هل يكفي تقديم مذكرة لمجلس الأمن ؟
وجه المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي –
الاسلامي والمؤتمر العام للاحزاب العربية باسم مائة حزب وتسعمائة شخصية فكرية
وسياسية واجتماعية عربية مذكرة الى كل من امين عام الأمم المتحدة كوفي عنان وأعضاء
مجلس الأمن الدولي تضمنت ملاحظات المؤتمرات الثلاثة واعضائها حول الضغوط الامريكية
والبريطانية والفرنسية لاصدار عقوبات ضد الجمهورية العربية السورية استنادا لتقرير
القاضي ديتليف ميليس حول جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان الاسبق رفيق الحريري
ورفاقه . وداعية مجلس الأمن الى عدم استباق الحكم القضائي باصدار احكام سياسية
تطال الشعب العربي السوري باجمعه وليس اركان النظام وبعض الافراد الذين ورد ذكرهم
في التقرير .
ولقد استهلت مذكرة المؤتمرات الثلاثة
بالتنبيه الى أنه فضلا عما اثير حول تقرير القاضي ميليس من ملاحظات قانونية
وقضائية فان القاضي نفسه أكد أن التحقيق في الجريمة النكراء لما يزل في بدايته . مما
يعني أن الادانة النهائية تحتاج ان تمر بمراحل عدة حتى تصل الى محكمة عادلة وشفافة
ومتحررة من الضغوط والمداخلات السياسية ، بحيث تمتلك القدرة على التدقيق الموضوعي
والحيادي والنزيه في الاتهامات المساقة جزافا والادلة المقترحة والقرائن المعتمدة في
التقرير .
وتنبه المذكرة امين عام الأمم المتحدة
واعضاء مجلس الامن الى عدم تكرار جناية المجتمع الدولي بحق الشعب السوري كما كان
قد جرى بحق شعب العراق الذي فرض عليه
الحصار بزعم أن النظام العراقي يمتلك اسلحة الدمار الشامل ، وكان أن سقط نتيجة ذلك
مليون مواطن برىء جلهم من الاطفال . وقد تبين بعد خمسة عشر عاما من اخضاع شعب
العراق للحصار الجائر والقاتل لمئات الاف الاطفال زيف الادعاء بامتلاك النظام
العراقي أي من أسلحة الدمار الشامل .
وكذلك نبهت المذكرة الامانة العامة للامم المتحدة ومجلس الامن الى أن لدى
الادارة الامريكية ، والقوى الدولية الضالعة معها ، مخططات معروفة تستهدف المنطقة
العربية عامة وسوريا خاصة ، تم الاعلان عنها قبل سنوات من اقتراف جريمة الاغتيال
موضوع تقرير القاضي ميليس ، وكذلك قبل صدور قرار مجلس الأمن رقم 1559 . وهي مخططات
تتصل بالقضايا والاشكاليات الاقليمية القائمة ، خاصة الوضع في العراق المحتل ،
والصراع العربي – الصهيوني ، وحق الامة العربية في مقاومة الاحتلال المشروعة دوليا
. وحذرت المذكرة من النتائج الكارثية المؤكدة لفرض أي عقوبات جماعية على سوريا ،
استجابة لضغوط الادارة الامريكية والحكومتين البريطانية والفرنسية .
ولقد اكدت المذكرة عدم مشروعية استخدام
تقرير غير مكتمل من الناحية القانونية ، وموضوع ملاحظات عدة من الناحية الفنية ، كمبرر للنيل من دولة مؤسسة للامم المتحدة . كما
أوضحت أن الخضوع لضغوط بعض الدول الكبرى ، يمس بشكل خطر للغاية باستقلالية مجلس
الأمن والتزام الدول الاعضاء باحكام ميثاق الأمم المتحدة ، والقانون الدولي العام
، والمبادىء القانونية العامة المتعارف عليها ، ويؤثر بالتالي في ثقة الشعوب
بالمنظمات الدولية . فضلا عن أن في استهداف المنطقة العربية بعقوبات جائرة وغير
مبررة ما يفاقم من حالة التوتر الشائعة فيها ويهدد في الصميم استقرارها وامنها
وأمان مواطنيها .
ودانت المذكرة بشدة محاولة جر مجلس الأمن من
جديد لاستخدام العقوبات الجماعية ضد الدول والشعوب . وإن ذلك لا يخالف فقط ميثاق الأمم المتحدة ،
وانما فيه ايضا عدوان صارخ على مبادىء حقوق الانسان ، التي تؤكد على المحاسبة
الفردية لكل من يتورط في جناية او جرم ، وترفض مبدأ العقوبات الجماعية . وأكدت المذكرة
أن مبدأ العقاب الجماعي إرهاب بامتياز ، لأنه يستهدف سلامة ومصالح اشخاص أبرياء
خدمة لاهداف سياسية . ونبهت الى أنه في زمن الحرب على ما يسمى "
الارهاب" تصر الدول التي تقود هذه الحرب على الامعان في ممارسات ارهابية
متعددة الاشكال والاساليب ، بما فيها مبدأ العقوبات الجماعية .
وتناولت المذكرة اعتماد مجلس الأمن والأمم
المتحدة سياسية المعايير المزدوجة ، خضوعا لضغوط ومداخلات الادارات الامريكية ،
مشيرة بهذا الخصوص الى أن تقرير مجلس الأمن الخاص بمجزرة قانا ، التي اقترفتها
القوات الصهيونية سنة 1996 ، لما يزل حبيس ادراج الامم المتحدة التي لم تتخذ أي
اجراء بحق قادة اسرائيل مرتكبي الجريمة . كما أشارت إلى أنه في العام 2002 شكل
مجلس الأمن لجنة تقصي حقائق في مجزرة جنين ، في الضفة الغربية المحتلة ، وأن
اسرائيل المتهم جيشها باقتراف المجزرة رفضت استقبال اللجنة ، فعادت من جنيف الى
نيويورك دون ان تقوم بالمهمة المسندة اليها ، وسكت مجلس الأمن على رفض اسرائيل
الانصياع لقراره ، ولم يتخذ بحقها أي عقوبة رادعة . واكدت المذكرة في تحذيرها من
مواصلة اعتماد سياسية المعايير المزدوجة إذ تعتبرها اهم مسببات شحن التوتر وزيادة
الاحتقان في منطقتنا العربية والاسلامية وتعظيم الشعور بالاحباط والقهر والتمييز ،
الذي يوفر التربة الاخصب لكل مظاهر العنف والتطرف ، كما ورد نصا في مذكرة
المؤتمرات الثلاثة .
واختتمت المذكرة باعلان ادانة اعضاء
المؤتمرات الثلاثة أسلوب الاغتيال السياسي. وتأكيد حرصهم على كشف الحقيقة الكاملة
في جريمة اغتيال رفيق الحريري ورفاقه ، وكل جرائم
الاغتيال التي شهدها لبنان مؤخرا . كما شددت المطالبة بضرورة توفير كل
اسباب دعم القضاء اللبناني ليتمكن ، بمساعدة
اللجنة الدولية ، من كشف الحقيقة الكاملة عن الجناة ايا كانوا ، ومحاكمتهم بما هو مشهود للقضاء اللبناني من
نزاهة وعدم تحيز ، وانزال العقوبات المناسبة بحق الجناة الفعليين الذين تثبت
ادانتهم . ولم يفت المذكرة ان تحذر من أن تتكرر مع اللجنة الدولية المستقلة ما
كانت قد تعرضت له لجان التحقيق الدولية في العراق من ضغوط وملابسات .
وليس من شك ان المذكرة عبرت عما يجول في
خاطر الغالبية الساحقة من المواطنين ما بين المحيط والخليج ، ناهيك عن أعضاء
المؤتمرات الثلاثة . ولكن هل تكفي المذكرة لاحداث الأثر المطلوب من إصدارها ، أم
أنه لا بد من حراك سياسي قومي يتفاعل بايجابية مع قوى المجتمع المدني على الصعيد
العالمي في تصديها لعدوانية الادارة الامريكية ، المتحكمة الاولى بالقرارات
الدولية ، والمسؤولة تاريخيا عن اعتماد سياسة المعايير المزدوجة في كل ما له صلة
بالوطن العربي خاصة والعالم الثالث بشكل العام .
ويعلمنا التاريخ العربي على مدى القرن العشرين
ان المذكرات مهما كانت موضوعية لم تجد ابدا . والذي يذكر أنه في سنة 1959 ، ارسلت اسرائيل سفينة
لعبور قناة السويس محاولة امتحان مدى صلابة ارادة الجمهورية العربية المتحدة من
جهة ، واختبار فعالية مبدأ أيزنهاور لملء الفراع في الشرق الاوسط من جهة ثانية .
وفي الرد على منع السفينة الاسرائيلية من عبور القناة العربية امتنع عمال ميناء نيويورك عن افراغ حمولة السفينة كيلوباترا من
القطن . وعندما راجع سفير الجمهورية
العربية المتحدة في واشنطن الخارجية الامريكية في الموضوع قيل له : نحن بلاد حرة
واتحاد عمل النقل الامريكي هو المسؤول عن اصدار قرار عدم تفريغ السفينة العربية .
ولم تمض سوى ايام معدودات حتى كان اتحاد العمال العرب قد التزم بمقاطعة السفن
والطائرات الامريكية ، وعدم تقديم أي خدمة لها في الموانىء والمطارات العربية من
الدار البيضاء حتى البحرين وعدن . فسارعت
ادارة الرئيس ايزنهاور بأمر الحرس الوطني الامريكي بافراغ السفينة العربية .
ويقينا أن آلاف مذكرات التحذير والتحفظ بل والادانة والتنديد ما كانت لتفعل ما
فعلته وقفة العمال العرب التاريخية يومذاك . ولا أحسب ان أحدا من اعضاء الامانات
العامة للمؤتمرات الثلاثة إلا ويذكر درس السفينة كيلوباترا وزمن ان كانت الأمة العربية وقواها
الشعبية تمتلك الفعالية والمنعة والقدرة على التأثير وطنيا وقوميا ودوليا .