المشروع الحضاري لجماعة الإنقاذ في السودان!!

 

 

بقلم :ياسر الزعاترة

 

الآن وفي ظل اتفاق نايفاشا الذي جاء من دون مفاجآت بعد أن منحنا القوم ما يكفي من الوقت للاستعداد النفسي، ها نحن نتذكر، أعني نحن الذين عايشنا وبالطبع من منطلقات إسلامية، تلك الموجة العارمة من التفاؤل التي أطلقها انقلاب الإنقاذ في السودان (1989). فقد بدا أن العقل الأكثر ديناميكية في الساحة السياسية الإسلامية (أعني الدكتور حسن الترابي) قد نال فرصته في تطبيق المشروع الإسلامي، وهو الذي طالما نظّر له، فيما عاب على الحركة الإسلامية في طبعتها المصرية عجزها عن تحقيق أهدافها رغم مرور عقود طويلة على إنشائها.

 

لم نلتفت كثيراً للبعد الانقلابي في المشروع في وقت كان زعيمه هو رائد التفكير لما يمكن القول إنه الديمقراطية الإسلامية، لكن المشهد كان مقنعاً إلى حد كبير، فقد كان زعيم التمرد قرنق على مشارف الخرطوم التي تعاني من آثار الانقسام الحزبي في ظل الضعف الواضح لحكومة الصادق المهدي الديمقراطية، فكان لا بد للجيش تحت قيادة أخرى أن يدخل على الخط ليحافظ على وحدة البلاد وسيادتها واستقلالها.

 

مضى المشروع فاتحاً أذرعه للحركات الإسلامية التي وجدت فيه قبلتها السياسية، فيما كان أهله لا يبخلون على الجميع بجرعات التفاؤل بآفاق المشروع وفرص نجاحه الواسعة، ولم يتوقف الأمر عند حدود الحركات المعتدلة، وإنما امتد ليفتح أذرعه أيضاً للحركات المتشددة، لكن الموقف لم يمض على ذات النسق، فبعد مضي سنوات معدودة كان الفضاء الدولي والعربي يضيق أكثر فأكثر مع اندلاع مدريد ومن ثم أوسلو فلسطينياً، وبالطبع إثر هزيمة العراق في حرب الكويت، الأمر الذي فرض التراجع التدريجي على أهل المشروع، ولم يتوقف الأمر عند حدود تسليم كارلوس بذرائع غير مقنعة ومن ثم طرد أسامة بن لادن ومجموعة المصريين من حوله، بل تجاوزه نحو التضييق على حركة الآخرين من أهل الاعتدال، أو المقاومة المشروعة مثل حركة حماس الفلسطينية.

 

في العادة يقتتل شركاء المشاريع عندما تكثر مكاسبها على نحو كبير، لكن الاقتتال يكون أيضاً عندما يلوح الفشل وتختلف الرؤى حول سبل الخروج منه، أما في الحالة السودانية فقد بدا الأمر خليطاً من الفشل والنجاح، ففيما كان الوضع الاقتصادي يبشر بشيء من التحسن في ظل تدفق النفط في العام 1999، كان المشروع في شقه الفكري والسياسي وحتى العسكري يعاني قدراً كبيراً من الفشل، وبالطبع بعدما أدرك أهله أن فرصة تحدي الولايات المتحدة ليست متوفرة، الأمر الذي لا بد له من الانحناء، لا سيما بعد تقدم قوات قرنق في المعارك مع الجيش السوداني، والذي لم يكن بالإمكان وقفه لولا تلك الجحافل من الشبان الذين ذهبوا إلى الشهادة مبتسمين كما تعلموا في مدرسة الحركة الإسلامية، وبالطبع من أجل الدفاع عن المشروع الحضاري الذي آمنوا به.

 

كان زعيم المشروع يتطلع إلى نقلة أخرى تمنحه فرصة الديمومة، أقله وفق ما أوضح في تصريحاته وكتاباته، فكان أن مال إلى ديمقراطية إسلامية تقوم على تنافس بين جميع القوى السياسية ضمن إطار المشروع الإسلامي، الأمر الذي لم يرق لقادة المشروع الآخرين ممن وجدوا أن الوضع سيؤول إلى الصادق المهدي صاحب الحزب أو التيار الأقوى في البلاد.

 

انقلب التلاميذ على شيخهم، وجاءت هجمات الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة لتلقي بظلالها على المشهد الدولي والإقليمي وليأخذ الإنقاذيون طريقهم نحو التواؤم مع المرحلة الجديدة بعد دفع استحقاقاتها، ولتبدأ مسيرة السلام التي لم يكن منها بد، فيما لم يكن بوسع القوم إلا أن يدفعوا الاستحقاق الذي يفرضه ميزان القوى الجديد، وحيث يحظى قرنق بدعم الولايات المتحدة، فيما هم عراة من أي دعم خارجي، أما الأسوأ فهو اهتراء جبهتهم الداخلية في ظل الانقسام داخل أهل المشروع، ومعه رفض قوى الشمال الانخراط في اللعبة كمجرد ديكور ليس إلا.

 

هنا بدا أن القوم إنما يريدون الحفاظ على السلطة بأي ثمن، فمضوا في الاتفاقات من مشاكوس إلى نايفاشا، وصولاً إلى اتفاق لا ينهي مشروع الإنقاذ فحسب، بل يضع وحدة البلاد تحت رحمة قرنق، فضلاً عما هو أسوأ من ذلك مما يلوح في الأفق، أعني إمكانية نجاح قرنق في تحقيق حلمه بسودان جديد كما يسميه. سودان إفريقي، لا مكان فيه للعروبة والإسلام، اللهم إلا بوصفهما لوناً من ألوان التعبير عن خيارات الأقلية بمفهومها الثقافي والسياسي.

 

في ظاهر الاتفاق كما تكشف ذلك سطوره الخارجية يبدو أن مجموعة الإنقاذ قد حصدت 52 في المائة من السلطة التشريعية والتنفيذية، مقابل 28 للحركة الشعبية بزعامة قرنق، وستة للقوى الجنوبية الأخرى، و14 للقوى الشمالية. كما حصدت 50 في المئة من عائدات النفط. وبالتالي فإنها ستواصل الإمساك بالشق الأساسي من السلطة والثروة، لكن الموقف ليس بذلك التبسيط، فالجنوب عملياً سيكون تحت ولاية قرنق، وهو وحده من يقرر الإبقاء على الوحدة أو الانفصال، وهو سيقرر الانفصال إذا بدا أنه الأفضل، فيما سيقرر العكس إذا لاحت له فرص تحقيق مشروعه «السودان الجديد».

 

في كل الأحوال، فإن الموجة الديمقراطية التي يفرضها المسار الجديد لا بد ستعني غياب الحزب الحاكم لحساب القوى التقليدية في المجتمع السوداني «الشمالي»، وعلى رأسها المهدية والختمية، لأن تزوير إرادة الناس على طريقة الأحزاب العربية الحاكمة، وكما فعل ذات الحزب في انتخابات 2000 لن يكون متاحاً، اللهم إلا إذا منحهم قرنق وبموافقة الأمريكان الإذن بذلك. وهو ما لن يحدث من دون نسيان حكاية المشروع الحضاري والموافقة على الانخراط في مشروع «السودان الجديد»، ليس بطبعته الإفريقية فحسب، ففي إفريقيا متمردون على الهيمنة الأمريكية، بل بطبعته الأمريكية الصهيونية التي تستهدف مصر ومن ورائها الأمة العربية بأسرها.

 

هل يدرك سادة الإنقاذ هذه الأبعاد، أم أن في بالهم أمراً آخر؟

 

من الصعب الجزم بالإجابة على سؤال كهذا، لكن ما يمكن قراءته من مجمل ما جرى هو أن القوم يعولون على معطيات مختلفة داخلياً ودولياً وإقليماً تمكنهم من الإبقاء على شيء من مكاسبهم، وربما قدراً من أبجديات المشروع الذي عملوا عليه، وهو مآل لا يمكن نفيه تماماً، غير أن ما يمكن قوله بكل سهولة هو أن مشروع الإنقاذ بطبعته الأصلية قد انتهى، ولم يبق منه سوى مجموعة سياسية تقاتل من أجل مكاسب تطاردها ريح عاصفة تهب عليها من كل مكان!!.