عولمة المسيحية واختراق العالم الإسلامي

 

 

بقلم :حسن السرات

   -كاتب مغربي

 

يوما بعد يوم، يتزايد الحضور السياسي للكنيسة المسيحية على الصعيد العالمي رغم الاختلاف في الملل والنحل، وتثبت المسيحيات القديمة والجديدة أن الدين الذي أرغم على أن يتوارى إلى الساحة الخاصة لا يكتفي بالعودة إلى الحياة العامة بالدول المسيحية التاريخية، بل يمتد بفعل العولمة نحو مناطق جديدة، ويحاول اختراق العالم الإسلامي من جهته الغربية، والاستيلاء على أفئدة جديدة في كل من آسيا وإفريقيا.

 

في صحبة الاستعمار

 

ابتداء من القرن 16 غادرت المسيحيات المختلفة مواقعها التاريخية في أوروبا والمشرق العربي لتصبح حاضرة في العالم كله. ويرجع الأمر في ذلك إلى صحبة تاريخية بين الاستعمار والتنصير الذي رافق قوات الإمبراطوريات المتوسعة أو لحقها من بعد أو سبقها من قبل.  ففرنسا الكاثوليكية انتقلت إلى أمريكا الشمالية في القرن ق17، ثم في أفريقيا والشرق الأقصى في القرن19. وإسبانيا الكاثوليكية رحلت إلى الأمريكيتين والفيلبين. والبرتغال الكاثوليكية حلت بالبرازيل وأفريقيا. أما أنجلترا البروتستانتية فانتقلت إلى أمريكا الشمالية  وأوقيانوسيا وأفريقيا. في حين توجهت هولندا الكالفينية نحو جزر الأنتيل والأرخبيل الماليزي الهندي. حتى أمريكا اللوثرية لم تنس نصيبها فرحلت إلى أوقيانوسيا وأفريقيا. وفي المقابل توجهت روسيا الأرثوذوكسية شرقا نحو اليابان والصين وكوريا.

وتعززت إعادة الانتشار هذه بالهجرات الدينية لأسباب اقتصادية: إيطاليون وبريطانيون وإسبانيون وبولونيون وسلاف وناس كثيرون، فروا من البؤس والشقاء والاضطهاد متجهين نحو الجهات الأربع من العالم، حاملين في صدورهم مللهم ونحلهم. كثير من المسيحيين الأرثوذوكس هاجروا خوفا من الاستبداد السياسي والقمع الحكومي الذي وقع في روسيا البيضاء في ظل النظام الشيوعي، فخرجت الأرثوذوكسية معهم.

نتيجة لهذه التحركات الديمغرافية أصبح يمثل المسيحيون 24%  من 6 مليار من سكان العالم في سنة 2005. مؤشر آخر يدل على العولمة هو ترجمات الإنجيل التي انتقلت من 60 لغة عام 1759 إلى 1950 لغة عام 2005، وإذا احتسبنا الترجمات الجزئية لأجزاء من الإنجيل سيصبح الرقم 2261 لغة.

 

تمزق وتشرذم

 

وهذا التوسع والانتشار تصاحبه ظاهرة في غاية الغرابة والتناقض، وهي التمزق بين المسيحيات والكنائس الذي يصل في بعض الأحيان على التنافس الشديد والتمزق والتشرذم. فهناك الكنسية النسطورية، والكنيسة الكاثوليكية والأرثوذوكسية والمونوفيسية واللوثرية والكالفينية والأنغليكانية، والطوائف الجديدة المنبثقة من الكنيسة البروتستانتية الأمريكية، وهي من الغزارة بحيث لا يمكن إحصاؤها في هذا المقال، وقد قسمها الكاتب جان فيرنيت في كتابه "الطوائف" إلى "الألفيين"، وحركات "اليقظة" و"المعالجين".

من الناحية التنظيمية يمكن التمييز بين ثلاثة أشكال كبرى من التنظيم: أولا هناك الكاثوليكية التي تشتغل مثل ملكية انتخابية مركزة جدا. الشكل الثاني الأرثوذوكسية المبنية على قاعدة قومية. الشكل الثالث وهو الأكبر عددا ونشاطا هو مجرة البروتستانتية بأسمائها الغزيرة (وهي كنائس تجمع بين القومية والانتماء العقدي).

للمسيحية علاقات مختلفة بالجغرافيا السياسية وتسجيل الحضور في جهات حساسة ومختلفة من العالم. الأشكال التاريخية المختلفة من المسيحية ما زالت تتابع السعي نحو تحقيق أهداف جيوسياسية مثل البعثات الكاثوليكية البروتستانتية والأرثوذوكسية وهي نموذج واضح ولكن ليس وحيدا، لأن المسيحيات قادرة على تحقيق أهداف الاحتواء والمنافسة ولو اقتضى الأمر استخدام الأذرع اللائيكية للدولة. مثلا في القرن 19 وأمام انتشار البروتستانتية وتعميمها في المحيط الهادي غداة هيمنة الاستعمار البريطاني، ضغط المبشرون الفرنسيون على نابليون الثالث للاستحواذ على جزر الأرخبيل لتشكيل سد مانع. مثال آخر: الكيبيك التي ظلت تعتبرها الكنيسة الكاثوليكية بمثابة جزيرة وسط محيط بروتستانتي يمكن اتخاذها قاعدة في يوم من الأيام لإعادة تنصير أمريكا الشمالية.

أيضا التنافس الشديد بين البعثات الكاثوليكية والبروتستانتية الفرنسية في مدغشقر في القرن 19 لكنه تنافس على بين باريس ولندن. مجال آخر للتنافس حول "الأرض المقدسة" حيث تنافست الأثوذوكسيات المدعومة من بيترسبورغ والكاثوليكيات المدعومة من باريس دون أن ننسى وصول البعثات البروتستانتية الألمانية ثم البعثات الكاثوليكية الإيطالية الراغبة في الحصول على نصيب من "السوق الفرنسي".( انظر مجلة "دبلوماسية" شؤون استراتيجية وثقافات دولية- العدد 14 بتاريخ ماي يونيو 2005- مقال فرانسوا تووال-ص44-45-46-47 )

 

 

استخدام الورقة الدينية

 

رغم شيوع العلمانية، فإن كثير من الدول الغربية تستخدم الورقة الدينية لتحقيق مصالحها السياسية في منطقة من المناطق، فروسيا اعتمدت على الأرثوذوكسية لإعلان الحضور وإيجاد موطئ قدم في البلقان والقوقاز في القرن 19. الدول الاستعمارية على الخصوص استخدمت الدين ليس دفاعا عنه وعن أهله وكرامتهم العقدية ولكن للمرور عبره واتخاذه قنطرة وجسرا لا غير. وفي الصراع الدامي غداة تفتت الجمهورية اليوغوسلافية، لم يكن الدين سوى وسيلة للاستيلاء على الأراضي وتوسيع الدول الوليدة.

وحاليا تمثل الصحوة البروتستانتية الإنجيلية الأمريكية التي نشأت منذ 1903 بكاليفورنيا، النموذج الفريد في استخدام الدين للهيمنة والتوسع والانفراد بقيادة العالم، باسم حماية حرية الاعتقاد والتدين في مناطق لم تكن بروتستانتية في أمريكا الجنوبية وأوروبا وأفريقيا. ويعلن هذا المد والاكتساح الديني عن نفسه من خلال مؤشر بسيط هو العدد الذي وصل إليه أي أكثر من 300 مليون تابع.

وتعتقد الولايات المتحدة الأمريكية أنها شعب الله المختار، وأنها دولة تحظى بالعناية الإلهية لتحقيق انتصار الخير على الشر. وهذا الاعتقاد يتحكم في سياسات واشنطن الخارجية عن وعي تام به. ومن الخطأ الجسيم عدم تقدير هذا ووضعه بعين الاعتبار في تحليل السياسات وسلوك الدول حاليا، وبهذا يحتل الدين موقعا متميزا في عناصر تحليل الجغرافيا السياسية بعد تغييب طويل له.

 

 

الإنجيلية الأمريكية القادمة

 

تساءل جوفروي دوتوركهايم في "أخبار الديانات" (العدد 3 مارس 1999 ص16)

"هل سيكون القرن الواحد والعشرون إنجيليا؟" واعتبر المنظر الألماني اللوثري وولفهات بانينبيرغ أنه "إذا لم توقفت الكنائس البروتستانتية عن الدعوة للإنجيل كما هو بالضبط، رغبة في التكيف مع الثقافة المعلمنة، فلن يبقى في الساحة خلال القرن القادم سوى الإنجيليون". وضرب لذلك بعض النماذج من كنائس بروتستانتية ومواقفها التقدمية من الشذوذ الجنسي. تساؤل وتحذير يعكسان التنافس الخفي بين البروتستانيات القديمة وإلى جانبها الكاثوليكيات من جهة، وبين الإنجيلية الأمريكية الصاعدة بسرعة وقوة، والمصاحبة هي الأخرى للتوسع والاحتلال الأمريكي.

مناطق متعددة من العالم تشهد الصراع بين الكنائس الإنجيلية الأمريكية والكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية الأوروبية. وتحتل أمريكا الجنوبية التي ظلت قلعة للكاثوليكية والبروتستانتية الأوروبية طليعة ساحات المواجهة، ويصل الصراع أوجه في الانتخابات التشريعية والرئاسية، وقد يعبر عن نفسه في الانقلابات والانقلابات المضادة. في البرازيل مثلا، وحسب أندري كورتن، بروفيسور العلوم السياسية وعضو مجموعة البحث في التخيلات السياسية بأمريكا اللاتينية وصاحب مؤلفات حول التحولات الدينية بالقارة المذكورة، فقد انخفضت نسبة الكاثوليك من 85 بالمئة من 350 مليون برازيلي عام 1980 إلى 70 بالمئة عام 2000 (أي(30 مليون في البرازيل، وهذه أكبر جالية إنجيلية في العالم من حيث العدد). ويرجع السبب إلى تحول في التدين الشعبي استغلته الإنجيلية الأمريكية للتغلغل وسحب البساط من تحت أرجل الكاثوليكية. وهذا التحول الكبير لا يستثني أي دولة من دول أمريكا اللاتينية سوى المكسيك. في مطلع القرن العشرين كانت معظم الدول اللاتينية كاثوليكية 100 %، لكن الوضع أخذ ينقلب بعد الحرب العالمية الثانية لصالح الكنائس الأمريكية حتى أصبحت هي الغالبة في بعض الدول، ووصل بعض الرؤساء الإنجيلين إلى الرئاسة في كل من غواتيمالا (الرئيس إفران ريوس مونت بانقلاب عام 1985، ثم الرئيس جورج سيرانو إلياس بانتخابات 1991، والرئيس ألبيرتو فوجيموري بالبيرو في السنة نفسها. حتى في أفريقيا وصل التأثير الإنجيلي الأمريكي إلى قمة السلطة مثل رئيس نيجيريا أوباسنجو. (الجغرافية السياسية للمسيحية- بلاندين شيليني-بونت و رافاييل ليوجييه- دار النشر إيليبس 2003). ولا تكتفي الإنجيلية الأمريكية بهذه "الفتوحات" في أمريكا اللاتينية، بل تزاحم كنائس أوروبا برمتها حتى اشتكت الكنسية الفرنسية من هذا الغزو.(لونوفيل أوبسرفاتور. إنجيليو فرنسا.العدد2051 بتاريخ 26 فبراير/شباط 2004)

الإنجيلية الأمريكية إنجيلية مناضلة كما تصف نفسها، ويصل تأثيرها إلى رأس النظام السياسي الأمريكي، بحيث انتمى إليها معظم الرؤساء الأمريكيين، واشتهر القس بيلي غراهام الذي بلغ من الكبر عتيا (ازداد سنة 1918)، بأنه صاحب تأثير قوي على عدد من الرؤساء المتعاقبين على البيت الأبيض، منهم الرئيس إيزنهاور. ومن مظاهر هذا التأثير تصريح إيزنهاور قائلا "أمريكا في حاجة إلى صحوة دينية، وأعتقد بأنه من بين الأسباب التي من أجلها انتخبت هي أن أساعد في هذا الطريق". (بيلي غراهام، سير ذاتية-1997). ولا يكتم الرئيس الأمريكي الحالي جوج بوش الابن تدينه وخضوعه للوصايا الدينية حتى قال لبعض الرؤساء والمسؤولين العرب إن الله ابتعثني لتحرير أفغانستان والعراق وإنشاء دولة فلسطينية.

 

اختراق المغرب والجزائر

 

الامتداد المسيحي لا يخفي طمعه في اختراق العالم الإسلامي وإيجاد مكان له مهما ضاق. فخلال السنوات القليلة الماضية، تصاعد الجدل حول التنصير بالمغرب والجزائر، ووصل أوجه هذا العام (2005)، بعد زيارة وفد أمريكي للوزير الأول المغربي ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية ومسؤولين آخرين، وبعد أن نشرت صحف غربية ومغربية وجزائرية استطلاعات وتحقيقات حول نشاط المنصرين الأمريكيين بالبلدين المذكورين. وشاع أن جيشا من الإنجيليين يقدر ب800 مبشر يجولون في المناطق البدوية النائية من المغرب والجزائر. وقامت السلطات المغربية بتحرياتها اللازمة ونشرت تقريرا صحافيا في صحيفة "لاغازيت دوماروك" حول نشاط هؤلاء وأماكن وجودهم وعلاقاتهم واتصالاتهم والمغاربة الذين يلتقون بهم. من أجل ذلك اضطر وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى الإجابة عن بعض أسئلة النواب حول الموضوع منكرا أن يكون هناك نشاط تنصيري أمريكي بالمغرب، على إثر اعتزام الأمريكيين تنظيم مهرجان مسيحي بمراكش بين 6 و8 ماي 2005.

إيجاد موطئ قدم في شمال القارة الإفريقية ليس سوى مقدمة لنشاط أكبر داخل القارة السمراء تخطط له الكنيسة الأمريكية في تنافس مع الكنائس الأخرى. ولا يقتصر الأمر على إفريقيا، بل يشمل أيضا قارة آسيا حيث لا تتجاوز نسبة المسيحيين 1% باستثناء الفيليبين وكوريا الجنوبية. ومما يفتح شهية الكنائس الأزمات التي تمر منها القارتان، وكلما وقعت واقعة إلا وتجد الكنيسة حاضرة تمد المساعدة باليمين والإنجيل بالشمال، وكيف لا وهي تعد من أغنى المؤسسات في العالم برصيد مالي استثنائي (قبل 1917 كانت الكنيسة الأرثوذوكسية بروسيا ثاني أكبر مالك للأراضي، حتى تجاوزت المساحة التي تمتلكها مساحة بلد مثل فرنسا. في 1936 كانت الكنيسة الإسبانية الكاثوليكية تمتلك ثلث ثروات الجمهورية الجديدة).

 

ضعف وقوة

 

على سبيل المقارنة، تمضي الكنائس المسيحية في انتشارها مستفيدة من قوة الأنظمة السياسية الأوروبية في مراحل الاستعمار السابق، وتجدد نشاطها اليوم مع رياح التدين التي تهب على العالم كله وسط فراغ كبير، ومع أكبر قوة في العالم، أي الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعي أنها حامية حمى الملل والأديان والحرية الدينية. في حين أن الإسلام يمضي هو الآخر في صحوته وامتداده معلنا حضوره الثقافي والسياسي والاجتماعي حتى في ديار الغرب، لكن ليس على يد أنظمته الضعيفة الخاضعة للغرب عموما، ولكن على يد أبنائه المكافحين في صمت وتضحية، رغم الدخن الكبير والتشويش الخطير.