ماذا لو كنا بلا انتفاضة؟
بقلم :علي حتر
ما نتائج الانتفاضة؟
سؤال لا يمكن أن يكون بريئا عندما يصدر عن سياسي أو إعلامي أو رجل أمن مسيس. سمعت
هذا السؤال من مذيع مشهور في إحدى الفضائيات، وهو يتكلم مع وزير ورجل أمن مشهور من
السلطة ومن رجال أبي مازن وداعمي خارطة الطريق ووثيقة جنيف، ومن أشهر من يدعمهم
الكيان الصهيوني.
لا يمكن لهذا السؤال
أن يكون بريئا، أو بدون تنسيق وترتيب، وخصوصا أن السائل استمر ينتقد الانتفاضة
بحجة أنها لم تجلب لشعبنا العربي الفلسطيني غير الموت والدمار، هكذا ببساطة!
كان الحري بالسائل أن
يسأل: ماذا لو كنا بلا انتفاضة؟ ماذا لو لم يكن هناك مقاومة في فلسطين؟
العالم منذ قامت
المقاومة العربية الفلسطينية، لا يعرف الهدوء، لأنه ظلم أهلنا الفلسطينيين، ووافق
على هدر حقوقهم وإهدائها للصهاينة، اعتقادا منه أنهم لا يستحقون الحياة، فإذا
بالانتفاضة تثبت له أنهم أهل للحياة مثل أية أمة أخرى، أو أكثر.
العالم يريد أن يحسم
المعركة على الأرض لصالح الكيان الصهيوني، لأنه يعرف أن كل أروقة القصور العربية
عاجزة عن تنفيذ اتفاق واحد، وأن طفلا فلسطينيا يحمل حجرا، أخطر من كل جيوش دول
الجامعة العربية.
الحكومات العربية
المتحالفة في كل مكان تريد أن تتفرغ للفساد والقمع والنهب والأمركة والتطبيع، فلا
تستطيع إلى ذلك سبيلا، بسبب وجود الانتفاضة، وقرع الانتفاضة المستمر على أجراس
الشعوب العربية،
الكيان الصهيوني يريد
أن يهيمن، أن يخترق، أن يتفرغ لحماية النفط المنهوب، والتحكم بالأسواق والصناعة
والتفرغ لاستعباد العمالة العربية، على طريقة «منا المخ المفكر ومنكم اليد العاملة
أيها العرب».
لكن الانتفاضة تمنعه
من تحقيق أحلامه، كل أحلامه. الكيان الصهيوني يريد أن يستقر، ليجمع كل يهود
العالم، وليفرض إرادته على الجميع، لكن الانتفاضة منعته.
صحيح أن العرب
الفلسطينيين دفعوا ثمن ذلك غاليا، لكنهم حموا الأمة العربية، وحتى الإنسانية،
نعم، الانتفاضة لم
تستطع بسبب التقاعس العربي، والحصار العربي، أن تنتصر بالمفهوم العسكري حتى الآن،
ولكنها منعتهم من حسم المعارك لصالحهم.
الانتفاضة منعت
المجتمع الصهيوني من الإحساس بالانتصار وبالأمن، رغم قوة جيشه، وبسببها راح مفكرو
صهيون يعقدون المؤتمرات ويناقشون فكرة بقائهم في المنطقة، وضمانات قدرة هذا الكيان
الدخيل على الحياة؟
مجرد وجود الانتفاضة
معناه رفض وجود الكيان البغيض في منطقتنا، وما سينتج عن هذا الكيان لو تمكن
واستتبت له الأمور.
لولا الانتفاضة لكان
جيش العدو الصهيوني يشكل معظم قوات الاحتلال في العراق، يسرح ويمرح كما يشاء،
ويبسط سيطرته الكاملة وينفذ مخططاته من النيل إلى الفرات، بل إلى دجلة والحدود
الإيرانية، ويحيك المؤامرات ضد إيران عن قرب.
لولا الانتفاضة لكانت
العصا الصهيونية تفرض ما تريد على الخليج، ولكان اختراقها له قد تجاوز بعض
الاتفاقات المحدودة هنا وهناك. ولولا الانتفاضة لفقدت الأمة العربية ثقتها بأنها
أمة لها مكانتها، مع تحيتنا وتقديرنا للمقاومة في لبنان والعراق. ولكانت البوارج الصهيونية
تتجول بحرية، على واجهة الأبيض المتوسط ويسيطر قراصنتها على مداخل قناة السويس
وباب المندب.
ولأن الانتفاضة منعت
كل هذا، يريدون وقفها، ويريدون أن يصل للسلطة من وصل، وهو قد وصل قبل الانتخابات
كما نعرف، حتى يكبح جماح الانتفاضة باليد العربية التي برهنت التجارب لنا، في كل
الوطن العربي، أنها أكثر ظلما لأهلها من اليد الغريبة.
الانتفاضة تعطي ولا
تأخذ منكم يا عرب، رغم أنها خط الدفاع الأول عن مستقبلكم.
إنها المؤامرة
المستمرة، ومقابلها المقاومة المستمرة، والمسألة ليست «ما فعلت الإنتفاضة فقط»، بل
ما منعتهم أن يفعلوا أيضا، وهو الأهم في مرحلة الضعف التي تعيشها اليوم أمتنا
العربية..
لو حصلت الانتخابات
الفلسطينية بهذه النسب الهزيلة في أي مكان آخر، لأسقطها الأمريكان وقالوا: هذه نسب
لا تؤهل من نجح فيها لتمثيل شعبه ديموقراطيا، ولكن لأن من نجح يريد وقف الانتفاضة،
ولأنه يكمل حلقة الحصار العربي-الأمريكي-الصهيوني حولها، اعتبروا هذه الانتخابات
مثالا يحتذى للديموقراطية في العالم العربي.