تعقيب على
عتاب قبطي
بقلم :محمود سلطان
sultan@almesryoon.com
عاتبني بعض الإخوة
الأقباط على ما اعتبروه "قسوة" مني في نقدي لممارسات الكنيسة المصرية في
عهد البابا شنودة ، و رأى بعضهم أني بالغت و أسرفت في النقد ، خاصة فيما يتعلق
بمسئولية الكنيسة في العقود الثلاثة الأخيرة عن تنامي روح التعصب و العنف الطائفي
بداخلها ، قبل أن يمتد ليشعل الحرائق خارجها . فيما تجاهلت ـ بحسب عتابهم ـ نقد
التطرف من الجانب الإسلامي .
أولا و قبل كل شئ ينبغي أن لا ننكر الدور الوطني للكنيسة المصرية ، و كلنا
يعلم مواقفها الوطنية من الحملة الفرنسية ، و من فيلق القبطي المصري الخائن
الجنرال يعقوب و موقفها من الاحتلال الانجليزي ، و ظلت طوال تاريخها جزءا من
النسيج الثقافي الوطني المصري ، و هو ما توافق عليه السياسيون و المثقفون الأقباط
و رجال الدين منهم أيضا لا فرق في ذلك بين الكاثوليكي و الارثوذكسي.
بل إني أسجل هنا موقفا معلنا للبابا شنودة رحب فيه صراحة بتطبيق الشريعة الإسلامية
على كل الشعب المصري إذ يقول بالنص و بالحرف :" إن الأقباط في ظل حكم الشريعة
يكونون أسعد حالا و أكثر أمنا ، و قد كانوا كذلك في الماضي ، حينما كان حكم
الشريعة هو السائد .. نحن نتوق إلى أن نعيش في ظل : لهم
ما لنا و عليهم ما علينا . .. إن مصر تجلب القوانين من الخارج حتى
الآن ، و تطبقها علينا ، و نحن ليس عندنا ما في الإسلام من قوانين مفصلة ،
فكيف نرضى بالقوانين المجلوبة و لا نرضى بقوانين الإسلام ؟"
هذا كلام البابا
شنودة نفسه .. بل إني كذلك أسجل كلاما شبيها لأسقف
الشباب الأنبا موسى إذ يقول :" نحن مصريون عرفا ، و لكن الثقافة الإسلامية هي
السائدة الآن .. و أي قبطي يحمل في الكثير من حديثه تعبيرات إسلامية و يتحدث بها ببساطة و دون شعور بأنها دخيلة ، بل هي جزء من مكوناته ..
و مصر دائما دولة مسلمة و متدينة ، و لكن بدون تطرف "
و أشير أيضا إلى
الأنبا يوحنا قلتة نائب بطريرك الأقباط الكاثوليك في
مصر ، و إلى قوله :" أنا مسلم ثقافة مائة في المائة .. أنا مسيحي دينا ، و
عضو في الحضارة الإسلامية .. فكلنا مسلمون حضارة و ثقافة ،
و إنه يشرفني و أفتخر أنني مسيحي عربي أعيش في حضارة إسلامية ، و في بلد إسلامي ،
و أساهم و أبني مع جميع المواطنين ، هذه الحضارة الرائعة"
و لضيق المقال هنا
فإنني لن أشير إلى رأي السياسيين من أمثال مكرم عبيد أوالمثقفين
أمثال غالي شكري و غيرهما ، و لكني أتساءل ما الذي أستجد و تغير حتى تنقلب قادة
الكنيسة على عقبيها وتتحرش الأن
بكل مظاهر مصر الإسلامية و جر شكل المسلمين من وقت لآخر و التي بلغت حد دق أجراس
الكنائس وقت أداء المسلمين لصلواتهم ؟! فإذا شئتم أن أتحدث عن هذه "المستجدات"
بالوثائق و المستندات و الشهادات من داخل الكنيسة ذاتها فإنني تحت أمركم .. و إني
لأدخرها للوقت المناسب و سأنشرها كلما اقتضت الحاجة إلى ذلك .
هذه واحدة أما
الثانية ففيما يتعلق بالتطرف بين المسلمين فنحن لم ننكر ذلك بل نعترف به و ننتقده
ونجاهده و ناقشناه علنا في جميع وسائل الإعلام و ليس بين
شيوخ الإسلام من على رأسه ريشة و يتعالى على النقد أو له "قداسة" تعصمه من تقويمه إذا أساء .. و في كل مرة كانت تنتصر
العقلانية و الوسطبة و الاعتدال على دعاة الفتنة و
التطرف و التشدد بين المسلمين .و في المقابل قد سكت الأقباط طويلا عن العنف
والتطرف الطائفي الذي مارسته الكنيسة مؤخرا داخلها ضد المختلفين معها .
كل رعاياها بمن فيهم
صحافيون و مثقفون و كتاب كبار تربطني ببعضهم صداقة و
مودة منذ زمن ، سكتوا على عصبيتها و تطرفها خوفا من أن
ينالهم حظ من غضبها و عقابها ، فيصدر في حقهم فرمانات التأديب و الحرمان .
هذا السكوت أصل من
مكانة الكنيسة الامبراطورية ، كحاكم وحيد مطلق ، لا
معقب لحكمه ، و لا يسأل عما يفعل ، حتى و إن كانت "حماقات" سياسية بالغة
الخطورة !
إذ لم نسمع قبطيا
يعترض على قرارات الحرمان المرعبة و العنيفة المخيفة و القاسية التي كانت تصدرها
ضد من يختلف معها من أبناء طائفتها ذاتها ، و التي بلغت
حد الطرد من الكنيسة و عدم الصلاة عليهم بعد موتهم أو المشي في جنازاتهم .
من من الأقباط اعترض مثلا على قرار الكنيسة طرد رجل الدين
المسيحي الأرثوثكسي و الإصلاحي الديني الكبير القس
إبراهيم عبد السيد ، لمجرد أن الرجل طالب بالشفافية في إدارة شئون الكنيسة المالية
! و كان المشهد أكثر مأساوية و يرق له الحجر و الشجر ، عندما دارت زوجته بجثته كعب
داير على الكنائس التي رفضت جميعها الصلاة عليه ،
امتثالا للفرمان البابوي بحرمانه و إخراجه من "رحمة الرب " !
و أشير هنا إلى أن
القس إبراهيم عبد السيد ، كان صديقا لي ، و أهداني كل كتبه التي انتقد فيها
الأوضاع الداخلية للكنيسة ، و روى لي بنفسه تفاصيل أخرى مروعة قال لي إنه يتحرج من
البوح بها في كتبه ، و أعرب عن أمله في أن تتغير الظروف
، و يصبح الكلام عن "المسكوت عنه " داخل
الكنيسة مباحا و لا قيود عليه .
لم يكن القس عبد
السيد الشاهد الوحيد على عنف الكنيسة و تطرفها بل تكرر ذات السيناريو المأساوي مع
القس دانيال و ديع و مع الكاتب الصحفي القبطي موسى صبري
الذي كشف في مقاله "اللاعبون بالنار" تورط الكنيسة آنذاك في إشعال نار
الفتنة في مصر كلها .
و عندما كتب المفكر
القبطي "نظمي لوقا" كتابه الشهير "محمد الرسالة و الرسول" و
الذي تحدث فيه بإنصاف و بإجلال عن النبي محمد صلى الله عليه و سلم ، قررت الكنيسة
التنكيل به و طرده شر طردة ، و حرمانه من الصلاة عليه ، و دارت أرملته الصحافية "صوفي
عبد الله " على الكنائس كلها تستجدي الصلاة عليه فأوصدت أبوابها في وجهها ، و
لم يجرؤ واحدة منها أن تخالف فرمان صاحب القداسة !
و منذ أيام قليلة مضت
ـ في شهر أكتوبر الحالي ـ منعت رئاسة دير المحرق ،بأسيوط دخول المفكر و السياسي
القبطي المعروف جمال أسعد عبد الملاك ، الدير لأن الكنيسة أصدرت قرارا بطرده منها
و خروجه من "رحمة الرب" لأنه خالف البابا شنوده
و قال إنه "لا يمثل الاقباط"!!!
من إذن يختلف معي في أن هذه الممارسات أصلت
لميراث و تراث دخيل و طارئ من التطرف و العنف داخل الكنيسة ؟! ، و هي أمور مستجدة
و دخيلة عليها ، لا علاقة لها بتعاليم المسيح عليه و على
نبينا الصلاة و السلام ، و إنما ارتبطت بقياداتها الدينية التي تولت صناعة القرار
فيها في العقود الثلاثة الأخيرة و ليس بتقاليدها الأصيلة السمحة المعروفة التي
تستقي شرعيتها من تأصيل روح التسامح و الرفق و اللين مع المخالفين .
و أقول لأشقائي
الأقباط لماذا نتحسس من فتح "ملف الكنيسة" .. و نناقشه بصراحة وبموضوعية
؟! إلى متى نؤجل الكلام في هذا الموضوع ؟! ...لقد بات من الضروري و من الملح فعلا
و بلا مبالغة أو إسراف أن تبادر قوى التنوير و الإصلاح من الأقباط ـ و هم حسب علمي
كثيرون و يحترمهم المصريون و يجلونهم لعلمهم و نبلهم و إخلاصهم ـ بفتح هذا الملف و
مناقشته بصراحة و بشجاعة و أن يبادروا أيضا بعمل مراجعات حقيقية لممارسات الكنيسة
على غرار المراجعات التي تجري الآن في أوساط الإسلاميين ، متى شئنا رأب الصدع و سد
باب الفتنة ، و ليس عيبا الاعتراف بالخطأ و إنما العيب في السكوت عليه إلى أن
يستفحل و يستعصي على السيطرة .