البابا الجديد ومستقبل الحوار الاسلامي المسيحي

 

 

 

بقلم : د. محمد علي الفرا

 mfarra@go.com.jo

 

وجه البابا الجديد »بنيدكت« السادس عشر الذي خلف البابا »يوحنا بولس الثاني« المتوفى في الثاني من هذا الشهر، في حفل تنصيبه يوم السبت الماضي »13/4/2005« تحية الى من سماهم »الاشقاء اليهود الذين تربطهم بالكاثوليك برباط عظيم من الارث المشترك« وعلى الرغم من التقارب الذي حدث مؤخرا بين المسلمين والفاتيكان، وتواصل الحوار الاسلامي - المسيحي، الا ان البابا الجديد لم يوجه تحية مماثلة الى المسلمين، ولم يذكر الاسلام في خطابه، مما يطرح الكثير من التساؤلات، والعديد من التوقعات والاحتمالات والاجتهادات، ويعيد فتح ملف العلاقة بين الاسلام والكاثوليكية اكبر كنيسة مسيحية في العالم، ويتبعها نحو 1.1 مليار شخص، وفي الوقت نفسه، ربما يتساءل البعض عن مستقبل الحوار الاسلامي - المسيحي، الذي بدأه البابا »بولس السادس« بعد اعتلائه كرسي البابوية عام 1963 وظل مواصلا له حتى وفاته في عام 1978 وقد نهج هذا البابا نهجا مغايرا عن من سبقه من البابوات، فالبابا »بيوس الثاني عشر« الذي سبقه، ونصب في عام 1939 وحتى عام ،1958 كان يعتقد بأن الاسلام في افريقية يشكل خطرا على الكنيسة، وفي كتاب »تاريخ الارساليات الكاثوليكية« الصادر في نهاية الخمسينات من القرن الماضي، عد الاسلام وفعالياته العالمية كارثة على المسيحية لا تقل في خطورتها عن خطر الشيوعية.

حينما جاء البابا بولس السادس بعد وفاة البابا يوحنا الثالث والعشرين في عام 1963 كان اول بابا يوجه تحية اخوية للمسلمين وذلك حينما زار البلاد في 1964 وفي ايار من العام نفسه انشأ امانة سر لشؤون الديانات غير المسيحية، وحدد مهمتها الاساسية في اقامة »حوار مخلص مع اولئك الذين يؤمنون بالله ويعبدونه « وفي شهر اب، وجه »بولس السادس« رسالة ركز فيها على ضرورة الحوار مع جميع المؤمنين لاقامة علاقات جديدة بين الكنيسة والديانات الاخرى، وعلى ضرورة التقارب والحوار مع المسلمين بصفة خاصة وفي الخامس عشر من تشرين الاول عام ،1965 وافق المجمع المسكوني بالاغلبية على نص التصريح الخاص »علاقة الكنيسة مع الديانات الاخرى غير المسيحية« وفيما يتعلق بالمسلمين، فقد ذكر التصريح: »ان الكنيسة تنظر بعين الاعتبار الى المسلمين الذين يعبدون الاله الواحد الحي القيوم الرحيم القادر على كل شيء خالق السماء والارض ، ومكلم البشر، الذين يجتهدون »يقصد المسلمين« في ان يخضعوا بكليتهم، حتى لاوامر الله الخفية، كما خضع له ابراهيم، الذي يسند اليه بطيبة خاطر، الايمان الاسلامي، وانهم يجلون يسوع كنبي، وان لم يعترفوا به كإله، ويكرمون امه مريم العذراء، كما انهم يتضرعون اليها بتقوى احيانا، وعلاوة على ذلك، فانهم ينتظرون يوم الدين عندما يثيب الله كل البشر القائمين من الموت، ويعظمون الحياة الاخلاقية ايضا، ويؤدون العبادة لله، لا سيما بالصلاة والزكاة والصوم.

ولما توفي »بولس السادس« في عام 1978 خلفه البابا »يوحنا بولس الاول« الذي تم تنصيبه في 26/8/1978 وتوفي في 16/10/1978 ، حيث لم تزد مدةبابويته عن ثلاثة وثلاثين يوما فقط، وخلفه »يوحنا بولس الثاني« الذي كان عمره انذاك 58 عاما - فكان من اصغر البابوات سنا - وتوفي كما قلنا في 2/4/،2005 اي ان بابويته استمرت ستة وعشرين عاما، فكان من البابوات القلائل الذين طالت مدة بابويتهم، وتفوق على جميع بابوات القرن العشرين من حيث المدة »بنيدكت الخامس عشر وبيوس الحادي عشر وبيوس الثاني عشر، ويوحنا الثالث والعشرين ، وبولس السادس ويوحنا بولس الاول.

وقد يكون من حسن الطالع ان سار البابا يوحنا بولس الثاني بعد تنصيبه بابا في عام 1978 على نهج البابا بولس السادس وظل محافظا على استمرارية الحوار الاسلامي المسيحي، وحاول ان يتخذ موقفا متوازنا وبخاصة في النزاع والصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، على الرغم من الضغوط الصهيونية الشديدة على الفاتيكان، واتهام البابا »بيوس الثاني عشر« »1939 - 1958« بسكوته على النازية في عهد »هتلر« واضطهاده لليهود آنذاك، وقد اثمرت هذه الضغوط باصدار بيان بابوي يندد بهذا الاضطهاد، وفي الوقت نفسه صدرت وثيقة هامة من البابا » يوحنا بولس الثاني« يبرىء فيها - ولأول مرة - اليهود من دم المسيح عليه السلام، علما بأن البابوات في الماضي كانوا لا يستجيبون للضغوط الصهيونية، فالبابا بنيدكت الخامس عشر »1914 - 1922« عارض وعد بلفور الصادر في 2/11/،1917 ندد باندلاع الحرب العالمية الاولى 1914 - 1918 وكان يدعو للسلام.

حينما زار البابا الراحل »يوحنا بولس الثاني« الاراضي المقدسة بمناسبة بدء الالفية الثالثة جدد تنديده باضطهاد»هتلر« لليهود ، وزار نصب المحرقة في القدس، ولكنه في الوقت نفسه زار مخيم الدهيشة للاجئين الفلسطينيين قرب مدينة نابلس واستمع الى نفر من سكانه، وابدى تعاطفه معهم، وشعر بمعاناتهم وعذاباتهم وكان قد استقبل، وفي سنوات سابقة، قادة فلسطينيين، من ابرزهم الرئيس الراحل »ياسر عرفات« وفي كل لقاء كان يؤكد البابا الراحل على دعمه ومساندته للفلسطينيين ويبدي تفهما واضحا لقضيتهم وحقوقهم في وطنه، ومن الجدير بالذكر ان الكنيسة الكاثوليكية في الاراضي المحتلة لم تفرط في ممتلكاتها لليهود على نحو ما اتهمت به الكنيسة الاورثوذكسية من بيع وتأجير لممتلكاتها وعقاراتها لليهود في فلسطين.. وربما يكون من مآثر البابا تنصيبه بطريركا عربيا في القدس هو البطريرك »ميشيل صباح« ليكون على رأس الكنيسة الكاثوليكية في الاراضي المقدسة.

على ضوء هذه الخلفية التاريخية للعلاقة بين كل من العرب والمسلمين والفاتيكان، فاننا نعتقد بأن اغفال البابا الجديد »بنيدكت السادس عشر« ذكر الاسلام والمسلمين وتوجيه تحية لليهود دون سواهم، والاعتزاز بالارث اليهودي - المسيحي المشترك، يضع الكثير من الشكوك حول توجهات هذا البابا وسياسته، رغم انه سبق وقال انه سيواصل مسيرة الحوار الاسلامي - المسيحي. ومما يقوي من هذه الشكوك علاقته الوثيقة حينما كان كاردينالا باسم جوزيف راتزنجر مع كبير حاخامات اليهود في اسرائيل »مائير لاو« والذي قال عنه حينما تم اختياره بابا جديدا بأن صديق للشعب اليهودي، وما نسبت اليه الصحف الامريكية الهامة مثل »نيويورك تايمز، ولوس انجلوس تايمز مؤخرا اعتقاده كما قال الصحفي تراسي ولكنسن في صحيفة لوس انجلوس تايمز الصادرة في 20/4/2005 بأنه يرى في الاسلام الراديكالي والعلمانية ، اخطر ما يهدد المسيحية حاليا، وفي العام الماضي، وفي اثناء النقاش حول انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي قال: ما شأن تركيا المسلمة باوروبا المسيحية؟ ومن المعروف عنه انه ناضل طويلا ليتضمن الدستور الاوروبي شيئا عن التأثير البنيوي للمسيحية في تاريخ اوروبا وكان من الكرادلة القلائل الذين يؤمنون بما يسمى »الميراث اليهودي - المسيحي«في التكوين الاوروبي، وهو ما تحاول الصهيونية تسويقه في الغرب، واعتبار الاسلام الخطر الذي يهدد الحضارة الغربية القائمة على هذا الميرات، كما قال المفكر اليهودي »صموئيل هنتجتون« في كتابه »صدام الحضارات« الذي تأثر بأفكار استاذه اليهودي وشيخ المستشرقين المعاصرين »نرنارد لويس« ولم يؤيد البابا الراحل »يوحنا بولس الثاني« فكرة الميراث اليهودي - المسيحي التي حاول »جوزيف راتزنجر« ان يدخلها في الفاتيكان، ويومها لم يؤيده احد، وها هو يغتنم فرصة وفاة »يوحنا بولس الثاني« ليخرج فكرة هذا الميراث من جيبه ليتودد بها الى اليهود والصهاينة، فهل سترضخ الكنيسة لمزيد من الضغوط اليهودية والصهيونية لتصبح في النهاية كمعظم الكنائس البروتستانتية - من لوثرية وكلفنية، وانجليكانية، ومنهجية متصهينة امثال اليمين المسيحي الجديد الذي صار يتبنى الطروحات الاسرائيلية من حقيقة ايمانه بكثير من الادعاءات والمزاعم التوارتية والتلمودية وكما هو معلوم فان هذا اليمين المسيحي المتطرف والمتصهين يسيطر اليوم على الادارة الامريكية الحالية، ولذلك يتطلب الامر بتحرك عربي واسلامي نحو الفاتيكان، وبخاصة ان هناك عربا كاثوليك، وان دول امريكا اللاتينية التي تدين شعوبها بالكاثوليكية يعرف عنها مناصرتها للقضايا العربية في الامم المتحدة لا شك في ان السكوت يعد موقفا سلبيا ولامباليا، وهذا تهاون في الموقف من القضايا العربية والاسلامية، مما يشجع الكثيرين على عدم تأييدهم للحقوق العربية، ويفقدهم اصدقاءهم ومؤيديهم في العالم.

بعد الانتهاء من كتابة هذا المقال وقبل تسليمه للدستور، جاء في الاخبار ان البابا بنيدكت السادس عشر »اشاد الاثنين 25/4 بتقدم الحوار بين المسيحيين والمسلمين.

ونحن نأمل ان يكون هذا مؤشر خير، وبما يطمئن على مسيرة الحوار الاسلامي وتقدمه، وعلى علاقة وطيدة مع الفاتيكان وتعاون من اجل حل المشاكل العالمية.