إسرائيل" ترسم ملامح وحدود "الدويلة" الفلسطينية

 

 

 

بقلم : الياس سحّاب

 

لم يعد هنالك أدنى شك في أن العرب "عموماً" والفلسطينيين "خصوصاً" يواجهون حالياً أسوأ مراحل القضية الفلسطينية، وذلك ليس فقط منذ إنشاء دولة "إسرائيل"، بل منذ انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا عام 1897.

وليس من المبالغة في شيء القول إن المرحلة الراهنة، إذا ما قدر لها أن تسير إلى نهاياتها بغير أي تبدل جذري في التحرك السياسي، سواء على صعيد القوى الكبرى في المجتمع الدولي، أو على صعيد الدول العربية والشعوب العربية، فإنها ستصل حتماً إلى اكتمال المعادلة الأساسية في المشروع الصهيوني  الاستعماري، القائمة على عنصرين أساسيين:

 

استكمال قيام "إسرائيل" الكبرى على كامل التراب الفلسطيني، أو القسم الأكبر من هذا التراب.

 

استكمال تحول "إسرائيل" إلى دولة أساسية في المنطقة العربية، باعتبارها الدولة العظمى في المنطقة العربية، التي تسيطر سياسياً على بقية دول المنطقة.

 

أقول وأؤكد أن هذه الصورة أقرب ما تكون إلى الواقع الذي ترتسم ملامحه أمامنا على أرض فلسطين وفي المحيط العربي:

 

 

 

ففي المحيط العربي لفلسطين نرى تكاملاً غريباً بين موقفين عربيين بالغي السلبية، يتمثل الموقف الأول في الانسحاب الكامل لكل الدول العربية من الصراع العربي  "الإسرائيلي"، بكل ميادينه العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية، ثم اتجاه كل هذه الدول (بأشكال مختلفة) إلى تطبيع العلاقات مع "إسرائيل"، دون أي ضغط حقيقي لانتزاع حلول سياسية من "إسرائيل" تقترب ولو نسبياً من ملاقاة الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية. حتى إن التحرك العربي الحالي في إطار الجهود السياسية لا يكتفي بعدم ممارسة أي ضغط على "إسرائيل"، ولكنه يتحول تدريجياً إلى تهدئة الانتفاضة الفلسطينية والسماح عمليا ل "إسرائيل" بالمضي قدماً (وبهدوء) باتجاه تنفيذ ما تبقى من مخططات الاستيلاء على ما تبقى من فلسطين.

 

 

 

أما على أرض فلسطين، فحدث ولا حرج.. فعلى الرغم من قيام الفلسطينيين بانتفاضتين كبيرتين منذ احتلال 1967، فإن مراجعة الوقائع الميدانية ليوميات الاحتلال "الإسرائيلي"، تؤكد لنا ونحن في العام 2005، أن "إسرائيل" لم تتوقف يوماً واحداً، منذ استيلائها على غزة والضفة الغربية في يونيو/ حزيران 1967، عن تنفيذ مخططاتها الاستراتيجية في الاستيلاء على كامل التراب الفلسطيني، وذلك عبر خطوات شديدة التنوع والتكامل، بين المدى القريب، والمدى المتوسط، والمدى البعيد.

 

 

 

ومن غير أن نضطر إلى استعراض تفصيلي لكل هذه الوقائع، فإن بوسعنا الاكتفاء بإلقاء نظرة حالية على أوضاع الضفة الغربية وغزة، بعد تقدم "إسرائيل" الهائل في مسيرة الاستيطان (خاصة في الضفة الغربية) والتقدم الهائل في استكمال إنشاء جدار الفصل العنصري، والتقدم الهائل في مشروع تهويد القدس العربية.

 

 

 

ولو بدأنا بقطاع غزة، وهو الذي تطبل الدعاية "الإسرائيلية" والأمريكية والعربية الرسمية، بقرب "تحرره" من الاحتلال "الإسرائيلي"، بعد تنفيذ خطة شارون للانسحاب، وإزالة المستوطنات، فإننا سنلاحظ، حتى لو اكتمل الانسحاب "الإسرائيلي" العسكري من القطاع، واكتملت تصفية كل المستوطنات، أن القطاع سيظل عملياً (خاصة في المجال العسكري) تحت السيطرة "الإسرائيلية" الكاملة، تسيطر "إسرائيل" على القطاع جواً وبراً وبحراً، وتستطيع إعادة احتلاله بساعات قليلة، تحت حجة "دواعي الأمن "الإسرائيلي"". ولعل الأخطر من كل ذلك، أن "إسرائيل"، أمام عيون مصر والعرب والمجتمع الدولي، تقوم منذ سنوات بإعادة رسم حدود قطاع غزة الدولية مع مصر، من خلال هدم مئات المنازل الفلسطينية، وتشريد سكانها، فتحتكر بذلك ترسيم الحدود الدولية وفقاً لخططها الأمنية، إضافة إلى سيطرتها العسكرية الكاملة على تلك الحدود.

 

 

 

أما القدس فإن خطط تهويدها يستكمل بلا كلل أو ملل، في عهود كل الحكومات "الإسرائيلية"، وبمشاركة كل الأحزاب "الإسرائيلية"، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، منذ سبعة وثلاثين عاماً. وقد وصلت "إسرائيل" الآن إلى حدود الاستيلاء الكامل على الأحياء الداخلية للقدس العربية، وتهجير نسبة عالية من سكانها العرب، وقطع كل تماس جغرافي بين القدس العربية، وأي جزء من الضفة الغربية.

 

 

 

أما الضفة الغربية، فإن نسبة ما بقي بين أيدي الفلسطينيين العرب من أراضيها، في تناقص مستمر سنة بعد سنة، ويوماً بعد يوم، أمام زحف التكتلات الاستيطانية "الإسرائيلية"، التي تمارس "إسرائيل" إنشاءها وتوسيعها بحرية مطلقة، ولا تمارس أمريكا في مواجهة ذلك سوى المساندة أو العتاب الرقيق، الذي لا ينفع حتى في مجال ذر الرماد في العيون، ولا ينفع حتما في تشكيل أي حاجز حقيقي في مواجهة أو لجم المطامع التوسعية "الإسرائيلية".

 

أما آخر أخبار الوقائع الميدانية هذه، فهي ما تمارسه "إسرائيل" في القرى العربية التي تصل بين الضفة الغربية والأردن في المناطق الحدودية. آخر هذه الأخبار تؤكد أن "إسرائيل" تستكمل عملياً في المناطق الحدودية عمليات الاستيلاء والتهجير التي ستتيح لها قريبا الفصل الحدودي الكامل بين الضفة الغربية والأردن.

 

 

 

إن الصورة الكاملة لهذه الوقائع، تؤكد لنا أن "إسرائيل" قد نجحت أمام عيون المجتمع الدولي والدول والشعوب العربية في تقزيم ما تبقى من أرض عربية في فلسطين إلى أدنى حد ممكن، قد لا يتجاوز في مجموعه العشرة بالمائة من ارض فلسطين التاريخية، دون تواصل بين المساحات المجتزأة التي تشكل في مجموعها هذه المساحة الممسوخة من أرض فلسطين العربية.

 

كذلك، نجحت "إسرائيل" عملياً في استكمال رسم الحدود الدولية لما تبقى من أرض فلسطين مع محيطها العربي الطبيعي في الأردن ومصر.

 

 

 

المرجح عملياً، أن "إسرائيل" لن تسمح بانطلاق مفاوضات الحل النهائي، إلا بعد استكمال نهائي لترسيم الملامح الداخلية "للدويلة الفلسطينية" القزم والمقطعة الأوصال، واستكمال السيطرة على حدود هذه "الدويلة" مع كل من مصر والأردن، تاركة للعرب مجرد الموافقة على ما نجحت حتى الآن في فرضه من وقائع ميدانية عملية.