المقاومة.. وواجب الوقت

 

 

 

بقلم : د. محمد عياش الكبيسي

           - ممثل هيئة علماء المسلمين في الخارج

 

ترتبط بعض الواجبات الشرعية بأوقات حددها الشرع نفسه، وذلك مثل الصلوات الخمس وصوم رمضان، وهذه مسألة معروفة لدى عامة المسلمين وخاصتهم، وهذا ما اصطلح عليه بواجب الوقت، الا أن هناك صورة أخرى لواجب الوقت يغفل عنها كثير من المسلمين اليوم وهي تلك الواجبات الشرعية المرتبطة بأوقات تمليها وتحددها طبيعة التحديات التي تواجهها الأمة ومنهجية الاسلام في التعامل مع هذه التحديات، وهذه الصورة تكتسب أهمية استثنائية حيث يرتبط بها في كثير من الأحيان مصير الأمة ومستقبلها وربما مستقبل الاسلام نفسه!!

 

ان الجيل الأول بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم كان مدركا لحقيقة «واجب الوقت» هذا وتعامل معه بجدية بالغة فلم يتخلفوا عن «الهجرة» التي كانت تعد واجب الوقت في تلك المرحلة لانقاذ الدعوة وقيام دولة الاسلام، وهكذا تعاملوا مع «النفير العام» في غزوة الأحزاب حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجل صلاة العصر لانشغاله بحفر الخندق البخاري 4259، لكن الأمة اليوم لما تحولت من «أمة الحركة» الى «أمة الشعائر» صرنا نرى ملايين المسلمين يزحفون للحج والصلاة وينفقون الأموال الطائلة في بناء المساجد - وهذه كلها أعمال جليلة- لكن لو قارنا هذا بموقف الأمة من الواجبات الشرعية المتعلقة بمصير الأمة نفسها ومستقبل وجودها لرأينا خللا كبيرا ينم عن ثقافة دينية مشوّهة لا تنسجم مع طبيعة الاسلام ومنهجيته في التعامل مع قضايا الحياة الكبيرة.

 

ان المسلم الذي قرأ تاريخ الاسلام العظيم في مواجهة التحديات والنفير العام الذي كان يضم المسلمين حول (واجب الوقت) من الهجرة الى الخندق ومن «وا معتصماه» في عمورية الى «وا اسلاماه» في عين جالوت عليه أن يسأل: ما هو واجب الوقت اليوم؟ ان هذا السؤال ليس ترفا ولا نافلة وانما هو ضرورة دينية لا يغني عنها حج ولا صلاة ولا صدقة ولا صيام!

 

ولإبراء الذمة والوفاء بالعهد الذي قطعه الله على العلماء «الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا الا الله»(الأحزاب:39) نقول ان واجب الوقت اليوم هو مقاومة العدوان الصهيوني الأمريكي على الأمة بكل الوسائل المشروعة ولا تبرأ ذمة أي مسلم أو مسلمة في أي مكان في الكون الا بأن يقدم ما يستطيع من دم أو مال أو فكر لصالح المقاومة «فاتقوا الله ما استطعتم»(التغابن:16)، وتنبني على هذا أمور شرعية في غاية الخطورة والأهمية ونحاول تلخيصها في النقاط الآتية:

 

1- إن واجب الوقت واجب فوري لا يحتمل التراخي أو التأجيل لأنه مرتبط بحدث حاضر وتحد ماثل، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية واذا استنفرتم فانفروا»(البخاري 2631) فمن فاته واجب الهجرة لا يمكن أن يقضيه لأن سبب الهجرة قد انتهى، ثم اشار الحديث الى واجب آخر وهو النفير وربطه أيضا بسبب وهو «الاستنفار» كما اذا دوهم المسلمون أو تعرضت بلادهم للعدوان فاذا زال السبب زال الوجوب، وقد ملأ قلبي وعيني ذلك الطفل الذي قال لأمه: أريد أن أذهب الى الجهاد!! فقالت له الأم: أنت الآن صغير واذا كبرت فستذهب الى الجهاد، فقال لها صغيرها: أخاف اذا كبرت لا يبقى جهاد!!! ان هذا الطفل بفطرته أفقه مائة مرة من كل دعاة التثبيط وفقهاء الهزيمة.

 

2- ان كل واجب يتعارض مع واجب الوقت (المقاومة) تعارضا حقيقيا فانه لا بد من تكييفه وفق قواعد شرعية منضبطة لكي يتناسب مع واجب الوقت ولنأخذ هذه الأمثلة:

 

- الصلاة وهي من أهم أركان الاسلام رأينا كيف أن رسول الله قد أخر صلاة العصر أثناء انشغاله بحفر الخندق، وفي الفقه الاسلامي تعديلات كثيرة لأركان الصلاة وواجباتها في ساحة المعركة تحت اسم «صلاة الخوف» ومما قاله الفقهاء في هذا قول الإمام الأوزاعي «إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء كل امرئ لنفسه فان لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال» صحيح البخاري 1/320.

 

- صوم رمضان وهو ركن آخر من أركان الاسلام وقد ورد في صحيح مسلم «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح الى مكة في رمضان..ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس اليه ثم شرب فقيل له بعد ذلك ان بعض الناس قد صام فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة!!» (2/785) ولو سألنا كيف تحول صوم رمضان الى معصية؟!! وما هو العامل المؤثر في تغيير هذا الحكم الشرعي لأدركنا حقيقة «واجب الوقت» وأهميته في الأولويات الاسلامية.

 

واذا كان هذا التعديل طال أركان الاسلام المهمة كالصلاة والصوم لصالح واجب الوقت فكيف بمن ينشغل بالنوافل والمستحبات وينفق أمواله في زخرفة المساجد وهو يرى ما تتعرض له الأمة من استهداف خطير يمس هويتها وشرفها وأرضها وسماءها!! بل كيف ببعض الفقهاء الرسميين والدعاة المهزومين الذين نسمع منهم «والله نحن ما نقول المقاومة حرام» «الذي يريد أن يقاوم له ذلك» أما أولئك الذين يحرمون المقاومة ويباركون الاحتلال!! فان الله والتاريخ والعالم سيلعنهم لأن الله العزيز قال: «إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) (البقرة/159) والسؤال الميداني المهم هنا: هل هناك واجبات شرعية اليوم تتعارض مع (واجب الوقت) تعارضا حقيقيا بحيث يلزم الاجتهاد لتكييفها بما يناسب واجب الوقت؟ نعم هناك مسائل كثيرة يدور حولها النقاش تدخل في هذا الإطار وربما سنعرض لها في حلقات قادمة ان شاء الله.

 

3- ان الواجبات الشرعية الأخرى التي لا تتعارض مع «واجب الوقت» لا يصح أن نتعامل معها كواجبات منفصلة عن هذا الواجب، بل لا بد من تعاضد جميع الواجبات لدعم هذا الواجب وقد مر معنا في الحلقة السابقة قوله تعالى «أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين»(آل عمران:19) فانظر كيف وصف الله الذين يسقون الحجيج ويعمرون المسجد الحرام بأنهم ظالمون وما ذاك الا لأنهم فصلوا بين هذه الأعمال المشروعة وبين الايمان والجهاد، وفي كثير من الآيات يقرن القرآن بين الصدقة والجهاد فقال مثلا «ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله» (التوبة:111) وقال أيضا «انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله»(التوبة:41) وفي الذكر وهو العبادة الروحية يقول القران «يا أيها الذين آمنوا اذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون»(الأنفال:45) وهكذا في كل الواجبات، ومن الغريب أن نخضع اليوم لثقافة «تخصصية» لكنها حقيقة تجزيئية خطيرة لطاقات الأمة وامكانياتها، ولننظر على سبيل المثال كيف حيدوا فعاليات عظيمة في الأمة وعزلوها عن ميدان الصراع فالمدارس والجامعات التى تقوم بـ«واجب العلم» كيف عزلوا هذا الواجب عن «واجب الجهاد» بمسمى «العلم للعلم» و«المتطلبات الأكاديمية» وعزلوا الاعلام أيضا الذي كان يفترض أن يسهم في تعبئة الأمة وصمودها بمسمى «الموضوعية» و«المهنية الاعلامية» ثم اتجهوا أخيرا الى «الزكاة» فأبعدوها عن دورها الحقيقي بمسمى «تجفيف منابع الارهاب» والى الصلاة والحج أيضا تحت مسمى «تنزيه الدين عن السياسة» وهكذا!! والمشكل في كل هذا أن يجد هذا المخطط التفكيكي الخطير من يدعمه بالرأي والفتوى!!

 

4- ان القاعدة الأصولية التي تقول «ما لا يتم الواجب الا به فهو واجب» لا بد أن نفهم منها أيضا «ما لا يتم واجب الوقت الا به فهو واجب الوقت» وهذا يتعلق بالذين يقومون فعلا بأداء هذا الواجب اذ عليهم أن يتنبهوا الى أن هناك واجبات متصلة بواجب الوقت لا تقل أهمية عن واجب الوقت نفسه فالقتال هو الصورة الأخيرة لمشهد المقاومة يقوم به من مكنهم الله بالشجاعة والقدرة الجسدية والخبرة القتالية الا أن هذه الصورة يجب أن تلتحم بها صور أخرى مثل القدرة على الانسجام والتنسيق الداخلي بين كل فصائل المقاومة «تنظيم المقاومة» فالله يقول «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم»(الأنفال:46) والقدرة على التعبير والدفاع عن شرعية المقاومة ورد الشبهات والاشاعات بأدوات ومهارات تتناسب مع حجم التضحيات «الاعلام المقاوم» وهكذا في «التربية المقاومة» و«الفقه المقاوم» و«السياسة المقاومة» و«الاقتصاد المقاوم» بحيث تتمكن المقاومة من سد جميع الثغرات من ناحية واستيعاب جميع الطاقات الداعمة من ناحية ثانية.

 

5- ان واجب الوقت ينبني عليه نوع من الولاء والبراء، وهذه نقطة في غاية الحساسية والأهمية! ولنقدم أولا التأصيل الشرعي ومن خلال تدبر هذه الآية الكريمة: «ان الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا»(الأنفال:72) هذه الآية تصرح بأن الذين «آمنوا» لكنهم «لم يهاجروا» لا يدخلون في ولاء «المؤمنين للمهاجرين» و«الأنصار» الذين آووا المهاجرين ونصروهم، والظاهر أن الهجرة ليس لها ميزة عن بقية الواجبات والأركان الا أنها «واجب الوقت» الذي يرتبط به مستقبل الاسلام ومصير الأمة، فلولا الهجرة لما قامت دولة الاسلام أصلا وهذه الحالة هي التي منحت الهجرة هذه الأهمية الاستثنائية في الاسلام، يقول ابن عبد البر «وكان ذلك الوقت من حدود الاسلام وفرائضه البيعة على هجرة الأوطان والبقاء مع النبي ولذلك كان قطع ولاية المؤمنين المهاجرين ممن لم يهاجر منهم فقال - ثم ذكر الآية- وقال رسول الله: أنا بريء من كل مسلم باق مع مشرك»(التمهيد12/ 224)، وقال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية «وان لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين والا وقعت فتنة في الناس وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين» (2/321) ومن كل هذا نفهم أن الذين يقومون بـ«واجب الوقت» اليوم وهو «المقاومة» لا بد أن يضمهم ولاء خالص يبعدهم من التداخلات والمؤثرات الخارجية وهذه (ضرورة شرعية) و(ضرورة تنظيمية) أيضا، وأن يتبلور هذا في عقد مكتوب وواضح، وهذا النوع من «الولاء» أو «العقد» أو «البيعة» صرح به القرآن بقوله «لقد رضي الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة»(الفتح:18) وهذه بيعة خاصة في ظرف خاص كما هو معلوم في كتب السيرة، والساحة الاسلامية اليوم تشهد ولاءات وبيعات على أسس فكرية أو حركية أو مذهبية أو حزبية وبغض النظر عن موقف الاسلام التفصيلي من كل هذا نقول:ان هناك حالة جديدة قد طرأت وهي «احتلال العراق» وقد نتج عن هذه الحالة موقف شرعي عظيم وهو واجب الوقت «المقاومة» فلا يصح أن تبقى تلك الولاءات المذهبية والحزبية على حالها بحيث تؤثر على الواجب الأهم في مثل هذه الحالة، لقد رأينا كيف أن الاسلام شرع ولاء خاصا بالهجرة ورتب عليه أحكاما مفصلة، لأهمية الهجرة في تلك المرحلة، والناظر في الواقع اليوم لا بد أن يقتنع أن مقاومة المشروع الصهيوني الأمريكي لا يقل أهمية عن الهجرة في تلك المرحلة، مع ملاحظة أن هذا الولاء هو لضمان وحدة المقاومة وسلامتها وليس هو انفصال عن جسد الأمة الكبير وان كنا نعتقد أن الأمة يجب عليها وجوبا عينيا أن تنخرط كلها بشكل من الأشكال المشروعة لهذه المقاومة المفصلية العظيمة في تاريخ الأمة.