تحديد النسل بين الدين والعلم

2\2

 

 

بقلم : د . يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

إن  المعركة الدائرة حول السكان والانفجار السكاني تستهدف -أو تؤدي - إلى التشكيك في العقيدة الإسلامية من حيث تعمد إلى وضع الدين في مواجهة مع العلم عندما يشيعون أن الانفجار السكاني نبوءة علمية . فإذا أخذنا بالعلم – كما يزعمون – تم لهم التشكيك في الدين ، وإذا أخذنا بالدين – كما هو في حقيقته – تم عزل المسلمين عن العلم،  وعن الحضارة وعن مصادر القوة في العصر الحديث .  ومن هنا كان لابد لنا من أن نبين أن  نظرية الانفجار السكاني – كما أنها لا تتفق مع الدين – فإنها لا تتفق مع العلم .

ولنرجع بشيء من التفصيل إلى نبوءة مالتس في الانفجار السكاني : وهي تتلخص في أن المجتمع البشري يتضخم وفقا لمتوالية هندسية : ا=2 =4=8=16=32=64=132وهكذا ، بينما النمو الاقتصادي في أقصى حالاته ينمو وفقا لمتوالية حسابية  هكذا : 1=2=3=4=5=6=7 فلو فرضنا أن الزيادة في النمو والسكان بدأ كل منهما من درجة الصفر فإنه بعد سبع سنوات تكون الموارد قد وصلت إلى 7 ، بينما يكون النمو السكاني قد وصل إلى 132 ، وبناء عليه فإنه إذا لم يتخذ إجراء جذري لوقف هذا التكاثر فلن يبقى على سطح الأرض بعد وقت قصير متسع للناس وقوفا . وكما يقول أرنولد توينبي : ( لو تم استغلال الكرة الأرضية بالطرق العلمية ولصالح المجتمع الإنساني بأسره فلن تكفي إلى الأبد لتغذية سكان ، يتزايدون زيادة لا متناهية . )

هنا يجب أن تكون لنا وقفة .

هنا يجب أن نميز أغراض الدعاية لتحديد النسل القائمة على نظرية مالتس ، من مسار الفتوى التي يطلقها بعض العلماء ، فهما لا يلتقيان ، ومن المستحيل أن يتطابقا .

وقد تحدثنا في المقال السابق عن موقف الدين الإسلامي من هذه الدعوة ، وهنا نتحدث عن موقف العلم الصحيح منها

إن هذه النظرية لا تتفق مع العلم : إذ أقل ما يقال فيها هو أنها بنيت على إحصائيات رياضية افتراضية معزولة تماما عن رؤية التاريخ الطبيعي ، والعوامل الغائية ، وصنع الله في الكون . وعلى سبيل المثال وفي عام 1976 حدد صندوق النشاطات السكانية التابع لمنظمة الأمم المتحدة عدد سكان العالم بأنه يصل في عام 2000 إلى سبعة مليارات ، ثم خفض الرقم بعد ثلاث سنوات من هذا التقدير بمقدار مليار كامل ، وإليك حسبة بسيطة كما يقول فيليب موريس هاوزر أستاذ ورئيس علم الاجتماع ، بجامعة شيكاغو ، والخبير العالمي في علم السكان : قبل الحرب العالمية الثانية كانت نسبة الزيادة في سكان العالم واحدا في المائة في كل عام ، ولو طبقنا هذه النسبة على الفرضية الآتية : نأخذ مائة شخص من الجنسين ونرجع بهم خمسة آلاف سنة فحسب ونتركهم يتناسلون بهذه النسبة ، لكانت  النتيجة أن  عدد السكان في عام 1950 قد وصل إلى  2700 مليون شخص في كل قدم مربعة من سطح الأرض  ، وبالطبع لم يحدث شيء من ذلك ، ولا قريبا منه ، وإذن فالنبوءة المالتسية مبنية على أسس كاذبة ، ولا صلة لها بالعلم الصحيح . من كتاب ( من حياة العلماء ) لتيودور بيرلاند ترجمة الدكتور أحمد بدران نشر دار النهضة العربية ص 297- 298

وتؤكد إحدى الدراسات المنشورة بإحدى المجلات الغربية والتي قام بها أحد أساتذة الاقتصاد بجامعة إيلينوي ،واسمه جوليان سايمون ، ونشرتها مترجمة مجلة المختار عام 1982 أن التكاثر السكاني خلال القرون القليلة الماضية لا يصح أن يتخذ قياسا أو برهانا على أن نمو المجتمع البشري سوف يستمر على نفس الحال بشكل دائم . بل إن الأمر على النقيض من ذلك : إذ يعطينا التاريخ البشري أدلة على أن التكاثر السكاني لم يكن أبدا على نمط التنبؤ المالتسي ، ويؤكد أحد علماء البيئة البدائية واسمه إدوارد ديفي : أن المليون سنة الأخيرة كشفت عن تبدلات خطيرة ومخالفة تماما لنظرية الانفجار السكاني ، ويرصد العلماء في هذا الصدد تبدلات ثلاثة رئيسية في التكاثر البشري :

التبادل الأول : كان تكاثرا سريعا في السكان قرابة المليون الأول قبل الميلاد ، عقب ابتكار صنع الأدوات واستخدامها ، وعند ما ظهرت الرفاهية نتيجة هذه القدرة المستحدثة انخفض معدل التكاثر السكاني تلقائيا .

الفورة التالية : في السكان بدأت قبل نحو 10000 سنة عندما أخذ الإنسان يربي قطعان الماشية ويحرث الأرض ويزرعها ، ومرة أخرى وبعد ما امتص المجتمع البشري المكاسب الأولية لهذا التطور عاد معدل النمو السكاني إلى الانخفاض .

هاتان السابقتان توحيان بأن التبدل العظيم الثالث أي التكاثر الحالي الذي بدأ في الغرب قبل ما يقرب من أربعة قرون سوف يتباطأ عندما تصل التقنية الحديثة إلى المنحنى الذي تنتهي إليه .

 

وهنا تظهر الحقيقة القائلة بأن التكاثر السكاني يأتي كمقدمة وتمهيد للتقدم الاقتصادي ، فإذا وصل التقدم الاقتصادي إلى نقطة المنحنى المقدر له واتجه المجتمع إلى الرفاهية والاستمتاع بثمار ذلك التقدم عاد التكاثر إلى الانخفاض

ويظهر أن المعادلة المالتسية غاب عنها عنصر هام ، وهو عنصر الوجهة البشرية بين الكد والإنتاج من ناحية والمتعة والاستهلاك من ناحية أخرى .وفي ذلك إظهار لجانب من جوانب ميزان الله الذي وضعه في الأرض .

 

هذا من ناحية  ومن ناحية أخرى تؤكد الدراسات السكانية أن التكاثر السكاني يخلق أدوات للعمل ، ويسهل التنويع ، ويجعل التوظيف المالي أكثر إغراء ، ومن ثم يوفر مجالات أوسع للعمل ولتشغيل عدد أكبر من الشباب .

كذلك فإن تكاثر السكان يوفر مجالات أرحب للتوظيفات الاقتصادية والاجتماعية العظمى كالسكك الحديدية ، ومشاريع السدود والخزانات العظمى والري ، إلخ .

وتؤكد الدراسة أن النمو السكاني يحقق ميزة كبرى في زيادة المخزون من المعرفة النافعة في عقول الكثرة من السكان ، فالعقول مورد مهم اقتصاديا مثل الموارد الأخرى البشرية والطبيعية ، بل هي من أهم تلك الموارد ، يقول هانس بايتا الذي نال جائزة نوبل للفيزياء عام 1967 ( إن احتمالات تحقيق إنجازات خارقة في مجال الطاقة ستكون أوفر متى كان عدد العلماء أكبر ، ويؤكد أن التقدم يبقى محدودا بسبب عدم توافر العمال غير المدربين ) بحث لجوليان سايمون أستاذ الاقتصاد بجامة إيلينوس بمجلة المختار مايو 1982

إن أصحاب نظرية الانفجار السكاني يهملون حقيقة أساسية في النمو الاقتصادي هي زيادة الإنتاجية التي تنجم عن قدرة الإنسان على الإبداع ، وهي قدرة لم يحسب لها مالتس حسابا في المتوالية الحسابية التي وضعها للنمو الاقتصادي .

إن المساهمة التي يقدمها المبدعون تكون من الأهمية بحيث تتغلب على تكاليف التكاثر السكاني وتقرر إحدى الدراسات التي قام بها جوليان سايموس : ان المستويات الاقتصادية التي ترافق التكاثر السريع تحقق للعامل دخلا فرديا أعلى منه في حالات التكاثر البطيء وذلك بعد مدة محسوبة علميا من 30 – 80 سنة  المصدر السابق.

 

ومن علماء الاقتصاد الذين غيروا العالم بنظرياتهم يقول آدم سميث الذي يسمى في الغرب أبو الاقتصاد ( إن النمو السكاني سبب من أسباب التقدم الاقتصادي حيث إنه يزيد السوق اتساعا ، بالإضافة إلى أن زيادة السكان تخلق مجالا لزيادة تقسيم العمل . )

ويقول الفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر : ( إن زيادة السكان تؤدي إلى زيادة الرقي البشري ، كما تدفع الإنسان دفعا إلى التقدم ، وهي في الحقيقة أعظم عامل لرقي الإنسان).

 

وتسقط نظرية مالتس من اعتبارها الإمكانات الهائلة الموجودة في الطبيعة والتي يكشف عنها العلم الحديث تباعا ، وهي من ثم تجهل ما حدث بعد ظهورها من ثورات علمية أسقطت تماما ادعاء المتوالية الحسابية في نمو الموارد . إنها تجهل ثورة عصر البخار ، وتجهل ثورة عصر الكهرباء ، وتجهل ثورة عصر الذرة ، وتجهل ثورة عصر الكمبيوتر ، وثورة عصر الفضاء ،  وثورة الهندسة الوراثية والمعلومات .

وبالإضافة إلى ذلك فإن نظرية مالتس معزولة عن التطور العلمي الحديث الذي فتح آفاقا من خزائن الله للتغذية لم تكن تخطر ببال والتي يكشف عنها العلم الحديث جيلا بعد جيل :

اكتشاف ثروات باطن الأرض - اكتشاف ثروات أعماق البحار - اكتشاف ثروات الانضباط الأخلاقي

ويكفي أن نذكر التهجين الذي حول إنتاج الفدان من ستة أرادب من القمح إلى خمسة وعشرين إردبا ، وتحويل الماء المالح إلى عذب ، واحتمال التوصل إلى إنتاج اقتصادي لهذا الماء ، والتسميد الزراعي ، ومضاعفة استفادة النبات من الضوء ، وصناعة الملابس من نسيج الألياف الصناعية .

ولم ينظر مالتس إلى العوامل الإنسانية في سلبياتها وإيجابياتها على السواء : فالظلم الاجتماعي الدولي – على سبيل المثال – هو الذي يوقع الناس في الحرج ، وما يزال يخالط الذاكرة تصريح أمين عام الأمم المتحدة – داج همرشولد – الذي ذكر فيه أن  الميزانيات التي تخصصها حكومات العالم للحروب تكفي لزراعة صحراء العالم .

ولا يقل عن ذلك أهمية أن هذه النظرية تسقط من اعتبارها الإمكانات الهائلة التي يمكن أن يحققها التقدم الأخلاقي – لو تم في جانب منه – عن طريق محاولة تطبيق مبادئ الإخاء والتعاون والعدالة والإخلاص في العمل .

 

كذلك فإن هذه النظرية تتعارض مع العلم الذي يقرر أن الإنسان من شأنه أن ينتج أكثر مما يستهلك .

إن من أبرز الحقائق الاقتصادية أن الإنسان ثروة إنتاجية مماثلة للثروة الطبيعية في أهميتها لتحقيق الكفاية ، وإذا كانت الكفاية مطلبا لا ينتهي عند حد فإن ذلك يتوافق تماما مع أرزاق الله في أرضه وسمائه مما يدل على أن عقيدة الإسلام في ذلك – لا مالتس – هي العقيدة التي تتفق مع فطرة الإنسان ، وطموحه وقدرة الله وكرمه على حد سواء .

وهذا يعني أن هذه التقديرات التي يسمونها علمية لا تنطبق على ما يحدث في ملك الله .

 

إنه لا يمكن أن تكون نظرية الانفجار السكاني نظرية علمية بينما هي مخالفة للواقع الملموس على مستوى الدول المختلفة .

يقول أحد الكتاب الغربيين " أرجانسكي " فيما نشرته جريدة الشعب بتاريخ 13\9\1988 : ( إن الزيادة السكانية في أوربا هي التي أمدتها بالأيدي العاملة التي أنجزت النظم الاقتصادية والصناعية الحديثة داخل البلاد ، وزودها بالمهاجرين الذين خلقوا لأوربا حلفاء في الخارج ، وزودوها بالإداريين والجنود الذين ساعدوا على خلق امبراطوريات مترامية الأطراف تمتد إلى نصف مساحة الكرة الأرضية وتضم ثلث سكانها).

 

ولقد تقدم الإنتاج خطوات رائعة إلى الأمام مع زيادة النسل في كثير من البلاد النامية نفسها . فقد أظهرت دراسة للبنك الدولي أنه بين عامي 1950-1975 كان دخل الفرد في البلاد النامية يزداد بسرعة توازي – وأحيانا تفوق – سرعته في البلاد المتقدمة .

ففي الصين والأفواه فيها تتعدى البليون استطاعت خلال خمس سنوات فقط أن تزيد مقدار إنتاجها الزراعي من الطعام بنسبة 40% ، وبدأت بعد اكتفائها الذاتي في تصدير الحبوب بمعدل خمسة ملايين طن في العام . وبعد أن كانت تستورد في العام الواحد أربعة ملايين بالة من القطن أصبحت تصدر في عام 1986 مليون بالة في العام .

ويقول ريتشارد نيكسون الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية ( في حين انخفض دخل الفرد السوفيتي بعد سنوات من حكم جورباتشوف فإن مبادرات الرئيس دنج في الصين ضاعفت الدخل الريفي للصين  في خلال ست سنوات ، كما ضاعفت دخل الفرد في خلال عشر سنوات ، وكذلك تضاعف معدل النمو في المحصول الزراعي أربع مرات من 2% إلى 8% خلال سنوات 79-1984 ،وتقوم الصين حاليا بإنتاج ما يكفي لإطعام شعبها المكون من 1500 مليون نسمة ، مع زيادة متبيقية للتصدير ) أنظر كتاب " انتهزوا الفرصة " لريتشارد نيكسون طبعة أولى ، نشر قايتباي بالإسكندرية ص 221

 

وفي بنجلاديش – التي أثارت إشفاق العالم بسبب نقص مواردها من الغذاء كان لديها حسب إحصائية 1986 اكتفاء ذاتي من الإنتاج الزراعي .

والهند – بلاد المجاعات سابقا – ضاعفت إنتاجها من القمح منذ السبعينيات ، وفي أعقاب النجاح الباهر الذي حققته المكسيك ، وأصبحت الهند تسوق في العام 1986 ما يزيد عن حاجتها ، ومحصولها من الأرز زاد بنسبة 30% بينما استطاعت ولايتان فقط في العام الماضي أن ترفعا محصولهما للقمح بنسبة 40%

وحققت أندونيسيا  اكتفاء ذاتيا في الأرز وتصدر الفائض منه.

ووصلت الزيادة في الإنتاج الزراعي باليابان – تايوان – الفيليبين – تركيا : بين عامي 1970\1982 إلى الثلث  جريدة الأخبار – مها عبد الفتاح 30\4\1986

 

وحدد رابيسكو في عام 1947 أمام لجنة التعاون التابعة للأمم المتحدة موقف الاتحاد السوفيتي السابق بوضوح حين قال : ( إننا نعتبر كل اقتراح يقدم لهذه اللجنة بغرض تحديد الزيجات أو تحديد عدد الأطفال داخل إطار الزواج همجيا بربريا . إن الانفجار السكاني ليس إلا ثمرة النظام الرأسمالي . ومن الممكن مواجهة أي زيادة في السكان إذا طبق نظام اجتماعي سليم . يجب أن يتبع الاقتصادُ عدد السكان لا العكس . ) دور المتغير السكاني للأستاذ صلاح فهمي ص 280

 

ويذكر بعض المراقبين أن اليابانيين لم يلجئوا إلى الإجهاض عقب الزيادة السكانية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية من أجل الحد من زيادة السكان ، وإنما الأمر كان كما يقول ( أن اليابان قاومت بكل شدة كل محاولة في طريق تنظيم النسل ، والذي سبب الإجهاض عقب الحرب العالمية الثانية أنهم فوجئوا بنسب عالية من المواليد غير الشرعيين غير المنتمين للشعب الياباني ، نتيجة وجود جيش الاحتلال الأمريكي ،وأنه يوجد باليابان قانون يسمى قانون الجنس ، لا يسمح بإنجاب طفل شرعي من أجنبي ، ومن هنا اجتاحت البلاد موجة من الإجهاض ، أخذت شكلا وبائيا ، فسمحت الحكومة بإجرائه بالطريق الطبي ، واليابان من الدول المتحفظة جدا في استعمال وسائل الحمل ، لدرجة أنه حتى لحظة كتابة هذا الكلام – عام 1982 – من الصعب جدا استعمال هذه الوسائل : من الحبوب واللولب ، ولا تصرف إلا تحت رعاية طبية مشددة ) جريدة  الأهرام 19\3\1982 : كلمة الدكتور عزيز البنداري رئيس جهاز تنظيم الأسرة بمصر ، في ندوة للأهرام

 

وفي مصر أعلن الدكتور صبحي عبد الحكيم أستاذ الجغرافيا السكانية ورئيس مجلس الشورى الأسبق بمصر في ندوة للسكان عقدت بقاعة المؤتمرات994ا بكورنيش النيل أمام جمع كبير من الوزراء وكبار المسئولين ، في 28\3\1987: ( أنه لا توجد أصلا مشكلة سكانية في مصر ، لأنها قادرة على أن تعول مئات الملايين من السكان ) ‍‍ جريدة  الوفد 30\3\1987

 

ويذكر الأستاذ الدكتور عبد المجيد فراج الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية أن ليس بمصر فائض بشري ، فيقول : ( قد يكون العكس هو الصحيح في بعض الأحوال ، لأن مصر تشكو بالفعل من ندرة أو عجز أو نقص في بعض الكفاءات والمهارات ، مما أدى بأجور بعض هذه المهن إلى الارتفاع الحاد المتسارع )

ويدرك الفلاح المصري النسبة الطردية بين كثرة النسل وسعة الرزق ، وفي هذا يقول الكاتب الكبير الأستاذ أنيس منصور : ( لا توجد وسيلة لإقناع الفلاح المصري بأن تكون أطفاله أقل عددا ، فالأطفال قوة عاملة ، فالطفل يتقاضى ما بين خمسة جنيهات وعشرة جنيهات في اليوم الواحد ، إذن ليست الأيدي الكثيرة هي التي نشكو ، وإنما هي الأيدي التي لا تعمل ) جريدة الأهرام 19\5\1986

كذلك فإن هذه النظرية لا تتفق مع العلم لأن العلم يكشف عن وجود ميزان إلهي في المخلوقات ، يتمثل في أن زيادة النسل تتناسب عكسيا مع مستوى المعيشة ، أي أنه كلما ارتفع مستوى المعيشة قل النسل ، وكلما انخفض مستوى المعيشة زاد النسل ، هكذا يؤكد توماس ديلبي : أن حالة النقص في الغذاء يؤدي حتما إلى زيادة الإنجاب ، والعكس صحيح ، ففي رأيه توجد زيادة مستمرة في القدرة على الإنجاب عند المجموعة التي تعاني من نقص ما لديها من غذاء بينما يوجد نقص مستمر في القدرة على الإنجاب بين أفراد المجموعة المترفة ، والمزودة بما تحتاج إليه من غذاء و كماليات . )

والأمر في هذا يجري على نفس السنة التي يجري عليها في عالم الحيوان بشكل عام ، إذ تزيد نسبة التناسل في الحيوانات الدنيا ، وتقل في الحيوانات العليا تحقيقا للتوازن الإلهي في الكون بين عوامل الضعف وعوامل القوة ، حجبا لطغيان الأقوياء وجبرا لضعف الضعفاء .

 

ومعنى هذا أن النسل يقل في المجتمع بسبب ارتفاع مستوى المعيشة ، ويصل عند حد معين من التقدم الحضاري إلى نقطة التوازن ثم التراجع . وهذا واضح ظاهر في المجتمعات المتقدمة . فقلة النسل فيها ليست نتيجة دعاية أو خطة رسمية ، ولكنها نتيجة طبيعية للرفاهية الاقتصادية ، أو ما يسمى التقدم ، حدثت هذه القلة رغم أنف التخطيط والمسئولين عنه في هذه المجتمعات .  وهي أي قلة النسل مصدر شكوى المسئولين عن هذه المجتمعات ، وهم يشعرون بالذعر من أجل ذلك ، وهذا هو السر الخفي لانعقاد مؤتمر السكان ، إذ يتخذونه وسيلة لحل مشاكلهم في التناقص ، وما يتهددهم من الفناء ،وذلك بضرب التكاثر في الدول المتخلفة .

 

وعلى هذا الأساس يخطئ من يظن أن علينا في الدول المتخلفة أن نوفر الرخاء قبل أن نسمح بزيادة النسل ، لأن هذا التصور ضد قوانين الطبيعة التي هي قوانين الله . لأننا إذا حققنا الرخاء أولا – جدلا – فلن تأتي الزيادة بعد ذلك ، ووفقا لهذا القانون : فالعكس مما يروجه دعاة التحديد هو الصحيح:  أن ارتفاع مستوى المعيشة هو الذي يؤدي إلى قلة النسل ، وليست قلة النسل هي التي تؤدي إلى ارتفاع مستوى المعيشة .

إن بعضهم أخذ يفكر في استغلال قانون التناسب العكسي ( كلما زاد التقدم قل النسل ، وكلما قل التقدم زاد النسل ) استغلالا خبيثا ، ففي الرابع عشر من شهر يونيو 1996 عقدت " جلسة استماع " حول القضية السكانية في مبنى الكنيسة البروتستانتية بالعاصمة الألمانية " بون " اشترك فيها عدد من كبار العلماء الألمان إضافة إلى رجال الكنيسة والشخصيات العامة . ومن أهم ما قيل في تلك الجلسة كلام الدكتورة شارلوت هوت التي مثلت المؤسسة الألمانية للدراسات السكانية ، فقد ذكرت أن النمو الصناعي في ألمانيا خلال القرن الأخير أدى تلقائيا إلى انخفاض في معدلات الخصوبة ، ومن ثم إلى تراجع عدد أفراد الأسرة ، وقد تسارع معدل الانخفاض بسبب شيوع استخدام حبوب منع الحمل ، الأمر الذي أدى إلى انخفاض متوسط الأبناء في الأسرة الألمانية من خمسة إلى اثنين فقط . وكانت نتيجة ذلك أن أصبح المجتمع يواجه أزمة اجتماعية واقتصادية فريدة في بابها ، إذ صارت هناك نسب متزايدة من المسنين تعتمد في حياتها على قوى عاملة من الشباب تتضاءل حينا بعد حين ، وقد أثار كلام الدكتورة شارلوت في الجلسة  - كما يقول الأستاذ فهمي هويدي - تساؤلات ثلاثة رددتها تعليقات الصحف الألمانية :

أولها أنه إذا كان التصنيع يؤدي تلقائيا إلى محدودية عدد الأسرة فلماذا لا تساعد الدول المتقدمة دول العالم النامي على التصنيع لكي يتكفل ذلك بتحديد سكانه ؟ ، وكأن التقدم الصناعي للدول النامية أكثر قبولا وأقل خطرا لدى الغرب من كثرة هؤلاء السكان .

ثانيها : أنه إذا كانت وسائل تنظيم الأسرة تؤدي إلى ذلك الخلل الاجتماعي الذي أصاب ألمانيا فما جدواها إذن ؟

وثالثها : أنه إزاء الأزمة التي تواجه ألمانيا من جراء الكساد السكاني فهل ستضطر حينئذ إلى استيراد عمالة من الخارج لكي تحافظ على معدلات نموها الاقتصادي ؟

يقول الأستاذ فهمي هويدي : وفي الندوة التي عقدها مركز البحوث السياسية بجامعة القاهرة في 6\9\1994  أثارت الدكتورة سلوى سليمان مديرة مركز البحوث الاقتصادية بالجامعة المشكلة من زاوية أخرى ؛ فقد ذكرت أن أي جهود عن تنظيم الأسرة لن يحقق مراده ما لم تبذل جهود مسبقة لحل مشكلة الفقر ، حيث يمثل الإنجاب لدى الفقراء مصدرا إضافيا للدخل باعتبار أن كل طفل يولد " يترجم " بعد سنوات قليلة إلى دخل يخفف من محنة الأسرة الفقيرة وأعبائها، لذلك فمن الطبيعي في ظروف كتلك أن يسعى رب الأسرة لزيادة أبنائه ، وأن يصم أذنيه عن كل دعاوى تنظيم الأسرة أيا كانت وجاهة مبرراتها   .  مقال الأستاذ فهمي هويدي بجريدة الخليج 6\9\1994

إن النظرة إلى النمو السكاني في البلاد النامية على أنه شر لا خير فيه نظرة قاصرة لأن زيادة السكان هي التي توفر أهم عناصر الإنتاج وهو الإنسان المنتج إذا ارتبط به التخطيط الصحيح .

ومن حقنا هنا أن نستشهد بالتطور الاقتصادي الهائل الذي حققته دول أسيوية في الفترة من 1970-1990 بالرغم من النكسة التي حصلت لها بعد ذلك نتيجة سوء الإدارة ، وعوامل أخرى ليس من بينها كثرة النسل .

ففي غضون ثلاثة عقود فقط – كما جاء بكتاب " آسيا الصاعدة " لمؤلفه البريطاني جيم روفر الذي عمل مراسلا للإيكونومست ، في آسيا ، ثم مديرا تنفيذيا لها – حذت أربع دول أسيوية – هي كوريا الجنوبية ، وتايوان ، وهونج كونج ، وسنغافورة – حذو اليابان ، فخرجت سريعا من لعنة الفقر ، وبدأت بمضاعفة اقتصادها مرة كل ثماني سنوات ، بين عامي 1960- 1985 ، ثم ما لبثت أربع دول أخرى هي ماليزيا وتايلاند والصين وأندونيسيا أن لحقت بالركب ،وحققت نسبة نمو تراوحت بين 8 – 21 % ،وإحدى النتائج الأساسية لهذه القفزات الهائلة – كما يقول جيم روفر – في هذه الدول التسع  هي أنه بين عالمي 1970 – 1990 هبط عدد الفقراء من 400 مليون إلى 180 مليونا ، برغم أن عدد السكان ازداد بنحو 420 مليونا في الحقبة نفسها ، وهذا يعني أن الإنجازات الاقتصادية أنقذت 650 مليون نسمة ، من براثن الفقر ، وهذا أروع إنجاز اقتصادي في التاريخ .

وهكذا يكون الرسول صلى اله عليه وسلم قد وضع أيدينا منذ أربعة عشرة قرنا على عنصر هام من عناصر الإنتاج والتقدم والرقي والقوة ألا وهو الكثرة العاملة كعامل من عوامل التقدم والقوة .

ومن هنا يتبين لنا أن نظرية الانفجار السكاني وهي التي نعلم أنها وراء الدعوة إلى تحديد النسل : ليست من العلم في شيء

والدين الإسلامي إذ يعارضها – على المستوى التخطيطي العام - فإنه لا يقع  بذلك في صراع  مع العلم ، كما يدعي أصحاب الاتجاهات الإلحادية والعلمانية ، في المجتمع الإسلامي.

إن هذا يعني أن نمو الموارد لا يأتي حسب زعم مالتس وأتباعه بمتوالية حسابية ، ولا حتى بمتوالية هندسية ، ولكنه يعني أن خزائن الله لا تنفد ، وهو وحده الذي يملك مفاتيحها يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفقا لمتوالية إيمانية مرتبطة بالعمل والعلم .

والله أعلم