والديه، رأينا في
مصر الحدث الأعجب في تاريخ الحضارة، إذ جاءنا جيل من المصريين اشد محافظة وتقليدية
وتشددا وتزمتا دينيا من جيل والديه!! هذا هو حجم الكارثة الإنسانية التي تعيشها
مصر اليوم. فكيف كان ممكنا للأقباط التعامل مع شركائهم في الوطن وقد أصيب معظمهم
بهذا التغير الشديد. وليته كان تغيرا نحو الدين الحقيقي، وهو المعاملة الحسنة،
ولكنه كان تغيراً جاء مصاحباً لازدياد هائل في الفساد والرشوة والإهمال والبلطجة
والظلم الفاجر والغلظة في المعاملة وفشل شامل في أسس الحياة الإنسانية اللائقة
النبيلة".
وتعليقا على هذا نقول: هل يقبل
النصارى أن نتدخل فى دينهم ورؤيتهم للحياة وأشكال سلوكهم وأن نعترض على ذلك كله
ونطالبهم بأن يتغيروا وفقا لذوق الأغلبية ومعاييرها الدينية والخلقية ونظرتها
للدنيا والعالم؟ هل يقبل النصارى أن نطالبهم بأن ينزلوا على عقيدتنا فى المسيح
عيسى بن مريم عليه السلام بحيث لا يتجاوزون به العبودية لله سبحانه؟ هل يقبل
النصارى أن نمنعهم حمل الصليب؟ هل يقبل النصارى أن نقول لهم: لا تنصتوا لما تقوله
الكنيسة عن عدم شرعية الزواج الجديد لمن طلق زوجته لغير علة الزنا؟ هل يقبل
النصارى أن نعلن نفورنا من سواد ملابس قساوستهم وكثاثة لحاهم؟ هل يقبل
النصارى أن نعبر عن ضيقنا بتحجب راهباتهم؟ هل يقبل النصارى أن نقرّعهم على كشف
نسائهم لأذرعهن وسيقانهن وشعورهن وصدورهن؟ هل يقبل النصارى أن نسخر من أكلهم
الخنزير وشربهم الخمر وغُلْفة رجالهم وعدم تطهر نسائهم من الطمث والنفاس وعدم
اغتسال الفريقين جميعا بعد الجماع؟ هل يقبل النصارى أن نعترض على طقس الاعتراف أو
التناول أو وجوب عقد الزواج على يد قسيس؟ بطبيعة الحال، ولهم فى ذلك كل الحق، لن
يقبل إخواننا النصارى الأعزاء شيئا من هذا، بل سيرونه سخفا ووقاحة وقلة ذوق
وانعدام أدب. فكيف بالله عليك أيها القارئ ينصّب السيد باسيلى من نفسه وذوقه
وأوضاع دينه وأبناء طائفته مقياسا للاعتراض على بعض أشكال السلوك والأخلاق لدى
المسلمين المصريين والتزامهم بشرائع دينهم أو ما يَعُدّونه على الأقل من تلك
الشرائع؟
ثم ما حكاية الإخوان هذه؟ ترى
هل الإخوان هم وحدهم الذين يريدون أن يعيشوا وفقا لما يقول به الإسلام؟ إن جميع
المسلمين والمسلمات يطمحون دوما إلى أن يلتزموا بأوامر دينهم ويحترموا قيمه، وإنْ
أخطأ كثير منهم فَهْم تلك الأوامر والقيم، ولا أظن أحدا يقول إنهم جميعا ينتمون
إلى الإخوان! وبالنسبة للتغيرات التى رصدها الأستاذ باسيلى فإن المسلمين يَرَوْن
أنهم يعودون عن طريقها إلى دينهم، فليس الأمر إذن أنهم تركوا ما تعود الأقباط عليه
منهم، بل هو اعتقادهم أنهم لم يكونوا يلتزمون أوامر دينهم أو يقلعون عما ينهاهم
ربهم عنه بما فيه الكفاية، وإنْ كان الإسلام أوسع من هذا كثيرا وأعمق وأرسخ، وهو
ما نريد من الصحوة الإسلامية أن تتنبه له فتضع العِلْم وطلبه، والإبداع والعمل من
أجل تحريره من القيود المؤذية المعوّقة، والنظافة والنظام والجمال والتخطيط وكفاية
الإنتاج والدقة فى العمل، والحرص على دراسة كل شىء قبل الإقدام على تنفيذه... فى
أولوياتها نظرا وعملا. والمرجوّ ألا يتدخل أى من الطرفين فى خصوصيات الآخر، بل
ينبغى أن يحترم أوضاعه، فما بالك إذا كانت الأقلية هى التى تريد فرض وجهة نظرها فى
الحياة والسلوك والأخلاق على الأغلبية؟
وفى مقال بعنوان "الأقباط
بين الأندماج الوطني والتذويب الديني" فى "عرب تايمز"
الناطقة بالعربية فى أمريكا كتب مجدى خليل الناشط القبطى المهجرى الذى لا يكف عن
استعداء أمريكا والغرب على مصر والمسلمين: "وتخبطت مصر بين المشروع القومي
العربي والمشروع الإسلاموي ثم التحالف بينهم
مؤخرا على أرضية العداء للعالم وللغرب خصوصا. ولكن
الأقباط رفضوا المشروعين معا وتمسكوا بالهوية المصرية وبجذورهم التي تمتد إلى أعماق التاريخ المصري، وفي نفس
الوقت استماتوا في مواجهة محاولات التذويب الديني .المشروع الأسلامى الذى أطل
بوجهه منذ بداية السبعينات لا يهدد الأقباط فقط فى دينهم بين الأسلمة والذِّمّيّة
وعند الحد الأدنى الذوبان فى الثقافة والهوية الأسلامية، وأنما أيضا يهدد الهوية
المصرية فى صميمها ويشتتها ويحولها إلى شئ ثانوى تابع لهوية دينية عابرة الحدود.
الأقباط يضطهدون ويشتمون ليس لأنهم يقولون أن مصر لهم وحدهم ويريدون إسترجاعها كما
يدعون عليهم كذبا، ولكن لأنهم يعلون الهوية والانتماء المصري على أي انتماء آخر، وفي نفس الوقت
يعتبر الأقباط أنفسهم جزء من التيار الإنساني العالمي ولا يعادون العالم من آجل
المتأسلمين. العالم تغير وبات واضحا أن الأقباط لن يقفوا مع المتأسلمين في مشروع
عدائهم الحالي للعالم، لأنه ببساطة عداء ينطلق من ثقافة دينية تنشر الكراهية وقد
عاني منها
الأقباط
طوال قرون من الزمن".
وأحب للقارئ أن يلاحظ هنا
المقدرة على قلب الحقائق والزعم الكاذب بأن المسلمين هم الذين يعادون العالم (يقصد
أمريكا وأوربا)، مع أن أى حمار يعرف أن الغرب يواصل العدوان علينا منذ أيام الحروب
الصليبية مرورا بالاحتلال البريطانى والفرنسى والإيطالى...، وانتهاء بالإجرام
الأمريكى والصهيونى فى فلسطين وأفغانستان والعراق. إلا أن الغرض مرض، والعياذ
بالله. لكنى أعود فأقول إن المسلمين يستأهلون هذا كله وأفظع منه ما داموا
يستمرئون التخلف والهوان ويَرْضَوْن بالمذلة ولا يجدون عيبا فى الأوضاع المزرية بل
المهبّبة التى تحيط بهم من كل جانب، تلك الأوضاع الناتجة عن كسلهم وبلادتهم
وكراهيتهم للعلم والعمل والإبداع والحرية والكرامة، وهو ما يتلخص فى نبذهم لقيم
دينهم الجوهرية وتركيز كثير منهم فى غالب الأحيان على القشور التى لا تقدم ولا
تؤخر ولا تنتشلهم مما هم فيه! إننى دائما ما أتخيل أن الرسول عليه السلام قد بُعِث
ورأى أحوال المسلمين فأخذه الهم والغم غير مصدق أن هذه الأمة تنتمى إليه أو تصلها
بدينه صلة!
وقد كرر خليل اتهاماته مرة
أخرى فى ذات المقال حيث يقول: "لم ينعزل الأقباط نتيجة الاحساس بالظلم
والاضطهاد وعدم المساواة فقط وإنما انعزلوا لاستشعارهم بتحول واضح
في نموذج "الاندماج الوطني" إلى مشروع "التذويب الديني". وقد
ترتب على ذلك أيضا تأكل القيم المشتركة بالتدريج وانكماش أرضية التعايش المشترك، لصالح قيم
جديدة وافدة، وقد تمسك الأقباط في المقابل بالقيم المصرية المتوارثة وبالهوية المصرية
وبايمانهم الديني. الأقباط حسموا موضوع الهوية مبكرا، المشكلة الأساسية تكمن
في قطاع كبير من المسلمين لم يحسموا مسألة الهوية حتى الآن من مصطفي كامل إلى
مهدي عاكف. لا تجد قبطيا واحدا، باستثناء الذين قبلوا مشروع الأسلمة، يتحدث عن
مفهوم الأمة بمعني يزيد عن حدود مصر الجغرافية، لأنهم يرون بلدهم مصر نموذجا
متكاملا لأمة لاتحتاج امتدادا جغرافيا وإنما التفاعل بندية وبايجابية مع
الآخرين. الأقباط ليسوا جماعة أصيلة فحسب وإنما هم في الواقع ومعهم الليبراليين
المصريين حراس للهوية المصرية في أزمنة الانحطاط. رغم
الاختلاف والتباينات الكثيرة بين الأقباط، وهذا طبيعي لشعب يزيد عن عشرة ملايين، إلا أن هناك توحد
حول مفهومين: التمسك بالهوية المصرية ومقاومة التذويب الديني حتى الموت، بل
أن كل تاريخ الأقباط يتمحور حول فكرة واحدة هي مقاومة التذويب الديني، وقد دفعوا
ملايين الشهداء في مقابل ذلك".
وكما يرى القارئ فمجدى خليل،
إلى جانب المزاعم الكاذبة عن تمثيل الأقباط للهوية المصرية وعن عددهم العجيب الذى
لا أدرى من أين أتى به، يبتهج ابتهاجا شديدا بتشبث طائفته بهويتها الدينية
وارتباطها الكنسى، وهذا حقه، ولا اعتراض لنا على شىء منه، لكنه يكره كراهية العمى
أن يكون عند المسلمين المصريين نفس الشعور والموقف. لماذا؟ مرة أخرى، إنها
استبدادوقراطية الأقلية، ولا شىء سواها! ولله فى خلقه شؤون! كما أنه فى الوقت الذى
يستصرخ فيه أمريكا النصرانية ويستقوى بها، بل فى الوقت الذى نسمع فيه كثيرا من
أقباط الداخل يستصرخون أمريكا النصرانية، وإسرائيل اليهودية فوق البيعة، عيانا
بيانا على مرأًى ومسمع من العالم أجمع فى الشوارع والطرقات، نراه ينكر علينا مجرد
التطلع إلى أن تكون لنا دولة قوية ترتبط بدول العروبة والإسلام حتى لا نُؤْكَل
هنيئا مريئا من القوى الكبرى التى لا تتركنا نهنأ بحياتنا! أليس هناك شىء اسمه
الاتحاد الأوربى؟ أليس هناك شىء اسمه حلف الأطلسى؟ إن الأمم العاقلة هى التى تحرص
على أن يكون لها دولة قوية مرهوبة الجانب حتى لا يطمع فيها الطامعون ويستذلوها
ويسرقوا خيراتها ويكسروا شوكتها ويحتلوا بلادها، فما الضرر فى أن يفكر العرب
والمسلمون فى أن يكون لهم كيان متحد قوى يستطيع الصمود فى وجه هذا العدوان الغربى
المجرم الشرس المستمر منذ قرون؟ وما خوف الأقباط من ذلك ما دامت حقوقهم مصونة،
ودينهم معززا مكرما، وكيانهم محترما؟
وردا على خليل وأمثاله كتبت
الصحفية منى مدكور بجريدة "الأسبوع" المصرية فى مقالها
المُعَنْوَن: "يطالبون بالتدخل الخارجي ومنع المسئولين من زيارة الكنائس في
الأعياد_ أقباط المهجر يريدونها نارا لا تنطفئ": "لم
يكن الأمر مثيرا للدهشة أن يستغل بعض اقباط المهجر احداث مدينة الإسكندرية الأخيرة
والمؤسفة في اشعال نيران الفتنة وتأجيجها، فمن المعروف تماما أن هذا هو الأسلوب المتبع
مع أي حدث يحدث أو حتي لم يحدث من الأساس علي أرض مصر والدليل علي ذلك كمّ
الأكاذيب والحكايات الملفقة التي تنشرها مواقعهم كل ساعة وحين ضد مصر وأمنها الداخلي. لكن الأمر المثير للدهشة بالفعل هو هذا التوظيف
المحكم
ذو الابعاد والاستراتيجيات المحددة سلفا تجاه هذا الحدث والذي كشفت عنه كل
تحركات
اقباط المهجر للزج بمصر في الاجندة الأمريكية بأي صورة من الصور تحت ادعاء
الاضطهاد
لأقلية تعامل علي انها من الدرجة الثانية!
انضم لأقباط المهجر منظمة
جديدة
تدعي 'هيئة مسيحيي الشرق الأوسط'، وهي منظمة جديدة لم يكن مطروحا اسمها علي
الساحة،
بعد أن كان الاقباط المقيمون في الولايات المتحدة الأمريكية ومنظماتهم هم الفئة الاساسية
لاقباط المهجر والمركز الأول لتجمعهم. وقد قامت
هذه المنظمة بإصدار بيان اكدت فيه ان مصر من الدول
السيئة السمعة في التعامل مع الاقباط حيث احتلت مصر وفقا لمزاعمهم المركز
السابع عشر من بين خمسين دولة احتلت فيه كوريا الشمالية المركز الأول كأكثر
بلد يضطهد المسيحيين علي ارضه، بينما جاءت السعودية في المركز الثاني وايران في
المركز الثالث، وكينيا في المركز الأخير! كما اصدرت المنظمة بيانا آخر رفعت فيه
شعار (لا هلال مع الصليب)، وزعمت فيه ان اقباط مصر في الداخل والخارج يرفضون الهلال
مع الصليب، وإذا لم تستطع الحكومة المصرية حماية الاقلية القبطية فنحن نطالب
بالتدخل الخارجي، كما نطالب بمنع زيارات المسئولين المصريين للكنائس المصرية
وتقديم التهاني في الأعياد كما استطاع اقباط المهجر في أوربا تحريض الأنبا انتوني
(أسقف ايرلندا واسكتلندا وشمال شرق انجلترا وتوابعها) لإصدار بيان ادانة ضد مصر، وقد كان،
حيث اصدر الأنبا بيانا موقعا منه باعتباره اسقف ايرلندا وشمال شرق انجلترا،
بالاضافة الي مجمع كهنة الايبارشية ولجان الكنائس والأقباط المقيمين بها
البيان جاء مستنكرا لاحداث
الاسكندرية ومؤكدا انها وفقا لمزاعمه جزء من مسلسل ارهاب يعيشه
الاقباط في مصر، ويتهم فيه الحكومة المصرية بالتواطؤ مع القتلة حيث جاء في
نص البيان ما يلي: إن الأنبا أنتوني أسقف ايرلندا واسكتلندا وشمال شرق انجلترا
وتوابعها ومجمع كهنة الايبارشية ولجان الكنائس والاقباط المقيمين بها يستنكرون
الاعتداءات التي طالت كنائس الاسكندرية يوم 14 ابريل 2006م والتي هي حلقة ضمن
مسلسل ارهاب واضطهاد الأقباط بمصر والذي جعل منهم مواطنين من الدرجة الثانية. وهم يطالبون بتعقب الجناة الذين اعتدوا علي الكنائس
الأربع
وبحتمية تقديمهم إلي القضاء، ويطالبون ايضا الحكومة المصرية بالكف عن
التواطؤ
مع القتلة مثلما يحدث في كل اعتداء علي الكنائس وممتلكات الأقباط، إذ إن
الحكومات
المحترمة هي التي تحول دون حدوث الفوضي والحرائق ونهب ممتلكات
شعوبها.
ونوجه النداء إلي الحكومة
المصرية بضرورة الكف عن التمييز العنصري الواقع علي الأقباط في كل
مجالات الحياة وبالكف عن التحريض الاعلامي ضد الديانة المسيحية والذي نتج عنه العديد
من المذابح والتي كان آخرها الشهداء والجرحي بكنائس الاسكندرية علي ايدي الأصوليين
الإسلاميين إذ إن التعبئة الاعلامية في الكتب والصحف والمجلات والبرامج المرئية
والمسموعة كلها تغذي نيران الاضطهاد التي يحترق بها الاقباط كل يوم وكل ذلك بموافقة
وتحت سمع وبصر الحكومة المصرية. إن هذه
الأحداث الأخيرة تعيد إلي الذاكرة ما قد حدث قبلا من اعتداءات مماثلة في
أحداث السويس والزاوية الحمراء والخانكة وأبوقرقاص
وكفر دميان والعديسات والعياط والكشح والدير المحرق ومحرم بك وغيرها، وفي
جميعها لم تتم معاقبة الجناة علي ما اقترفوه من قتل وتعذيب ونهب وحرق بيوت وكنائس
الأقباط وأغمض القضاء عينيه عن هذه الجرائم النكراء.
إننا نتساءل مع شعوبنا: هل يعقل
ان يكون مرتكبو هذه المذابح دوما مختلين عقليا؟ وكيف يمكن ان نصدق أن
السبب والدافع وراء كل اعتداء هو واحد لا يتغير بينما الاضطهاد الواقع علي
الأقباط واضح وملموس ولا يحتاج إلي أية اثباتات؟ ولو كانت هذه الاعتداءات قد اقترفها
قبطي (حتي وإن كان حقيقة مختلا عقليا) ضد أحد المساجد هل كان رد فعل الحكومة
والاسلاميين سيكون مثيلا لما هو عليه الآن؟ إلي متي ينتظر الأقباط حلا لمشاكلهم؟
ان الحكومة المصرية ترفض أي حل خارجي بينما لا يوجد أي حل داخلي ولا حتي يلوح
في الأفق، والواقع القبطي ينتقل من سيئ إلي أسوأ بخطي سريعة! فعلي مدي الربع قرن
الماضي تحت النظام الحالي نسمع كلمات تهدئة ووعودا ووصفا لواقع غير موجود بينما لا
يتحقق من ذلك شيء!
إنه حسن للحكومة المصرية
أن تهتم بحل المشاكل الدولية مثل مشكلة فلسطين والعراق ودارفور بالسودان
ولكن أليس بالأحري أن تهتم ايضا بحل مشاكل الأقباط الذين هم ابناء الوطن الذين
عاشوا فيه منذ ما قبل زمان الأهرامات؟ إننا نناشد جميع منظمات حقوق
الانسان داخل وخارج مصر أن تنظر إلي وضع الاقباط في مصر بعين
مدققة لتري حقيقة ما يجري علي أرض الواقع، وأن تسأل بدورها الحكومة المصرية أن
تقوم بدور ايجابي في إحداث تغيير حقيقي وجاد في واقع الاقباط في مصر .وفيما نحن نجتاز هذه الأيام
المقدسة من أسبوع الآلام نصلي من أجل سلامة مصر ومن أجل سلامة
كنيستنا طالبين من الله أن ينيح نفوس الذين ذبحوا بالأمس وعبر الأجيال وأن ينعم
بالشفاء علي المجروحين وكل المصابين.
أمر عند هذا الحد بل طالب بيان
آخر بوقف المعونات الأمريكية التي تصرف لمصر، علي اعتبار ان هناك اكثر من 2 مليار
دولار تأتي كمعونات للمسلمين الجائعين فيها، بينما هم يحلون اسنانهم بدماء
المسيحيين!!! ويضيف البيان: إن معاناة المسيحيين المصريين أصبحت لطخة عار كبيرة علي جبين
العالم الحر. شعب برمته يتعرض يوميا وبشكل حثيث للابادة، والعالم يقف متفرجا
صامتا. شعب يئن تحت وطأة الظلم والاغتصاب والنهب والتعذيب والتهجير والقتل وكل
ما في دستور الاسلام من حقد وكراهية. وكل ذلك يتم تحت نظر الحكومة المصرية التي
لا تحرك ساكنا. كما يطالب بيان آخر علي نفس المنوال بالربط بين المعونات الأمريكية
والأقباط وإسرائيل حيث يؤكد البيان الصادر عن منظمة 'مصريون بلا حدود' فتح
باب التصويت عبر موقعها لمنع المعونات الأمريكية عن مصر لاضطهادها الأقباط مثلما لم
تنفذ بنود اتفاقيات السلام الكامل مع إسرائيل! وذلك تمهيدا لعرض مطالبها وقائمة
التصويت علي الكونجرس الأمريكي لإصدار حكم ضد مصر! كما واصلت منظمات اقباط المهجر
حملات التحريض والتهييج لتأليب الرأي العام الأمريكي والأوربي ضد مصر
باتجاه آخر وهو تنظيم المظاهرات المناهضة لمصر والعمل علي تدويل قضية الأقباط من خلال
الضغط علي الأمم المتحدة والكونجرس الأمريكي من خلال ما اسموه باضطهاد الاقباط
المصريين، حيث سينظم اقباط المهجر في أمريكا بمشاركة جمعية الاتحاد المسيحي العالمي مظاهرة
احتجاج علي ما اسموه "الظلم الواقع علي الاقباط منذ أربعة عشر قرنا" طالبوا
فيها الشعب الأمريكي بالتضامن معهم احتجاجا علي ما تفعله الحكومة المصرية من تواطؤ
وتسهيل للعمليات الارهابية التي تجري ضد أقباط مصر! كما طالبوا في بيانهم ما
اطلقوا عليه مصطلح (الصحوة القبطية) بأن يظهروا للعالم كله الظلم الواقع علي
الاقباط في مصر، غير القادرين علي أن يدافعوا عن أنفسهم حيث ستنطلق هذه المظاهرة اليوم
الاثنين من أمام مبني الأمم المتحدة في تمام الساعة 11.00 صباحا أمام جميع الكنائس
القبطية في نيويورك ونيوجيرسي.
كما نظم مايكل منير (زعيم اقباط
المهجر في الولايات المتحدة الأمريكية) مظاهرة أخري يوم الأربعاء
الماضي أمام البيت الأبيض والسفارة المصرية بواشنطن احتجاجا علي ما وصفه
بــ"الهجمات المتكررة علي إخواننا وعائلاتنا الأقباط في مصر، واحتجاجا علي الظلم الواقع
علي الاقباط منذ 14 قرنا" وذلك علي حد زعم البيان الذي اصدره بهذا الشأن
حيث زعم
مايكل منير قائلا في بيانه: إن الأقباط يتحملون ما يحدث لهم قبل أن يتحرك
المجتمع الدولي للوم الحكومة المصرية التي تحاول، كما زعم، أن تغطي وتعتم علي ما يحدث
للأقباط. وقال منير ايضا: ان منظمة اقباط المهجر تناشد المجتمع الدولي الضغط علي
مصر للقيام بإصلاحات لحماية الاقباط في مصر.
وقد ضمت المظاهرة التي قادها منير
شخصيات قيادية عديدة من مسلمين ومسيحيين من بينهم السيدة زينب السويج (المدير
التنفيذي للكونجرس الأمريكي الاسلامي)، ودكتور وليد فارس مؤلف كتاب (الجهاد
بالمستقبل) والدكتور محسن خالد (نائب رئيس الاتحاد المصري الأمريكي)، وعلي الأحمد (مدير
معهد العلاقات الخليجية)، والمهندس كميل حليم (عضو مجلس ادارة منظمة اقباط
الولايات المتحدة) علي حد زعم البيان. وقد ادعي
البيان أن هذه المظاهرة الهدف منها هو التعبير والاحتجاج علي الحادث
الارهابي الأخير الذي دبره المتطرفون المسلمون ضد الكنائس
المسيحية بالاسكندرية بمصر، والعنف الجماعي وتدمير الممتلكات الذي حاق بمسيحيي
مصر، وأيضا تملص الحكومة المصرية من رد مناسب علي العمليات الارهابية، كما
سيدعو القادة المسيحيون والمسلمون الولايات المتحدة للتعبير عن القلق من المعاملة
القمعية للحكومة المصرية تجاه جميع المواطنين ومحاولات الحكومة المصرية للتغطية
والتعتيم علي التطرف المتزايد لمعظم اعضاء المجتمع المصري.
جدير بالذكر أن مايكل منير كان
قد ادلي بحوار أكد فيه ان اقباط المهجر يمثلون قوة ضاغطة علي الاجندة
الأمريكية، حيث قال وفقا لصحيفة 'الشرق الأوسط 'اللندنية: "لا يوجد ما يسمي
بالاستقواء ونحن حاولنا التحدث مع الحكومة من أجل حقوقنا فلم تسمعنا فتوجهنا
للحكومة الأمريكية وسمعتنا وأنا من حقي كمواطن أمريكي مصري أن أتحدث مع عضو الكونجرس
الذي انتخبته، وهناك علاقات مميزة بين مصر وأمريكا، ونحن دائما نطالب باستخدام هذه
العلاقة في تشجيع مصر للسير بخطي متقدمة في عملية الاصلاح وحقوق الانسان والحريات
الدينية".
هذا، وقد كتب الشيخ الغزالى حتى
قبل قيام ثورة يوليه منزعجا بحقّ لهذا الذى تكلمنا عنه هنا من تطرف طائفة من القبط
وقولهم إن مصر بلدهم وحدهم من دون المسلمين، إذ نقرأ فى كتابه: "التعصب
والتسامح بين المسيحية والإسلام" (مكتبة الأسرة/ 2005م/ 216) السطور التالية:
"إنه يتضح من استقراء الحوادث التى حفل بها التاريخ المصرى من الفتح إلى
اليوم أن لدى النصارى رغبة جامحة فى تنقص الإسلام واعتبار أهله غرباء فى هذه
البلاد ومحاولة الاستئثار بالسلطة دونهم حتى يتم بالخديعة أو بالقهر هدم الحكم
الإسلامى وإقامة حكم آخر مكانه أيا كان لونه. ومن الظلم أن نتهم الأقباط عامة
بأنهم شركاء فى الوصول إلى هذه الغاية الجائرة، ففيهم فى كل زمان ومكان أهل إنصاف
وعدل يريدون أن يقاسموا المسلمين حياة آمنة مستقرة ولا يرون غضاضة فى إعطاء
المسلمين حقهم باعتبارهم كثرة. ومن حق الكثرة المعترف به فى الأنظمة كلها أن تكون
الدولة لها، والولاية العامة فى بنيها. وما دامت القلة ستعيش مساوية فى حقوقها
وواجباتها وحرياتها للكثرة التى تجاورها، فأى حرج سوف يلحقها؟
لكن سياسة الأقباط لا يرسمها
للأسف الشديد هذا النفر المعقول، فما أكثر ما يفلت الزمام منه فتبدو الطائفة
وكأنها لا تستريح إلا إذا زال الإسلام وزالت دولته من الوجود. وهنا موطن الصعوبة
فى علاج المشكلة، فنحن المسلمين لن نترك ديننا ولن نجحد شريعتنا ولن ننسى وحدتنا،
وفى الوقت نفسه لن نجور على غيرنا ولن نصادر شعائره أو عباداته. وإذا كانت راحة
النصارى الوحيدة فى أن نترك ديننا فلن يستريحوا ما حيوا وحيينا، وإذا كانوا
سيجمحون ويطيشون كلما سمعونا نتحدث عن الحكومة الإسلامية فلن تكون عقبى هذه
المشاعر النافرة مجدية عليهم شيئا، ومن الخير لهم أن يلتزموا الجادة. وسواء
اعتدلوا أو تطرفوا فلن نحيف عليهم، بل سنظل أشرافا فى مسلكنا!". وهذا الكلام
لا يقوله إلا إنسان تربى فى أضواء المشكاة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلوات
وأزكى التسليمات!
وأخيرا ما الحل؟ الحل هو أن
يسود بيننا صوت العقل والحكمة، وأن يعرف كل من الطرفين أنه ليس صاحب البلد وحده
وأن الله لو شاء لجعل الناس جميعا أمة واحدة، وأن يقف كلاهما عند حدود الأدب
واللياقة فلا يتطاول على نبى الطرف الآخر ورموزه. فأما المسلمون فهم، على خلاف ما
يسوَّق فى الصحف والفضائيات المغرضة، لم ولا ولن يقولوا إن مصر هى بلدهم وحدهم،
ولا إن المصريين ينبغى أن يكونوا كلهم مسلمين، كما أنهم لم ولا ولن يتطاولوا على
عيسى بن مريم أو ينالوا منه أو من أمه الطاهرة أى منال، فهل يتأسى بذلك الموقف
إخوان الوطن؟ إننى، رغم كل ما قلته صادقا عن سعة صدرى وفهمى للحياة ومعرفتى أن
الله لم يشأ أن يكون البشر جميعا على ملة واحدة، لا أطيق أن يمس أحد ربى أو رسولى
أو الصحابة الكرام بسوء أو يتقول بالكذب علىّ وعلى الأمة التى أنتسب لها بأننا
لسنا مصريين وأننا لا بد أن نترك البلد ونرحل من حيث أتينا، ولا يمكن أن يسكت مسلم
على مثل هذه السفاهات والسفالات، ولا أظن أننى بذلك أفتئت على أى أحد.
مصر وطننا كلنا: مسلمين ونصارى،
ولا أحد أمام القانون أحسن من أحد، أما التباذؤ فى حق الرسول ودينه العظيم أو
صحابته الكرام فلا أظن أى عاقل يقبل أن يمر مرور الكرام. وهذا هو سر ما يجده
القراء من عنف فى بعض ما أكتب دفاعًا عن الإسلام ونبيه وكتابه وردًّا لما تنشره
طائفة من النصارى فى مواقعهم أو يذيعونه فى فضائياتهم، فليس معنى الحرص على الوحدة
الوطنية هو أن نرضى الدنية فى ديننا ومصريتنا وعروبتنا وأن نبتلع الإهانات خوفا من
تعكير الأجواء، بل يُسْأَل عن ذلك من لا يَرْعَوْن فى الأخوة الوطنية إِلاًّ ولا
ذمة متصورين أن المسلمين، لكونهم لا يمكنهم الإساءة إلى عيسى بن مريم وأمه عليهما
السلام، لن يردوا من ثم على قلة الأدب التى يوجهونها إلى نبيهم ودينهم، وهم فى ذلك
واهمون، فالأساليب الموجعة بالحق كثيرة، بل إن الحقائق وحدها لكافية فى دمغ الباطل
وفضحه ونسفه وإيلام أهله إيلاما لا يمكن احتماله. والشتائم المسعورة التى يرسلون
بها إلينا ونرمى بها نحن تحت حذائنا أكبر برهان على ذلك، أما صبيان المشباك
الزنادقة الأجراء من أبناء المسلمين الذين يولولون كالنسوان كلما غضبنا لله
ولرسوله ولدينه فهؤلاء ليسوا أكثر من زُبَالَةٍ منتنةٍ لا تستحق عناء الرد. وهؤلاء
هم الذين جاء ذكرهم فى الفقرة التالية من التقرير الموجود فى كتاب الشيخ الغزالى:
"قذائف الحق": "الخطة التبشيرية التي وُضِعَتْ بُنِيَتْ على أساس
هدفٍ اتُّفق عليه للمرحلة القادمة، وهو زحزحة أكبر عدد من المسلمين عن دينهم
والتمسك به، على ألا يكون من الضروري اعتناقهم المسيحية، فإن الهدف هو زعزعة الدين
في نفوسهم، وتشكيك الجموع الغفيرة منهم في كتابهم وصدق محمد، ومن ثم يجب عمل كل
الطرق واستغلال كل الإمكانيات الكنسية للتشكيك في القرآن وإثبات بطلانه وتكذيب
محمد. وإذا أفلحنا في تنفيذ هذا المخطط التبشيري في المرحلة المقبلة، فإننا نكون
قد نجحنا في إزاحة هذه الفئات من طريقنا، وإن لم تكن هذه الفئات مستقبلاً معنا فلن
تكون علينا".
على أنه لا بد من تنبيه الأمة
إلى أن مثل هذه المقالات والدراسات التى أحبّرها أنا أو غيرى لن تكون لها أية قيمة
أو فائدة، بل ستظل مجرد حبر على ورق لا يقدم ولا يؤخر، ما لم تستنهض النفوس وتشعل
الغيرة فى القلوب وتنشّط العقول المتبلدة وتحرّر الإرادات الخاثرة وتحرّك الأيدى
الكسول. إن الكلام فى حد ذاته لا يمكن أن تكون له قيمة إلا إذا تحول من فكر إلى
فعل. تُرَى لو أن الناس لم تؤمن بالقرآن ويتحول فى قلوبها إلى مشاعر متأججة، وفى عقولها
إلى أفكار متوثبة، وفى سلوكها إلى خطط وأعمال متتابعة، أكان يكون للقرآن شىء من
التأثير الهائل الذى لم تعرفه البشرية لأى كتاب آخر من قبل أو من بعد؟ تُرَى لو أن
الناس اكتفت بأن تحفظ القرآن وأن تردده فى مجالسها وتباهى به فى أحاديثها وتستخدمه
فى الجدال والمغالبة ثم لا شىء بعد هذا، أكان التاريخ الإنسانى سيشهد تلك الحضارة
العظيمة التى أنتجها دين محمد وأتباع محمد، والتى غيرت وجه التاريخ تغييرا جذريا
أرعب الكفرة والمشركين والوثنيين فانطلقوا فى موجات مسعورة من البذاءات المنحطة
والافتراءات المجرمة التى يظن أصحابها المتوحشون أن بمستطاعهم الإساءة بها
إلى الرسول الأكرم، والتى يعرفون هم قبل غيرهم أنها كاذبة خاطئة؟