حول متطلبات الخطاب الإعلامي المساند للمقاومة

 

 

 

بقلم: ليث الصالح

 

لقد سبق وأن واجه العراق حرباً إعلامية منظمة سواء أثناء الحرب مع ايران أو حرب عام 1991 وما تلاها، تطلب ذلك إستخدام كل أدوات التعبئة من أجل حشد طاقات الجماهير نحو المشاركة الفاعلة لخدمة القضية من جهة، وتحصينها ضد الإعلام المضاد من جهة اخرى. بالاضافة إلى المواجهة الإجمالية للتعبئة المضادة التي كان يقوم بها العدو بجميع ما متوفر له من أدوات ، حيث كان ذلك عملاً كبيراً وضخماً تطلب جهوداً كبيرة.

 

وضمن حملة الغزو على العراق التي بدأت عام 2003 ، سخر الأمريكان كل قدرات آلتهم الإعلامية لإسناد تنفيذ المشروع الامريكي الصهيوني في العراق والذي قامت وتقوم به مؤسسات متخصصة في مجال الإعلام والحرب الدعائية. وبعد إحتلال العراق وتدمير دولته وتشتيت كوادرها ما بين القتل والإعتقال والتسريح الإجباري من الخدمة والمضايقة لم يبقى أمام الشعب العراقي غير الإعتماد على أبنائه الخيرين القادرين على التصدي للحرب الإعلامية الموجهة ضد الشعب العراقي من جهة، ولدعم مقاومته الباسلة من جهة اخرى. وهذا يتطلب جهداً حقيقياً من أولوياته أن يتميز بالوعي التام للأهداف المعادية والتحصن ضدها عبر التعرف على الجوانب المختلفة للأيديولوجية السياسية والفكرية للعدو ونواياه وأهدافه ومحاولة إستقراء برامجه الإعلامية وإدراك أدواتها والإستعداد الذاتي لمواجهتها بصورة واعية. 

 

ومن البديهي أن العمل التعبوي الإعلامي يتعامل مع أدواته الرئيسية والتي هي المرسل والمتلقي و وسيلة الإرسال ومادة الإرسال، وأن الأساس في كل ذلك هو المادة المتمثلة هنا بالخطاب الإعلامي بأنواعه المتعددة كالخطاب التحليلي والنفسي والأخلاقي والديني ..الخ . وفي ظل الأوضاع الراهنة في العراق ، من المهم التحدث عن الخطاب الإعلامي التعبوي الذي يتمثل في إستخدام الإعلام بشكل مكثف في تعبئة الجماهير بإتجاه قضية تحرير الوطن من أجل الإلتفاف حولها وتبنيها. وقد يمازج الإعلام التعبوي بين كل أنواع الخطابات المذكورة أعلاه طبقاً لمتطلبات الحالة التعبوية. وبغض النظر عن نوع الخطاب، لا بد أن تكون مادته قادرة على الإقناع من خلال خلق الإنتباه عند المتلقي ثم القبول به، إذ أن هناك بديهية معروفة تقول أنه كلما كانت المادة ذات قدرة على إشغال حيز في عقل المتلقي فإنها ستتمكن من الإنظمام إلى المخزون المعرفي لديه حيث سيرسلها العقل الظاهر للتخزين في العقل الباطن وسيعتمدها التفكير الذاتي كمادة اقرب إلى الرسوخ من تلك المادة الإستهلاكية التي لا تتجاوز حدود ردات الفعل الإنطباعية التي تتلاشى في أقرب فرصة.

 

ولأهمية الخطاب الإعلامي التعبوي المساند للمقاومة في معركتنا مع الإحتلال والقوى الساندة له، فلا بد من التمكن من إرسال خطاب قوي وناجح نابع من الفهم الحقيقي لهذه المهمة والمسؤولية الوطنية والأخلاقية عند معدّيه ومستنداً إلى المعرفة الحقيقية الرصينة والموزونة والواعية التي تراعي رصد دقيق  لكل المجريات والوقائع. لذا فإن الخطاب الإعلامي التعبوي يحتاج إلى إدراك أهميته عند معدّيه قبل متلقيه كي يتمكن من تحقيق أهدافه، إذ أن إطلاقه بدون الإرتكاز على هذا النوع الخاص من الوعي والإدراك سيجعل معدّيه يواجهون حتماً تفاقم حالة اللاقبول التي ستبني ذاتها بشكل تراكمي وتدريجي تولدها عدمية الإهتمام عند المتلقين بسبب فقدان وعي المسؤولية والمصداقية عند معدّي الخطاب الإعلامي الغارقين في إنجاز العمل لحساب ذاتهم ولأجل ترويج أفكارهم على حساب الأهداف والجماهير المستهدفة لإيصال الخطاب إلى أسماعها، والمستمرين دون إدراك بمعالجة كل الحالات بخطاب لا يمتلك مادة موضوعية. كما أن الخطاب الإعلامي التعبوي يتطلب أيضا معارف خاصة، منها معرفة جيدة بالمجتمع ومفاهيمه وثوابته والقوى المؤثرة فيه أزاء مواجهة التحديات القائمة. وبهذا الصدد يمكن الإشارة إلى أهم مواصفات الخطاب الإعلامي هي تلك التي تقف في مقدمتها اللغة المقرونة باللياقة والتي تعتبر العامل الأساس في توصيل الخطاب وتأثيره على الجماهير، وأن يكون لمادة الخطاب دوراً مهماً في تفعيل الطاقات الكامنة للجماهير بإتجاه القضية، وأن يتسم بوضع المصلحة الوطنية العليا فوق المصلحة الحزبية أو الفئوية أو الشخصية، إضافة إلى إختيار المفردات التي تليق بقدسية القضية وعظمتها. كما أن حشد الشعارات والإكثار من الهتافات يجعل الخطاب الإعلامي إنشائياً وتهريجياً ويجعل بعض الخطابات لا تحقق الهدف منها في المواجهة الإعلامية مع إعلام الإحتلال خصوصاً عند الخوض في التفاصيل غير الهامة وتحويلها إلى قضايا هامة. وذلك يسبب الإبتعاد عن القضايا الرئيسة والإنشغال عن نوايا ومخططات العدو وبرامجه، خصوصاً اللجوء إلى بث الأخبار غير الدقيقة والحقائق المشوهه أو تفريغ الأخبار من محتواها الحقيقي بإضافات مفبركة لاقيمة لها، وتشتيت الإهتمام عن طريق طرح قضايا جانبية، وتطعيم الكتابات والمقالات ببذيء الألفاظ وتوافه العبارات والسب والشتم وبكل العبارات البذيئة والسوقية.

 

ومهما كان العدو غارقاً في السوء نتيجة جرائمه التي لاتغتفر فإن ما يخيفه هو كشف حقيقته ودوره في تدمير الوطن وليس سماعه وقرائته للسباب والشتائم. ولكن للأسف نجد أن بعض الباحثين عن الإثارة غارقين في تلك السلبيات وبذلك فهم يضروا أكثر مما ينفعوا بإصرارهم على الإيغال في هذا النوع من الخطاب الذي يقدموا من خلاله خدمة مجانية للمحتل وأعوانه والتقليل من أهمية وعدالة القضية الوطنية.

 

لذا على الكاتب أن يتساءل قبل كل شيء عن الكيفية التي تنظر فيها الجماهير إلى ما يكتبه من إستخدام للعبارات والألفاظ البذيئة حين ينقد مواقف أو تصرفات لأي كان على الملأ وأمام الجماهير. وبالتأكيد أن الإدراك البسيط للمتلقي ينظر إلى عقلية الكاتب ويستفز في داخله تساؤلاً: ماذا يمكن لعقل هذا الكاتب أن ينتج؟ والجواب ببساطة هو خطاباً قوامه الخداع والتهويش لتغطية العجز في إستخدام أساليب وأدوات المواجهة شكلاً وموضوعاً، وأما القدرة على الإنتاج في المجالات الأخرى فستكون بالتاكيد مثار شك، وربما  يكون القصور في إدراك المسؤولية الملقاة على عاتق الكاتب هو ما يستدعيه اللجوء لهذا الأسلوب الرخيص الذي قد يبرره بأنه يدخل في باب الخطاب الحماسي أو العاطفي أو الثوري وما إلى آخره من مبررات لا تعبر في الحقيقة إلا عن فشله وخطابه الفارغ.

 

قد يقول البعض أن أسلوب الكتابة بهذه الطريقة يجد صداه أو أنه يستهوي البعض، وبالتأكيد هم قله، وسوف لا تتعدى هكذا خطابات الأبواب التي تطرقها لهذه القلة ولن تكون زاداً للجماهير إن لم تشكل ضرراً و وسيلة للطرف المعادي للإستهانه بقيمة وقدسية أهدافنا، لأن السباب والشتائم للعدو لن تحقق أي هدف على الإطلاق مهما بلغ سيلها. ومن هنا فإن أسوأ ما في سلبيات العمل الإعلامي الوطني المضاد لبرامج العدو التي تستخدم آلة الكذب هو أن تكون مواجهتها بسلاح الكذب أو الفبركة وإختلاق معلومات غير صحيحة. ولابد للكاتب أن لا ينسى خطورة الكذب، إذ قد يتحول إلى سلوك طبيعي عند ممارسته لفترات طويلة، وإذا لم تتمكن أعماق الوعي عند الإعلامي أو السياسي من تجاوز ذلك. ومن الأمراض الخطيرة أيضا في الإعلام العربي عموماً هي نفخ الذات على حساب القضية. والحقيقة أن هذه الحالة التورمية أصبحت صفة ملازمة للبعض دون إرادتهم بسبب إستغراقهم الدائم في تسطير خطابات الصراخ التي أصبحت شبه يومية عندهم.

 

إن الديناميكية في الخطاب الإعلامي من أجل مواجهة الحالات القائمة والسريعة وإستصدار مواقف منها يجب أن لا تذهب بالكاتب بعيداً فيشتط ويذهب مستغرقاً في الحالة الإنشائية والعاطفية أو ردود الأفعال السريعة التي تفتقد الموضوعية والحس الثاقب في تلمس نقاط الضعف والقوة في الحدث لأجل إستثارتها و وضعها أمام المتلقي لإدراك مضامينها، إذ أن التسرع في بناء الموقف وإطلاقه يحول دون إنجاز هذه المهمة حتى لو برر ذلك بأنه ينطلق من التفاعل العاطفي مع الحدث، فهذه الحالة تكون أشبه بالعلاج بالمسكنات .

 

و ليس من باب السبق حين نقول أن الإعلام الغربي المعادي يبني إستراتيجيته لمواجهة الخطاب الإعلامي العراقي المقاوم مستنداً إلى حقيقة مهمة لا يمكن إنكارها ومفادها أن الإعلام العربي والعراقي المقاوم بالذات أقرب إلى العاطفة منه إلى إستعراض الوقائع والتعامل معها. لذلك فإن الإعلام المعادي يستغل هذه الصفة الملازمة للخطاب الإعلامي المقاوم لتهشيمه ونسف مصداقيته وإتهامه بكل الشرور والصفات السيئة، إبتداء من خروجه عن الموضوعية وإنتهاء بالتحريض على «الارهاب». وهذا ما يفترض من المعنيين بقبول النقد بشأنه وتصحيح الخطأ لإثبات العكس .

 

 

إن إنجاز خطاب إعلامي قوي ورصين وفاعل ومتفاعل مع الحقائق ومؤثر على العدو وأساليبه الدعائية   ليس بالأمر المستحيل إطلاقا إذا إعتمد خطابنا المساند للمقاومة على الصدق والمنهج العلمي في التعامل مع الوقائع والتجرد من الأهواء الشخصية وإعتماد الحرفية المهنية العالية والموضوعية التي تأتي من تعدد وجهات النظر والإبتعاد كلياً عن خطاب الصراخ المجافي للموضوعية. وستكون الإستنارة بهدي الآية الكريمة ( فأما الزبد فيذهب جفاءاً, وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض ) «آية 17 سورة الرعد»، نبراساً لمن يريد أن يركن إلى كتابة خطاب موزون حكيم يقنع العاقل وغيره عدواً كان أم صديقاً. ولا بد للكاتب أن لا يضع نفسه في إطار مغلق لا يستطيع الحراك خارجه حيث يسطر الكلمات جزافاً وعندها تتسع الهوة بينه وبين الحقيقة يوماً إثر يوم، وكذلك عليه أن يدرك أن الخطاب المؤثر هو من يقرأ المتغيرات والأحداث ويحللها ويغربلها بغربال الحقيقة الواعية ويقدمها بلغة سليمة مقبولة إجتماعياً وأخلاقياً وبشكل معبر عن  المسؤولية والحرص لخدمة قضية الوطن.

 

وختاما فإن صدق الرسالة والإلتزام بالحفاظ على قيمتها هو ما يجب أن يميز خطابنا الإعلامي مستذكرين دائما أنه رغم كل وسائل الكذب والإدعاءات المفبركة والتهريج في مسألة أسلحة الدمار الشامل وغيرها من مبررات تسويق الحرب، إلا أنها قد سقطت جميعها اليوم كونها جانبت الحقيقة والموضوعية وبقيت الرسالة الصادقة عن عدم وجود أية مبررات قائمة للغزو وستبقى هكذا الى يوم يبعثون، وهذا دليل على أن كل الفبركات لابد لها أن تسقط آجلاً أم عاجلاً.