إعصار ميليس إلى أين؟..

 

 

 

بقلم :د. حسن طوالبة

 

بعد أربعة أشهر من بدء ميليس مهمته التحقيقية في بيروت ودمشق لكشف ملابسات اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، سلم تقريره إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان. ولم يمض وقت قصير حتى تم تسريب التقرير إلى وسائل الإعلام الأجنبية والعربية، بدأ الإعصار السياسي في المنطقة، وخاصة في سوريا ولبنان.

 

لقد قال الرسميون في كل من دمشق وبيروت رأيهم الأولي في الاتهامات الموجهة إلى مسؤولين فيهما. فقال المسؤولون في سوريا إن التقرير تقرير سياسي خالص وبامتياز، ونفوا أن يكونوا قد وضعوا عراقيل أمام لجنة ميليس، بل أنهم اعتقدوا أنهم قدموا كل تعاون معه، وطرحوا عليه إجراء مقابلات مع من يريد من المسؤولين السوريين مدنيين او عسكريين في أي مكان في سوريا. أما الناطق بلسان رئاسة الجمهورية اللبنانية فنفى أن يكون الاتصال الذي أورده التقرير بين اللواء رستم غزاله وبين المسؤول اللبناني (أكس)، أن يكون المقصود هو شخص رئيس الجمهورية إميل لحود.

 

التغطية الإعلامية

 

لقد تبارت الفضائيات العربية في ساعة متأخرة من صباح يوم الأربعاء، أي عشية تسليم التقرير إلى أنان، في نقل فقرات منه وترجمتها أمام الرأي العام. وقد تعجل بعضها في التركيز على الفقرات التي تثير إشكالات واستفهامات عدة. بل أبرزت الفقرات التي تشير إلى ضلوع جهات أمنية سورية ولبنانية في عملية الاغتيال والإعداد المسبق لها.

 

كما أبرزت تورط سوريا في الأمر، وأعلنت نقلا عن مصادر مطلعة بأن (أكس) هو رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، ومحطات أخرى رأت أن المقصود بـ(أكس) هو رئيس الجمهورية اميل لحود. الأمر الذي حفز بعض النواب اللبنانيين الى المطالبة باستقالة الاثنين من منصبيهما.

 

وانقسم الكتاب والمحللون السياسيون والمحامون ورجال القانون بين مؤيد للتقرير بكل تفاصيله السردية او الاستنتاجية وتسرعوا بالمطالبة بتشكيل محكمة دولية لمحاكمة المتهمين الذين تضمنهم تقرير ميليس. وبين مشككين في التقرير، وكونه شكل وثيقة ادعاء تنقصها الأدلة الدامغة. وقد اعتبر هذا الفريق من المحللين ان التقرير أسهب في سرد بعض الشهادات التي أساسها مكالمة هاتفية من جوال بين شخصين، ذكر احدهما وأخفى اسم الآخر، أو شهادة احد الشهود الذي تبين انه شاهد زور، ومدفوع للإدلاء بمعلومات تضلل اللجنة الدولية، وتحرفها عن مسارها الذي تسير فيه بهدف الوصول إلى الحقيقة.

 

لقد بدا واضحا اتجاهات وسائل الإعلام العربية في معالجة التقرير، حيث جعلت منه إعصاراً ينذر بكارثة ستقع في المنطقة فمنها من تجاوبت مع التوجهات الأمريكية التي أثلج التقرير صدرها، ولاسيما أنه أشار بأصابع الاتهام إلى سوريا وتورط عدد من السوريين في جريمة الاغتيال، وقد سعت بعض وسائل الإعلام المعادية لسوريا، إلى إجراء مقابلات مع شخصيات سياسية وقانونية، صبّت تحليلاتهم في خانة الولايات المتحدة، أي أنهم أوحوا للرأي العالم العربي أن سوريا متورطة ويجب أن تدفع الثمن، وخلطوا الأوراق بهدف النيل من سوريا.

 

وترافقت الحملة المعادية لسوريا، بنشر أخبار المعارضة السورية في الداخل والخارج، التي تطالب بضرورة إجراء إصلاحات جذرية، وليس إصلاحات شكلية لما يريد النظام الحالي، وقد يكون في مطلبها حق، ولكن أن تترافق المطالبة مع الحملة المعادية لسوريا، ففيه كلام يعيدنا إلى المشهد العراقي قبل احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا. فالإصلاح السياسي مطلب وطني وإنساني في آن واحد، ولا بد أن يأتي الإصلاح من الداخل ولا يكون مفروضا من الخارج أو بإيحاءات خارجية تنهي استقلال سوريا.

 

ماذا بعد التقرير...؟!

 

من الواضح أن التوجه الدولي المرسوم من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، هو أن تعيش المنطقة في مخاض سياسي أشبه بالفوضى، ولاسيما أن كوفي أنان وافق على تمديد مهمة القاضي الألماني ميليس لاستكمال تحقيقاته، وفي المهمة الثانية ستكون الأجواء أكثر توتراً واشد حساسية في التعامل مع ميليس ولاسيما أنه أشار بأصابع الاتهام إلى أشخاص وأنظمة ومنظمات دون سوق الأدلة القانونية المقنعة.

 

وما تريده الولايات المتحدة هو جعل كل من سوريا ولبنان تعيشان في قلق دائم وتوتر يشغلهما عن مواصلة العمل. وفي الوقت ذاته تكون قد هيأت الأجواء السياسية في العراق بعد "إقرار الدستور"، والتحضير "للانتخابات التشريعية" المقبلة، وتشجيع مبادرة جامعة الدول العربية "لإجراء مصالحة بين العراقيين" وخاصة مع من سُموا بالمغيبين. أي "عرب السنة"، وهذه الأجواء المتوقعة في العراق، ربما تدفع الولايات المتحدة إلى ضرب سوريا عسكريا.

 

وخلال مدة التحقيق الثانية، تسعى الولايات المتحدة من خلال سيطرتها على مجلس الأمن، الذي دعته للاجتماع يوم الثلاثاء 25/10 لمناقشة تقرير ميليس، في ظل تسربيات إعلامية ودبلوماسية تفيد بأن واشنطن وحلفاءها قد اعدوا صيغة قرارين لإدانة سوريا وربما فرض عقوبات دبلوماسية عليها وقد تصل إلى عقوبات تجارية أيضاً، بهدف حصارها وعزلها عن محيطها العربي والإقليمي والدولي.

 

ورغم ما قيل عن موضوعية ميليس ونزاهته، فأن أصابع اللوم إن لم نقل الاتهام، تشير إليه، بدليل أنه حذف أسماء الذين يشتبه بهم في جريمة الاغتيال، وذكر أسماء من سموا بشهود الزور، وقد سببت هذه النقطة حرجا لميليس في مؤتمره الصحفي، كما أن إشارته إلى (الجبهة الشعبية - القيادة العامة)، دون سؤال احد من قيادتها هو مؤشر على خطوة أخرى تجاه التواجد الفلسطيني المسلح في لبنان، وهذا مؤشر على موقف سياسي مطلوب أن تتخذه الحكومة اللبنانية بدعوى ضبط سلاح المقاومة في مخيمات لبنان، ومهما قيل فان تقرير ميليس أثار عاصفة من التراشق بين الفرقاء، وسوف يسبب إعصاراً لا نعلم حدوده ونتائجه ولاسيما في ظل صمت عربي متوقع.