قبل أيام من الانتخابات
البرلمانية
قراءة في الوضع السياسي المصري
بقلم أسامة الهتيمي
ليس من الحكمة أن نخرج بنتائج تحليلية سريعة
للوضع السياسي في مصر خلال الشهور الماضية كأداة لاستقراء الصورة السياسية التي
ستكون عليها البلاد خلال الشهور القادمة.. خاصة وأن الكثير من التوقعات الاستباقية التي طرحت تبين سذاجتها وتهاوت بنيتها ولم تكن
معبرة عن حقيقة الحدث وتداعياته بقدر كونها تعبر عن أمنيات.
فالأمر يحتاج إلى التأني الشديد والنظرة الشاملة
المتعمقة لتنامي وتطور الأحداث مع ربطها بسياقات تاريخية وفكرية متعددة قديمة
وحاضرة على أن لا يكون كل ذلك منفصلا عن قضية هامة تتمثل في مجريات الوضع العالمي
وآليات تطوره واتجاهاته.
وفي بداية العرض يمكن
الادعاء بأن ما شهدته مصر خلال الشهور الأولى من عام 2005
وحتى الآن من حراك سياسي يفوق في صورته ما شهدته البلاد
خلال عدة عقود ماضية حدثت خلالها حالة من التكلس السياسي حيث استطاعت القوى
السياسية - بما فيها الحزب الوطني الحاكم - أن تضع الملامح الأساسية لمطالبها
وأهدافها التي لم تتح لها الفرصة من قبل للتعبير عن حقيقتها .
فأغلب الأحزاب
السياسية كانت تتبع - وحتى قبل شهور قليلة ماضية - منهج التقية في تعاملها مع
النظام الحاكم حيث أصبح معلوما لدى كل العاملين في العمل السياسي ملامح الخطوط
الفاصلة بين ما يجوز وما لا يجوز في المباريات السياسية وتعارف الجميع على أن مفهوم المعارضة لا يتجاوز حد انتقاد
الحكومة وعدم المساس برأس النظام المتمثل في شخص رئيس الجمهورية وهو ما جعل اللعبة
السياسية لا تعدو عن كونها حالة من تحقيق المنافع والمكاسب السياسية لهذه الأحزاب .
وأبرز ما تمثل ذلك في
تراجع ما يسمى بالأحزاب الكبرى – الوفد والناصري والتجمع - عن مطلبها الأساسي
بتعديل الدستور خلال حوارها مع قيادات الحزب الوطني مقابل الحصول على عدد محدد
ومحدود من المقاعد البرلمانية حسبما تردد في الأوساط السياسية وقتها .
وفجأة وبدون مقدمات
أعلن النظام السياسي عن رغبته في إحداث تعديل دستوري يسمح بإجراء انتخابات رئاسية
متعددة على الرغم من مرور أقل من شهر على
التصريحات التي أدلى بها الرئيس المصري قبيل
سفره إلى "أبوجا" للمشاركة في إحدى الفعاليات
الإفريقية والتي أكد خلالها أنه لا نية لتعديل الدستور وأن الوقت ليست مناسبا لذلك
.
أما الحزب الوطني - الذي
يحكم منذ أكثر من ثلاثة عقود - فقد اتضح جليا للجماهير أنه مجرد لافتة سياسية ينضم
تحت لواءاها عشرات ألآلاف من الذين يحملون بطاقة عضويته غير أن أغلب هؤلاء لا
تربطهم بالحزب سوى مآرب ليس لها علاقة بالإيمان الفكري بما يطرحه الحزب فضلا عن
عدم امتلاكهم للقناعة التي يمكنهم بها الدفاع عن
إنجازات حكومات الحزب أو حتى مجرد تبرير منهجه السياسي إلى الدرجة التي أصبح فيها
حمل بطاقة عضويته مزحة يتندر بها المصريون .
فقد عجز الحزب الحاكم
بكل ما يملك وبكل ما أتيح له من امتيازات من المواجهة السلمية للمظاهرات التي جابت
شوارع القاهرة تندد بالنظام السياسي وتطالب بسقوطه وعندما أراد الحزب أن يستعرض
عضلاته التنظيمية في الرد على هذه المظاهرات وإثبات أن الشارع في صف النظام المصري
حشد ما استطاع حشده من البلطجية وأبناء الأحياء الفقيرة
الذين تم استئجارهم ليرددوا هتافات وشعارات أساءت للنظام ووضعته في مأزق سياسي
اضطرت قياداته إلى أن يطالعونا في وسائل الإعلام
بابتساماتهم المعهودة ليؤكدوا أن مثل هؤلاء الفقراء هم أعضاء وقاعدة الحزب
الوطني وأنه ليس في الحزب بكوات !! في حين انعدم تماما خروج قيادات الحزب ومنظريه
أو حتى من يمكن أن يعبر عنه بطريقة مشرفة .
وتطرق الأمر إلى أن
مارس هؤلاء المستأجرون الاعتداءات بالسب والضرب على النشطاء
من التيارات والأحزاب السياسية أمام كاميرات وعدسات الصحف ووكالات الأنباء
العالمية التي سرعان ما طيرت هذه الأنباء لتزيد صورة النظام السياسي المصري سوادا
فوق السواد .
وكان يومي 25 / 5 و7
/ 9 من عام 2005 نموذجان واضحان لحجم
الانتهاكات التي مارسها هؤلاء الحزبيين بمعاونة رجال الشرطة والتي كشف فيها الحزب
والنظام عن رغبتهما الحقيقية في سحق المعارضة والنشطاء
غير أن هذه الممارسات جاءت في صالح المعارضة المصرية بغض النظر عما نتج عنهما من
ضحايا عنف وهتك أعراض حيث كان رد الفعل الشعبي وفضح هذه الوسائل القذرة طوق النجاة
الذي أعطى دفعة جديدة للحياة السياسية كما كان دافعا إلى أن تتحرك أبواق الدفاع عن
الديمقراطية في البيت الأبيض مؤكدة أنها لم تعطي الضوء الأخضر للنظام المصري في أن
يتعامل بهذه الوحشية مع المعارضة المصرية بل إنها مصرة على تحقيق الديمقراطية وحق
الجماهير في التعبير عن نفسها طالما كان ذلك بالوسائل السلمية .
ومع أن مثل ردود
الفعل هذه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وغيرهما ليس في إدراك
الاتجاهات السياسية ولا تعمل له بل على العكس فإن أغلبها يرفضه ويهاجمه إلا أن ذلك
كان ذو تأثير كبير على النظام وأجهزته الأمنية في أن يحيد عن أساليب الانتهاكات
ويتبع أسلوبا آخر يمكن معه السيطرة على الموقف وتحديد سقف لا يمكن تجاوزه .
وحاول النظام أن يستغل ذلك التحول الإجباري
ليوظفه في صالحه وخدمته بادعاء أن ذلك المنهج هو الفكر الجديد الذي يتبناه الحزب
الحاكم والذي يقضي بتوسيع هامش الحرية والديمقراطية ويشجع الأحزاب السياسية على أن
تكون أحزاب جادة ومنافسة حقيقية للحزب الوطني .
ونسجت من جديد مسرحية
انتخابات الرئاسة التي حاول النظام جاهدا أن يكسبها المصداقية والمشروعية بدعوة
قيادات الأحزاب السياسية للانخراط والمشاركة في الانتخابات وهو ما قوبل بتعجب
ودهشة من قبل الشارع المصري إذ كيف يلح مرشح ما في دعوة منافسيه على خوض معركة
أمامه إلا إذا كان ذلك مجرد أداء مسرحي وأن الأمور تم ترتيبها بشكل يجعل الأمور
تسير في الاتجاه المراد وبالتالي فإن الهدف هو إيجاد ما يسمى بالمحلل الذي بترشحه
يعطي الحدث شئ من المصداقية .
وقد استطاع النظام أن
يوقع في هذا الفخ بعض العناصر التي تحظي بشئ من الثقة
لدى الجماهير المصرية من أمثال الدكتور نعمان جمعة رئيس حزب الوفد صاحب التاريخ
السياسي المعروف والدكتور أيمن نور رئيس حزب الغد الذي تمكن من تحقيق شعبية لا بأس
بها بالإضافة إلى رؤساء أحزاب غائبة وليست ذات ثقل أو
وزن حقيقي في الشارع السياسي .
ولم يستطع النظام أو
يطيق أن يكون من بين المرشحين من ينتمي إلى التيار الإسلامي متعللا بأن الشروط
التي وضعها هو وقننها لا تسمح بذلك كاشفا بذلك عن عوراته وفبركته المسبقة لكل ما
سيحدث .
النظام إذن غير راغب
في تحقيق الديمقراطية ويصر على أن يقتصر كل شئ على شكليته وديكوريته حتى يمكن أن يمرر
ما يريد وسط تصفيق حاد رجاله وعجز تام من معارضيه .
وكشف النظام بغباء
مطلق عن حقيقة نواياه في أن يورث الحكم بعد أن أكد خلال العديد من التصريحات أن
مصر ليست كأي دولة أخرى جرى فيها التوريث وأن مصر بلد جمهوري وديمقراطي لا يمكن أن
يحدث فيها هذا .. في الوقت الذي يتحايل على الكلمات ويعد
العدة للتوريث .
ولم يعد خافيا على
رجل الشارع العادي أن مقاليد الأمور في البلاد تنتقل شيئا فشيئا إلى من يتم إعداده
أن يكون الوريث الجديد لحكم مصر وذلك عبر الآليات الديمقراطية التي تطالب بها الجماهير وذلك بإجراء انتخابات رئاسية متعددة تشارك فيها
التيارات التي يمكن لها أن تحصل على تأييد 5 % من أعضاء مجلسي الشعب والشورى
والمجالس البلدية لمرشحيها في انتخابات الرئاسة .. وهو ما يعني استمرار انفراد
الحزب الوطني في خوض معركة الرئاسة والتي سيكون مرشحه خلالها المرشح الأوحد ليتحقق
التوريث بالديمقراطية والحرية ودون أن يحق لأحد أن يعترض !!
وربما يتعارض ذلك مع
تصورات البعض ممن يرون أن تطورا ديمقراطيا حقيقيا تشهده
مصر يدفع النظام إلى أن يتخلى عن تطلعاته في التوريث خاصة وأن الحركة السياسية
انتقلت إلى عهد جديد لا يمكن بعده العودة إلى نقطة الصفر ... وهو ما يتفق مع
المنطق والواقع وما يمكن أن يؤدي إلى حدوث حالة صدامية إذا ما أصر كلا الطرفين على موقفه .. لكن حقيقة
الواقع أن النظام يعتبر أن ما تعيشه الحياة السياسية من حالة انفراج منة تفضل بها على هؤلاء ويمكن له أن يحرمهم منها في أي وقت شاء غير
مدرك أن الشارع المصري تطور بالفعل وأن الكثير من التابوهات
سقطت ولم يعد لها قدسيتها حتى لو تم ذلك
بإرادة النظام نفسه .
ولعل ما قاله اللواء
حبيب العادلي وزير الداخلية المصري- في أحد البرامج الحوارية بالتلفزيون المصري - من أن ترك رجال الشرطة
لهؤلاء المتظاهرين لا يأتي عن ضعف من الداخلية ورجالها وإنما هو رغبة من البعض في
أن يترك الناس للتعبير عن آراءهم .. مؤكدا أن رجال الشرطة قادرون على منع أي حدث
يمس أمن واستقرار مصر .
ومن يمكن أن يعترض
على ذلك فالكل مكلف بالحفاظ على أمن واستقرار مصر لكن أي
أمن يشير إليه اللواء العادلي ؟ .. إن مثل هذه
التصريحات رسالة واضحة ومفهومة للجميع
وجرس إنذار لمن يظن في نفسه القدرة على أن يثور الناس أو يهدد أمن الحزب
الوطني أقصد أمن مصر .
ولم تكن نتائج
انتخابات الرئاسة بمفاجأة إلا على المثاليين من أبناء الشعب المصري الطيب الذي ظن
بعضهم أن انتخابات حقيقة ونزيهة سوف تجرى في حين كان المرشحون المنافسون أنفسهم
يعرفون هذه النتائج مسبقا ولم يكن خلافا إلا على أعداد الأصوات التي حصلوا عليها .
وتعلقت آمال الناس من
جديد بالانتخابات البرلمانية التي لا تعرف القيود الصارمة كما هو الحال في
انتخابات الرئاسة والتي تخضع كذلك لاعتبارات ومعايير مختلفة يمكن أن تسمح بوجود
تكتل حقيقي من المعارضة داخل البرلمان بما يحقق التوازن السياسي ولا يسمح باحتكار
الحزب الوطني للحياة السياسية وانتخابات الرئاسة القادمة .
وأعلنت كل الفعاليات
السياسية بلا استثناء عن خوضها المعركة الانتخابية لمواجهة الحزب الوطني سواء كان
ذلك عبر تشكيل جبهات وطنية موحدة أو عن طريق القوائم الخاصة بكل تيار حيث يتوقع
الكثيرون أن تحصل المعارضة باتجاهاتها المختلفة على ما يقرب من 20 % من عدد
المقاعد في حال تعاملت أجهزة الدولة مع
الانتخابات بحيادية ... وهو ما يهدد الحزب الوطني الذي سيخسر الأغلبية المطلقة في
المجلس حيث يتوقع أيضا أن يحصل المستقلون والمنشقون عن الحزب على ما يزيد عن 20 % كذلك
وهو ما سيؤثر سلبا على خطط الحزب تحت قبة البرلمان خاصة وأن هؤلاء المستقلين لن
يعودوا مجددا للإسراع بالإعلان عن الانضمام للحزب الوطني بعد أن تخلى عنهم ورشح
غيرهم فضلا عن ترصد مؤسسات المجتمع المدني لهم باعتبارهم ممن يخونون ثقة الناس
الذي انتخبوهم لكونهم مرشحين مستقلين
وليسوا حزبيين .
المعركة هذه المرة
ستكون مختلفة فالمنشقين عن الحزب الوطني لا يستهان بهم
خاصة وأن عددا كبيرا منهم كانوا نوابا بالمجلس سواء عبر الحزب أو كمستقلين
والمعارضة تشارك بكامل قوتها وتحالفاتها وعيون الإعلام من كل العالم تسلط أضواءها
على الأحداث في مصر راصدة مدى مصداقية التوجه ناحية الديمقراطية والنظام يتحسس
خطواته خشية الوقوع في السقوط في هاوية
الخروج عن السيناريو الواجب إتباعه وأجهزة الأمن تحاول أن تتصنع الحياد
والموضوعية وإن كان لدى بعض هذه القيادات
توجه حقيقي لتحقيق ذلك خاصة بعد ما تعرض بعضهم للمطالبة بمحاكمتهم فضلا عن مطالبة
المجتمع الدولي للتحقيق معهم بعد أحداث يومي 25 /5 و7 /9 الماضيين واستشعارهم
بأنهم كانوا يمكن أن يكونوا كبش الفداء .
ويرى البعض أن الحزب
الوطني في إدارته للمعركة الانتخابية هذه الدورة لن يتبع الأساليب التقليدية التي
مارسها خلال العقود الماضية إلا في حدود الضرورة القصوى تفاديا لما سلف ذكره ... ويشيرون
إلى أن وسائل جديدة ومبتكرة لا يقدر على تحقيقها إلا الحزب الحاكم سيتم تمريرها
لتحقيق النسبة التي تحافظ على ماء وجه وتعكس حقيقة اعتبار أن الحزب الوطني هو حزب الأغلبية .
ويأتي تصريح الدكتور أحمد
كمال أبو المجد نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان من أن التجاوزات التي ستتم
خلال الانتخابات البرلمانية القادمة ستكون في حدود 20 % وأن ذلك في حد ذاته يعتبر
تطور إيجابي خاصة وأن التجربة حديثة تأكيد واضح على نية النظام والحزب الحاكم الذي
يعتبر عن طريق أحد رجالاته أن تجاوز الـ 20 % تطور
إيجابي .
لا يمكن أن يتصور أحد
إجراء انتخابات مصرية بدون انتهاكات أو أن تتحقق النزاهة
الكاملة فالتزوير بنوعيه ( المادي والمعنوي ) أصبح السمة الغالبة والأمر الواقع
الذي يلقاه الناس بفتور ودون انفعالات وهو ما يستغله النظام وينميه عبر وسائل
المختلفة في الوقت الذي يردد من منابر أخرى حرصه الشديد على النزاهة وحق المواطن
في التعبير عن نفسه .. والمدهش أن الجميع يعرف ذلك لكن ليس ذلك محل أهمية الأهم هو
أن يتحقق المراد .
الانتخابات
البرلمانية لن تمثل بؤرة الخطر كما يظن البعض للحزب الحاكم ولن تؤثر على مستقبل
التوريث المرفوض من الجميع وإن كانت
المعركة ستفضح مرة أخرى ممارساته وتضيف إلى رصيده الجديد من الانتهاكات وحقيقة
مواقفه من الديمقراطية التي يحمل اسمها .
وما زال في جعبة
الحزب الحاكم انتخابات مجلس الشورى والانتخابات البلدية التي تجد كل الأحزاب
المصرية صعوبة شديدة في خوضهما إما لنقص في الكوادر وإما لتضخم حجم ما يمارس
خلالهما من انتهاكات فضلا عن عدم إدراك واعي من قبل المعارضة بأهمية الانتخابات
البلدية مثلا وهو ما يقلل من حجم حصول المعارضة أو أي من هذه التيارات السياسية
على 5 % من عدد مقاعد المحليات أو مجلس الشورى.
الكرة ما زالت في
ملعب الحزب الوطني والنظام السياسي فقط وما زالت المعارضة تتربص الفرصة التي يمكن
لها أن تخوض المباراة وتصبح لا عب حقيقي .. فهل يمكن أن
تحقق مرادها أم أن الوقت لم يحن بعد .