مغازلة شارون عززت قوة اليمين.. وأضعفت دعاة السلام
بقلم :فهمي
هويدي
كثيرون في العالم
العربي لم ينتبهوا إلى أن رسائل التصالح والإطراء والغزل التي بعثت بها بعض عواصم
العرب إلى آرييل شارون، خلال الأسابيع الأخيرة، عززت موقفه في الداخل، وكانت إضافة
مهمة إلى اليمين الإسرائيلي المتصلب والمتعنت. في الوقت ذاته فإنها وجهت ضربات
موجعة لقوى اليسار ودعاة السلام هناك الذين يعارضون سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي
المتعالية والوحشية. وهو صدى لا يخلو من مفارقة، لأن بعض الساسة ودعاة التطبيع من
المثقفين العرب، كثيراً ما برروا موقفهم بأنه يهدف الى النفاذ إلى داخل المجتمع
الإسرائيلي، والوصول إلى العناصر الداعية للسلام، للتأثير في موازين القوى
السياسية فيه، وتشجيع التيارات الرافضة للسياسة الشارونية، ومن ثم محاصرة الأحزاب
والجماعات اليمينية، والضغط عليها قدر الإمكان لتقليص نفوذها. ووجه المفارقة هنا
يكمن في أن الغزل العربي حقق نتيجة معاكسة تماماً، لأن قوى اليمين تعزز موقفها، في
حين أن قوى اليسار ودعاة السلام الذين تمت المراهنة على دورهم، لحقت بهم خسارة
فادحة!
الكل يذكر لا ريب تلك
الرسائل ـ أحياناً الجوائز ـ التي تسلمها شارون من بعض العواصم العربية، فقد وصف
حينا بأنه الرجل القادر على الحل وإحلال السلام، وأبرمت معه صفقة أفرج بمقتضاها عن
الجاسوس الشهير عزام عزام، الذي احتل موقعاً مهماً في المطالبات الإسرائيلية خلال
السنوات الماضية، وفي الوقت ذاته وقعت مصر مع إسرائيل اتفاقية المشاركة في «الكويز»،
التي بمقتضاها تسهم إسرائيل بحوالي 12 في المائة من خامات أي منتج يجري التفاهم
حوله (المنسوجات في الأغلب)، لكي يتمتع ذلك المنتج بالإعفاء الجمركي في السوق
الأميركية. وهي الخطوة التي أنهت عملياًَ فكرة «المقاطعة» العربية لإسرائيل.
وإزاء ذلك التطور
الذي أشاع الدفء في العلاقات الاقتصادية، سرى الدفء إلى مجالات أخرى، فتم السماح
للجيش الإسرائيلي بالتفتيش عن جنوده المفقودين في صحراء سيناء، وجرى الحديث عن
تشكيل لجان أمنية مع إسرائيل، وزادت توقعات قرب عودة السفير المصري إلى إسرائيل. وفي
الوقت ذاته نشرت الصحف عن دعوة نائب رئيس الكنيست الإسرائيلي إلى ليبيا، ورعت
المغرب لقاء الحاخامات مع أئمة المساجد في بروكسل، وانتعشت آمال الإسرائيليين
وتطلعاتهم في العراق، حتى طرحت على بساط البحث إمكانية تصويت اليهود العراقيين في
الانتخابات النيابية التي يفترض أن تجرى يوم الأحد المقبل.
هذه الهدايا أرسلت
إلى شارون، في الوقت الذي لا يزال فيه متمسكاً بسياساته وثابتاً على مواقفه
وآيديولوجيته اليمينية المتطرفة، إذ وسط تلك الأجواء الدافئة، فإنه لم يتردد في
إعلان «لاءاته» المتمثلة في رفض حق عودة اللاجئين أو العودة إلى حدود الرابع من
يونيو (حزيران)، ورفض إزالة المستوطنات، والإبقاء عليها كما هي، ليس ذلك فحسب،
وإنما بدأ شارون في مستهل العام الحالي خطوات إشرافه المباشر على أكبر مشروع
استيطاني لتهويد القدس، والربط بينها وبين التجمعات الاستيطانية الكبيرة في الضفة
الغربية («الشرق الأوسط» 4 يناير الحالي).. فعقد اجتماعاً مع شاؤول موفاز وزير
دفاعه للاتفاق على المرحلة الأولى للمشروع، تقرر خلاله أن تقوم الإدارة المدنية
التابعة لقيادة المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، بمصادرة مساحات واسعة من أراضي
الفلسطينيين والإعلان عنها كأراضي دولة، لتكون رصيداً احتياطياً لتنفيذ المشروع.
في الوقت ذاته فإن
شارون يمضي بخطى ثابتة في بناء الجدار الوحشي بكل أضراره الفادحة بالفلسطينيين
وأراضيهم، متحدياً في ذلك قرار محكمة العدل الدولية، ناهيك من استمراره في استخدام
القوة بشكل مفرط بحق الفلسطينيين، الأمر الذي جعل وسائل الإعلام الإسرائيلية
تتنافس في الكشف عن مظاهر «السادية»، التي تتعامل بها قوات الاحتلال مع أبناء
الشعب الفلسطيني.
ماذا كان صدى رسائل
الغزل والهدايا العربية وسط هذه الأجواء في الداخل الإسرائيلي؟
في رأي اليعازر شيكين
الباحث في مجال علم الاجتماع السياسي، أن مظاهر الغزل عمقت أزمة «معسكر السلام»،
واليسار الإسرائيلي بشكل عام. وأضاف في حديث مع الإذاعة الإسرائيلية بتاريخ 2004/12/25
أن الأنظمة العربية فاجأت اليسار الإسرائيلي عندما تنازلت عن الشروط التي وضعتها
لعودة التطبيع مع إسرائيل. كما أن مواقفها تلك أقنعت قطاعات واسعة من الجمهور
الإسرائيلي، بصدقية الشعار الذي يرفعه شارون، مؤكداً فيه أنه ليست التنازلات هي
التي تقنع العرب بالتوافق مع إسرائيل، بل قيادة إسرائيلية تستطيع الإصرار على
المصالح الاستراتيجية لإسرائيل. شيكين قال أيضا،ً إن لفتات حسن النية «العربية» أثبتت
للرأي العام الإسرائيلي صدقية الموقف الذي يطرحه شارون، ومن ورائه اليمين بشكل
عام، والقائل: العرب يعرفون فقط لغة القوة، وليست التنازلات التي يطرحها اليسار
الإسرائيلي.
التلفزيون الإسرائيلي
نقل بتاريخ 2004/12/20 عن النائب اليساري يوسي ساريد، الذي تزعم في الماضي حركة «ميريتس»
اليسارية وشغل سابقاً منصب وزير التعليم، إقراره بأن مظاهر الغزل التي تبديها
الأنظمة العربية مثلت ضربة في الصميم لـ«معسكر السلام الإسرائيلي». وأضاف متسائلا:
كيف بإمكاننا أن نقنع الجمهور الإسرائيلي بأن سياسة شارون ستجلب كارثة لإسرائيل،
في الوقت الذي يتسابقون في العديد من مناطق العالم العربي على كسب وده بشكل لا
يمكن تبريره وتفسيره. وعبر ساريد عن شعور كبير بالمرارة عندما هب اليسار
الإسرائيلي لانتقاد تصريحات مدير مكتب شارون دوف فايسغلاس، التي كشف فيها النقاب
عن أن هدف شارون من طرح خطة «فك الارتباط» هو القضاء على أي فرصة لإقامة دولة
فلسطينية، في نفس الوقت الذي كان فيه المسؤولون المصريون والإسرائيليون يتبادلون
الزيارات لبحث سبل تطبيق الخطة، من دون أن يكون لمثل هذه التصريحات أي وقع على
التعاطي العربي مع شارون.
اللافت للنظر أن حزب
الليكود اليميني قرر بالفعل توظيف مظاهر الغزل العربية، والمصرية تحديداً في الجدل
السياسي الداخلي، ومن أجل التعريض بطروحات اليسار ومعسكر السلام، على اعتبار أن
المواقف الصلبة لشارون والليكود من خلفه، هي التي أجبرت العرب على إبداء هذه
المظاهر من دون أن تقدم إسرائيل أي تنازلات، فقد كشفت الإذاعة الإسرائيلية بتاريخ 2004/12/18
النقاب عن أن الحملة «الانتخابية» لليكود، ستعتمد على ما قدمته الحكومة المصرية
لحكومة الليكود من أجل التأكيد على صدقية الحزب، حيث تقرر أن تتضمن الدعاية
الانتخابية للحزب عرض التصريحات المصورة التي أطلقها الرئيس المصري، الذي اعتبر
فيها شارون الزعيم الإسرائيلي الوحيد القادر على التوصل لتسوية.
وعلق أحد المتحدثين
في الإذاعة على هذه الفكرة قائلا: سيكون من الصعب على أحزاب اليسار الرد على هذه
التصريحات أو الطعن فيها.
وطبقاً للمعلومات
المتوافرة في هذا الصدد، فإن الليكود سيكثف في دعايته الانتخابية من عرض صورة
الجاسوس عزام عزام وهو متلفح بالعلم الإسرائيلي، بينما يصرخ قائلا: شارون هو بطل
إسرائيل. علماً بأن عزام حرص على الانضمام لحزب الليكود بعد أربعة أيام من إطلاق
سراحه، كما سيتم عرض صور التوقيع على اتفاق التجارة بين أميركا وإسرائيل ومصر «الكويز»،
للتدليل على فعالية السياسة التي تتبعها إسرائيل تحت حكم شارون. ونقلت الإذاعة عن
وزير الصحة الليكودي داني نافيه قوله: سنقول للجمهور الإسرائيلي نريد ثقتكم بناء
على ما حققه شارون من إنجازات على صعيد محاربة الإرهاب الفلسطيني، وما ساهمت به
سياسته «الحكيمة» في دفع العديد من الدول العربية للتراجع عن مواقفها من إسرائيل.
من النتائج المهمة
لذلك الوضع، أن الباحثين في مجال العلوم السياسية والاجتماعية بالدولة العبرية،
أصبحوا يجمعون على أن مظاهر الغزل العربي ساهمت في إقناع الرأي العام الإسرائيلي،
بأن حزب الليكود يمثل بالفعل الوسط الإسرائيلي، في حين كان يصنف قائداً لليمين.
ويعتبر هؤلاء
الباحثون أن ذلك التطور يحصر الجدل داخل إسرائيل عملياً بين الليكود والأحزاب التي
تقع على يمينه من ناحية آيديولوجية، سواء كانت دينية أو علمانية. لذلك لم يكن
مستغرباً أن تشير كل استطلاعات الرأي العام إلى أنه في حال أجريت انتخابات، فإن
اليمين في إسرائيل سيواصل تعزيز قوته، في نفس الوقت الذي يواصل فيه اليسار انهياره.
اللافت للنظر بشكل
خاص، ذلك التفسير الذي يقدمه ساسة ومفكرو اليمين لمظاهر الغزل العربي تجاه
إسرائيل، فهؤلاء يؤكدون أن الأنظمة العربية لم تتحول إلى هذا النمط من السلوك
حباًَ في إسرائيل، بل خوفاً من الولايات المتحدة. فقد بثت الإذاعة الإسرائيلية
تعليقات لخمسة من نواب الليكود، على توقيع اتفاقية التجارة الحرة في القاهرة بين
مصر وإسرائيل والولايات المتحدة، أجمعوا فيها على أن كل مظاهر الغزل العربية تجاه
إسرائيل تندرج في إطار جهود الأنظمة العربية لاسترضاء الولايات المتحدة، بعد أن
فاز الرئيس بوش بولاية ثانية، كما أن هناك اجماعاً بين المعلقين والباحثين
الإسرائيليين في الشؤون العربية، على العلاقة بين مظاهر الغزل العربي تجاه إسرائيل
والحرب الأميركية على العراق.
ترى هل خطر شيء من
ذلك كله على بال الذين بعثوا برسائل الغزل وإشارات المودة إلى آرييل شارون؟