موقع القدس على خريطة اهتمامات الرؤساء الأمريكيين
بقلم :د. مصطفى
رجب
الانطباع العام الذي
يؤخذ عن الولايات المتحدة الأمريكية أنها بلد ديمقراطي لا مجال فيه لديكتاتورية
القرار وأنه - طبقاً لموجبات الديمقراطية - فإن الرأي العام فيه هو المحرك الأساسي
للسياسة الأمريكية ولكن الحرب الأمريكية الأخيرة على العراق كشفت سذاجة هذا التصور
ففي الوقت الذي كان فيه الملايين في الولايات المتحدة ودول العالم يتظاهرون ضد
الحرب كان الرئيس الأمريكي يعلن - بعد صلاة خاصة - شن الحرب على العراق في خطوة
أولية لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط.
والواقع أن تفرد
الرئيس الأمريكي باتخاذ قرارات مصيرية دون الاعتماد على أساس شعبي وجماهيري ليست
سابقة في التاريخ الأمريكي؛ فالرئيس الأمريكي يتمتع بسلطات واسعة في مجال السياسة
الخارجية ولا يمكن تفسير سلطاته في هذا الشأن بالنظر إلى ما حدده الدستور للرئيس
الأمريكي في مجال السياسة الخارجية فحسب، فالسلطات التي حددها له الدستور في هذا
الصدد محدودة إذا ما قورنت بالسلطات الواسعة التي يمارسها فعلاً في الواقع،
وتطبيقاً للمادة الثانية من الدستور فإن الرئيس يتمتع بناء على نصيحة وموافقة مجلس
الشيوخ بسلطة إبرام المعاهدات وتعيين السفراء والوزراء إلا أنه بخلاف ما ورد في
هذه المادة لا توجد سوى إشارات قليلة في الدستور لسلطات الرئيس في مجال السياسة
الخارجية.
ولكن عدة تشريعات من
جانب الكونجرس ساهمت في زيادة سلطات الرئيس في مجال السياسة الخارجية ومن الأمثلة
في هذا الصدد قرار فاندنبرج عام 1949 حيث أيد الكونجرس إقامة حلف دائم بين
الولايات المتحدة وأوربا الذي عرف فيما بعد بحلف شمال الأطلنطي كما أعطى الكونجرس
للرئيس سلطات واسعة فيما يتعلق بدور الولايات المتحدة في الصراع الدولي وجاء ذلك
على سبيل المثال في القرارات الخاصة بمضايق فرموزا (1955) والشرق الأوسط (1957) وكوبا
(1962) وبرلين (1962).
وأخيراً فإن اتساع
سلطات الرئيس في مجال السياسة الخارجية مرجعه أيضاً إلى قدرة الرئيس على التحرك في
الأزمات التي تلت الحرب العالمية الثانية؛ فإن شعور الأمريكيين بالحاجة إلى قيام
الولايات المتحدة بدور نشط على مسرح السياسات العالمية دعا إلى المناداة بضرورة
توافر قيادة قوية من جانب الرئيس في مجال السياسة الخارجية. ولقد ترتب على الدستور
والتشريعات المختلفة والعرف والتقاليد تمتع الرئيس الأمريكي بسلطات واسعة في مجال
السياسة الخارجية، وتبدو هذه السلطات واضحة في العديد من المسائل فبالإضافة إلى
إبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية كثيراً ما يعلن الرئيس عن المبادئ التي تحكم
اتجاهات السياسة الخارجية ومن أمثلة هذه المبادئ تلك التي أدلى بها ترومان
وأيزنهاور وجونسون ونيكسون وكارتر، كما يقوم الرئيس بدور مهم في الاعتراف أو عدم
الاعتراف بحكومات الدول الأجنبية وفي إرسال القوات العسكرية إلى الخارج وفي إقامة
القواعد العسكرية الأمريكية في الدول الأجنبية ويشارك في غير ذلك من مسائل السياسة
الخارجية حتى أنه يمكن اعتبار أن الرئيس الأمريكي هو الذي يعبر عن اتجاهات السياسة
الخارجية الأمريكية.
إذا كان الرئيس
الأمريكي يتمتع بسلطات واسعة في مجال السياسة الخارجية فكيف استخدم هذه السلطات في
حل الصراع العربي الإسرائيلي؟
نعرض هنا لموقف
الإدارات الأمريكية إزاء جانب واحد فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي وهو قضية
القدس لما تمثله لنا من أهمية وجدانية وعقائدية وتاريخية وبالنسبة لإسرائيل فإن
القدس أيضاً حجر الأساس يبدو ذلك في رد بن جوريون على صحيفة يابانية في يونيو 1967
حيث لخص الموقف كاملاً بقوله: "إن "إسرائيل" ستنسحب من شبه جزيرة
سيناء بعد توقيع سلام مع مصر، والأمر ذاته سيحدث مع سوريا، أما في الضفة الغربية
فإنه ستقام دولة تتمتع بحكم ذاتي برعاية الأمم المتحدة - لكننا سنحتفظ بالقدس إلى
الأبد - على الرغم من جميع القرارات التي ستتخذها الأمم المتحدة، فالقدس كانت
عاصمة لإسرائيل على امتداد ثلاثة آلاف سنة وستبقى كذلك في المستقبل".
نعود إلى موقف
الإدارات الأمريكية من قضية القدس؛ وإذا وضعنا في الاعتبار التحيز الأمريكي الواضح
لإسرائيل فلن يبدو الأمر غريباً إذا عرفنا أن معظم الرؤساء الأمريكيين يؤيدون
اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ولا حق للفلسطينيين فيها والبعض الآخر يحبذ تأجيل
تحديد القدس إلى حين مفاوضات الوضع النهائي ويرى نبيل محمد السهلي ( شؤون عربي ع116
شتاء 2003) أن مواقف الإدارة الأمريكية من قضية القدس يمكن تقسيمها إلى عدة فترات
خلال الفترة من (1948-2001) ففي أواخر 1948 تم استصدار القرار رقم 181 من الأمم
المتحدة الذي يوصي بجعل مدينة القدس كياناً منفصلاً خاضعاً لنظام دولي خاص وأيدت
الإدارة الأمريكية آنذاك هذا القرار لكنها فيما بعد غيرت موقفها من القرار 181
وشرعت تتبنى فكرة إنشاء مجلس عربي/ إسرائيلي مشترك وتطالب بتدويل الأماكن المقدسة
فقط وليست المدينة بالكامل، وفي يونيو 1967 وبعد أسبوع واحد من وقف إطلاق النار
حدد الرئيس ليندون جونسون مشروعاً بخصوص الموقف المشتعل في المنطقة ويتبين من
المشروع أن الولايات المتحدة ترفض عودة "إسرائيل" إلى حدود ما قبل
الخامس من يونيو 1967 فالمكاسب الإقليمية من جراء الحرب لا يمكن التخلي عنها لم
ينته الأمر كذلك لكن الأمم المتحدة أصدرت القرارين رقم 2253 و2254 في 14/7/1967
اللذين يطالبان "إسرائيل" بالتوقف عن أي إجراء يغير من وضع مدينة القدس
وإلغاء جميع ما قامت به من إجراءات فما كان من سفير الولايات المتحدة في المنظمة
إلا أن امتنع عن التصويت على القرارين.
مع مجيء الرئيس
نيسكون إلى الحكم في 1968 قدم مبادرة بدت أكثر تعاوناً مع الجانب العربي عن سابقه
جونسون حيث شملت تعديلات على ما يتعلق بقضية القدس منها عدم الاعتراف بالقدس عاصمة
لإسرائيل وعدم نقل السفارة الأمريكية إليها وبقيت الولايات المتحدة تعتبر القدس
منطقة محتلة خلال الفترة (1970-1971) حيث أكد ذلك جورج بوش الأب الذي كان سفيراً
للولايات المتحدة في المنظمة الدولية بتاريخ 25/9/1971، ثم جاءت فترة الرئيس كارتر
الذي أبرم اتفاقية كامب ديفيد مع الرئيس السادات ولم تتمكن الاتفاقية الشهيرة من
الوصول إلى حل بخصوص القدس ولكن بصفة عامة اتصفت إدارة كارتر بالثبات بالنسبة لهذه
القضية وأكدت فصل القدس عن بقية الأراضي المحتلة والتعامل معها على نحو منفصل
وضمان حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة لجميع السكان وبغض النظر عن طوائفهم.
الرئيس رونالد ريجان
كان الأكثر تحيزاً لصالح "إسرائيل" وأصدر عدة بيانات في مناسبات مختلفة
أكد خلالها أن القدس عاصمة دولة "إسرائيل" وأنه يجب أن تبقى دائماً تحت
السيادة الإسرائيلية وأصر ريجان في خطابه بتاريخ 5/9/1982 على معارضة إقامة الدولة
الفلسطينية وقال بملء فيه: "لا دولة فلسطينية في الضفة الغربية لنهر الأردن
وقطاع غزة"، أما بوش الأب فشهدت فترة حكمه خلافات في وجهات النظر بين
الولايات المتحدة و"إسرائيل" كان سببها التشدد الإسرائيلي بخصوص القدس
ورغبة الإدارة الأمريكية في إيجاد حل تفاوضي بخصوصها لكن هذا لا يمنع أن الكونجرس
الأمريكي أصدر قراراً أثناء حكم بوش الأب وبالتحديد في 22/3/1990 نص على بقاء
القدس عاصمة موحدة لإسرائيل مع حفظ حقوق "الآخرين" لكن يحسب للرئيس بوش
الأب أنه جمد صرف ضمانات قروض للحكومة الإسرائيلية بقيمة 400 مليون دولار وربط
صرفها بوقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس، هذه النقطة بالذات
انتقدها الرئيس كلينتون في إطار حملته الانتخابية منافساً لبوش كما تضمن برنامج
كلينتون الانتخابي التأكيد على أن القدس هي العاصمة الموحدة الأبدية لإسرائيل
ولدعم هذا التوجه وافقت إدارة كلينتون فيما بعد على نقل سفارتها في تل أبيب إلى
القدس المحتلة شرط ألا يكون ذلك قبل عام 1999 وبحيث يرتبط ذلك بمفاوضات الوضع
النهائي بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي والاتفاق على مستقبل الضفة الغربية
وقطاع غزة والقدس الشرقية.
الدور الأمريكي فيما
يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي خلال فترة الرئيس بوش الابن كان دوراً هامشياً
مقارنة بالإدارات السابقة فإدارة بوش ركزت على الجانب الأمني عبر إرسال رئيس جهاز
المخابرات الأمريكي CIA
إلى المنطقة لإقامة اتفاقات أمنية إسرائيلية فلسطينية وتأجيل التفاوض السياسي إلى
ما بعد إجهاض الانتفاضة وفرض الأمر الواقع الإسرائيلي ولكن انحياز بوش إلى "إسرائيل"
بدا واضحاً بتوقيعه على قرار الكونجرس باعتبار القدس الموحدة بشقيها المحتل عام 1948
والمحتل عام 1967 العاصمة الأبدية لدولة "إسرائيل" وذلك يوم الاثنين في 30/9/2002.