الدستور العراقي في لعبة الوقت الضائع
بقلم :حمدان حمدان
في خطاب أخير له، مع
خروجه إلى التقاعد، يصف الجنرال مايرز، القائد العام
للقوات الأمريكية، نتائج المعركة الدائرة في العراق، بأنها تساوي نتائج الحرب
العالمية الثانية، وبالطبع فأن الجنرال - القائد، لا يعني المساواة التاريخية
الكمية العالمية، لقوى كانت تتقاتل بالملايين، ولا لخسائر أزهقت أرواح العشرات من
ملايين البشر، أو لتدمير بنيوي، أطاح بعمرانية قارات بحالها، بل لعل هناك معنى
آخر، لخسارة أمريكا الحرب في العراق، من حيث أن الإمبراطورية في مستهل قرنها الوحيد،
تنسحب من أول رهاناتها، بما يفيد تهديد مستقبل الحروب الأمريكية في العالم، وأن
هذه الخسارة ستكون بمثابة كارثة للسياسة الخارجية الأمريكية مشفوعة بتداعيات كارثية، للمصالح الاقتصادية العليا لبلد القطب الأول في
العالم.
فقد كان واحداً من
أهم نتائج الحرب على العراق، ذلك التأثير شديد السلبية، بحق استقدام مجندين جدد،
لتغذية القوات المسلحة بعدد الأفراد العاملين، ويبدو أن العسكريين الأمريكيين في
العراق، قلقون حتى الأعماق، من جراء تراكم الفشل في هذا المضمار، ويتحدث جنرال
متقاعد كبير، هو الجنرال باري ماكفري، الأستاذ المحاضر
الآن في كلية (ويست بوينت) -الأكاديمية
العسكرية التي تخرج منها الرئيس الأسبق الجنرال دوايت ايزنهاور-، يتحدث إلى صحيفة (وول ستريت
جورنال) فيقول "إن الولايات المتحدة في سباق ضد
الزمن في العراق إلى درجة القول أن القوات الأمريكية آخذة في التفكك، فالجيش
الأمريكي ومشاة البحرية، يعانيان من نقص شديد في الرجال والموارد، يستحيل معهما
إدامة السياسة الأمنية في العراق، إلى ما بعد الشتاء المقبل".
وتبدو المشكلة بتعقيد
أكبر، حين ينظر إلى إمكانية استرداد السيناريو كما كان يجري ضخ القوات في حرب
فيتنام من قبل، فمرحلة فيتنام كانت تجد حلها في تجنيد المزيد من الرجال سنة بعد
سنة لإرسالها إلى القوات المحاربة هناك، إلا أن إرسال المزيد من القوات إلى
العراق، يصطدم بعقبات كأداء تمثلت واقعيا، بنقص حاد في أطقم أفراد الخدمة في الحرس
القومي الأمريكي، أثناء إعصار كاترينا، ويعاند الرئيس
بوش كعادته في قلب الحقائق حين يقول، بأنه يمكنه إرسال المزيد من القوات إلى
العراق في حال طلب القادة العسكريون ذلك، وبحضور شاهد من أهله، فأن السيناتور
الديمقراطي السيد هاري ريد من ولاية نيفادا إلى مجلس الشيوخ، يقول كلاماً آخر، "لقد التقيت
العديد من قادة قواتنا في العراق، وأبلغوني أنهم بمسيس
الحاجة إلى قوات إضافية، لكن عدم طلبنا إليها، ناتج عن معرفتنا المسبقة، بأن مثل
هذه القوات لا توجد وفي دراسة لاحقة، لمؤسسة (راند) التي
هي بمثابة مختبر للأفكار العسكرية المتطورة، والدراسة جاءت تحت عنوان تمدد إلى حد
الضعف فيما النص يقول: أن النقص في الجيش العامل في العراق، من الفداحة إلى الحد
الذي يدفع معه إلى التساؤل، عما إذا كانت سياسة البنتاغون،
قادرة على شن حربين إقليميتين في وقت واحد، قياساً لما يجري في العراق.
وبالنسبة لما انقضى
من العام الحالي، فأن قصوراً في حملة التجنيد، مع عروضها الإغرائية،
بلغ قياساً للسنوات السابقة، حدود أربعين بالمئة من
العجز، فقد أخفقت الجهات العسكرية الداعية للانخراط في الجيش، بشكل لا مثيل له من
قبل، وتثبت الجداول العسكرية، بأن ثلث الجيش العامل في العراق، هو في أساسه من
الحرس القومي الأمريكي، ويضاف إلى الشهود، شاهد آخر هو الجنرال بيتر شوميكر، رئيس أركان الجيش، ففي جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ
يقول "إننا نواجه تحديات هائلة فيما يتعلق بتجنيد جنود جدد، ففيما هدف الجيش
هو تجنيد ثمانين ألفاً لهذا العام، فأننا لم نحقق ثلث هذا الرقم".
ومن العروض الاغرائية، لتجاوز هذه الأزمة، فأن هناك سلفة
انضمام بقيمة تسعين ألف دولار، يدفع منها عشرون الفا
بصورة نقدية، وسبعون ألفا على شكل مزايا لثلاث سنوات بالنسبة لكل متطوع جديد. ومع
ذلك، وبسبب العراق، فأن الاستمارات تشير، إلى أن نسبة الزنوج في الجيش، هبطت من 25
بالمئة عام 2000 إلى 14 بالمئة
عام 2004، أما النساء فقد هبطت نسبتهن للأعوام نفسها، من 22 بالمئة
إلى 16 بالمئة علماً بأن المجموع النسائي في القوات
المسلحة تشكل ما يقارب 15 بالمئة من عديد الجيش.
ومن جملة الحملات الاغرائية، منح الجنسية العاجلة للغرباء، ففي الجيش الأمريكي
العامل، هناك ما يربو على خمسة وثلاثين ألفاً من الجنود الأجانب، نقل ثلثاهم إلى
العراق، والجنسية في هذا الأطار، يمكن أن تمنح في غضون
أشهر، بدلاً من الانتظار مدة خمس سنوات، كما أن الرسوم المتوجبة
لمنح الجنسية، يمكن إسقاطها عن كاهل المتطوع الجديد، وكحوافز إضافية، فأنه يتم
إسقاط القروض المصرفية المستحقة على المتطوع، وفي حال موته في الحرب، فأن عائلته (عائلتها)
يحق لها طلب الجنسية الأمريكية، ورغم الإغراءات المذكورة وسواها.. فأن (الأرقام
الأجنبية) تشير إلى هبوط بنسبة بين 18 إلى 22 بالمئة
اعتبارا من بداية العام 2004 وحتى منتصف العام 2005 أما ضباط الاحتياط الذين يراد
إعادة تأهيلهم بدورات عسكرية حديثة، فقد شهد العام 2004، حضور تسعة منهم، من أصل
ألف ضابط لمجموع الدورة المطلوبة.
ويعزو الطبيب
الباكستاني ضياء ميان، في جامعة برنستون
الأمريكية، أسباب إخفاق إدارة بوش في حملة التجنيد الجديدة، إلى عدم صدقية دعواها في الحرب على العراق، ويتابع البروفسور ضياء إن
الشعب الأمريكي اليوم، يرى ويقرأ ما يحدث بالفعل في هذه الحرب، فإضافة إلى تدمير
البلدات والمدن، وقتل الناس بعشرات الألوف، فإن الوفيات في صفوف القوات الأمريكية
تقترب من الألفين، إضافة إلى 14 ألف جريح ومعوق - من مقالة له بعنوان القوات
الأمريكية تتفكك- (مجلة المستقبل العربي - بيروت ص 127) ويستتبع هذا الإخفاق،
تنازلات في المعايير العسكرية المطلوبة في جندي المارينز
مثلا، مثل يفاعة العمر، واللياقة البدنية، وسرعة البديهة،
وإبداعية اتخاذ القرار.. الخ. فقد
تم التنازل إلى مستوى قبول المتطوع حتى لو كان في الأربعين من العمر، مع مذكرة
عسكرية تقول بعدم التسريح، لأسباب تتعلق بالإدمان على الكحول أو تعاطي المخدرات،
أو وقوع الحمل السفاحي لإحدى المجندات.
تلك هي نبذة واحدة من
هموم أمريكا في العراق، فهي تعيش حقيقة الغاطس المستنقعي
دون أن تدري ما هي أفضل الطرق للخلاص منه، وقد تكون أفضل طريقة للخروج، هي تلك
التي تقول، بانتهاء المهمة في العراق، (على أكمل وجه وكما خطط لها) فالعراق اليوم
يعيش بحبوحة الديمقراطية في دستور واستفتاءات وانتخابات وجمعية وحكومة.. ومع
انتهاء الأعمال والأشياء، فأن الولايات المتحدة تكون قد أرست عراقاً
سويسرياً عالمياً بعدد السنين والحساب، إلا حساب الكميات المستخرجة من النفط وحساب
ما يجري داخل قلاع القواعد في المركز أو على الأطراف، وباستثناء كلمتين أبويتين من
بوش (نفطكم و"اسرائيل")، فأن (لكم) الحقوق
جميعاً، من حرية الكلام إلى تأسيس الأحزاب وقانون الصحافة المتعددة، وحرية
الانتخابات والمثليات والنبوءات.. إلى آخر ما تختلط به ثقافة عولمية،
لوجهة إنهاء التاريخ الإنساني، وصناعة (الآخر) الأمريكي ليكون في حداثة القرن و(نيوليبراليته).
في الجنوب العراقي،
يعاني البريطانيون بصورة أقل، وقد يعود السبب، إلى فتوى تتعلق بالاحتلال، وليس
الاحتلال نفسه، وقد لا يكون الانكليز الأذكياء عموماً، قد انتبهوا منذ البداية،
إلى قوة الفتوى، التي قد تفيض على قوة الاحتلال، وفي هذا ما يضع جنوب العراق ووسطه
بين واقعين، قوة الفتوى أمام قوة الاحتلال، إذ علينا أن نعترف، بأن الشعبية
الشيعية هناك، نتيجة لأسباب تاريخية تدخلية ايرانية، بالأموال والمجتهدين ومراكز "اطلاعات" واستخبارات وخواء وطني، قد باتت تمثل الحراك
الأول، في نفوذ مرجعية سيستانية، هي في حقيقتها لايران وليس للعراق، وعليه فأن المعيار في الجنوب، يتمركز في
تفاهمات بريطانية احتلالية، مع مصالح ايرانية، فإذا ما قيض لهذا المعيار أن يختل، بسبب فيض الكفة
الداخلية لصالح اتجاه شيعي ايراني، أو بسبب سياسات
بريطانيا في مسألة الملف النووي الايراني، فأن الدنيا
تقوم في إلقاء القبض على جنديين متلبسين بجريمة التفجيرات ضد المدنيين، ليكون الرد
بمكيال تفجيرات داخلية ايرانية، وفي جميع الأحوال، فأن
الضحية هي العراق، على أن في الصراع حسنة وحيدة، قد تكون في فك ارتباط اللحمة، بين
سياسات ومصالح مشتركة، ايرانية وأنغلو-سكسونية
في احتلال العراق، ومن يتذكر موقف المرجعية من الغزو منذ بدايته، يستدل بداهة، على
موقف الشماتة والحيادية، تجاه إسقاط نظام حتى ولو بضياع وطن.. فقد ساعد مجتمع الملالي الملفع بعباءات وعمامات، تسهيل الغزو إلى درجة الاستقرار في الجنوب، كذلك فعل
الشبيه الرعوي في الشمال، ولم يبق في العراق إلا القلب، الذي يقاتل بهدي المتحد
المشترك، الوطنية والمذهب والتاريخ، وهي ذات الأوصاف المتهمة بتشطير العراق إلى (مكونات)
و(أطياف) و(طوائف) و(إثنيات وأعراق).. حسب خطاب سياسي
دارج في مرحلة العراق اليوم، فكما في الوجهة التطبيقية لاستخدام الذرة، لصالح
الحرب أم لصالح السلام، تكون وجهة استخدام وظائف المكونات، تمزيقية
أم جمعية، فالعراق، بل وأي وطن آخر، حال تعرضه لخطر خارجي ماحق، فإن من طبيعة
الأشياء، أن يتحد الداخل، في سبيل صد الخارج الغازي، وهو تاريخ متفق عليه، في
تواريخ الأمم والشعوب، أما أن ينحاز جمع غفير لصالح الخارج على الداخل فأن في ذلك
إشــارة واضحة، لقوى خارجية - داخلية، تريد السمسرة مع الاحتلال، للحصول على أكبر
نصيب ممكن من حصة العراق، وهي سياسة باطنية مديدة، لايران،
منذ اليوم الأول لوقوع الاحتلال.
فقد استاءت طهران من
واقع عدم المشورة قبل الاحتلال، وجاءت ببرهانها على ما حدث في أفغانستان، حين
تقدمت كأول دولة إسلامية، تسهم في تحريض (الهازارا) من
الشيعة الأفغانية، لضرب طالبان السنية، بل حين جاءت كأول دولة إسلامية، تعترف
بالنظام الاحتلالي الجديد، فتفتح سفارة لها في كابول.
بالأمس نشبت مشادة
بين متناظرين على إحدى شاشات التلفزة العربية، الأول
عربي عراقي على هوى طهران، والثاني عربي عراقي على هوى بغداد، وكان النقاش الساخن،
يتمحور حول سؤال: من منهما قدم أكثر لغزو العراق، الأنظمة العربية أم ايران؟! ثم طالت المساجلة، رغم شراكة الخدمة المؤداة..
فعديد من الأنظمة
العربية، شرع أراضيه ومياهه وسماءه خدمة لقواعد التحشد
والعبور وتقديم أشكال اللوجستيات اللازمة، فيما التزمت ايران بحيادية ظاهرة تجاه الحدث، ولو أنها كانت حيادية بحكم
الممانعة لانكسار التكافؤ، وعدم قدرة ايران فعل أي شيء،
أمام غشامة عدوان لقوى عالمية كبرى.. لهان الأمر، بل
ولأصبح مفهوماً بداهة دون سؤال، أما أن تضغط طهران، بحكم موقعها المرجعي، من أجل
عدم ممانعة العدوان، والوقوف موقف (العلقمي) أمام
هولاكو في فتح بغداد، فأن في ذلك خدمة لا تقل عاراً عن خدمة الأنظمة العربية للغزو..
لكن الفارق كان في حضارة فارسية تعرف نتائج ما تفعل، وأنظمة عربية تعيش الجاهلية
الأولى، في كراهية صدام وحتى لو كان من بعده العراق والطوفان، فايران
سايرت العدوان لنفسها، فيما أنظمة العرب، سايرت العدوان لآخرين.
اليوم، يجرف أنصار
الاحتلال وأشياعه، العراق إلى معارك دون كيشوتية، تتمثل
في كل شيء، إلا الاحتلال، فقد غابت هذه المفردة عن سطح السياسة العراقية، إلا
المقاومة، ومن غير دواع للتفلسف، فأن الثابت عند المقاومة اليوم، لا متحول معه،
إلا في خروج الاحتلال، وهي فلسفة عظمي حتى على بساطتها، والشاهد أن الاحتلال قد عيل صبره، وهو يحاور ويناور بأدمغة عتاة مجربين، من بريمر إلى نغروبونتي إلى خليل زاده!!!.
وما رافقها من سياسات
إبادة ودماثة، عصا وجزرة، ومع ذلك رابطت المقاومة الوطنية الحقيقية في مواقعها دون
أن تتزحزح، إذ لا سياسات في ظل احتلال، وكل ما تعارضه المقاومة اليوم، لا يقع في
طلب المعارضة لذاتها، فالمقاومة لا تعارض مبادىء
التعددية والحرية والمواطنة والانتخابات وإرساء قواعد الدستور.. الخ إلا لأن هذه
الشعارات ومثيلاتها، واقعة في ظل احتلال بل ومن صنعه، قد انتبه المقاومون إلى خطط
الاحتلال في صرف النظر عن وجوده، فهو يتخفى وراء رد السيادة تارة، وأخرى وراء
انتخابات وجمعيات وحكومات.. فيما يعتبر الرئيس بوش، بأن كل واحدة من هذه الخطوات،
تشكل صرحاً إنجازياً، لا مثيل له في تاريخ المنطقة، أما
الدستور فهو جوهرة التاج على رأس الانجازات دون نقاش، فالسيد بوش لا يعير اهتماما
واحدا، لحالة التمزق التي وصل إليها العراق، لا بسبب غياب الدستور، بل بسبب حضور
الاحتلال، ولما كان (الإرهاب) هو عائق الديمقراطية الوحيد، فأنه لا سبيل إلى بلوغ
الديمقراطية (المدسترة) إلا عن طريق الإقناع! بالقوة المسلحة.
إننا لا نرى نموذجا
لمثل هذه الديمقراطية (المسلحة)، والمغطاة بدستور في تاريخ العالم، ولا يهم خطأ
بوش وصوابه في تجارب شعوب من الدرجة الثانية، سواء في نيو
اورليانز أو في العراق، فالسؤال الذي طلبه مايكل مور في فيلمه (فهرنايت 11): هل
لديكم أبناء في العراق لأعضاء الكونغرس؟، لم يجب عليه السيد بوش حتى الآن، أما سؤال
السيدة سيندي شيهان، المرأة الأمريكية التي فقدت ابنها
في العراق، فربما لا يجد جوابه في الدستور العراقي، الذي لا يحمل كفنا ولا يعيد
الحياة لميت، بل في صحوة أمريكية مقبلة عنوانها: لقد جاء دور فيتنام العراق.