فن التبرير.. والانقضاض على النقابات المهنية الأردنية
بقلم :د. ابراهيم
علوش
قد تكون الصفة الأهم
عربياً التي تؤهل الطامحَ لأن يصبح مسؤولاً أو صحفياً رسمياً هي امتلاكه لصنعة
اختلاق الذرائع ومهارته بتسويقها لمصلحة صانع القرار العربي أو الأمريكي، الذي
يكافئه هنا بقدر تمكنه من الكار.
مثلاً، لا يذهب
المطبع لمؤتمرٍ أو لقاءٍ بالعدو ليطبع، أو لأن ذلك يعود عليه شخصياً بالامتيازات
والرضا، بالتأكيد لا! بل يذهب لكي يطرح... «وجهة نظرنا»!
وأبو مازن، رجل
المرحلة، لم يقرر نشر قوات أمن السلطة على «حدود» غزة لمنع عمليات المقاومة ضد
العدو الصهيوني والمستعمرات كما اتهمناه شططاً، فهذا أبعد ما يكون عن ذهنه الوطني!
فقد أوضح أبو مازن لوسائل الإعلام غداة قرار نشر القوات الأمنية على حواف القطاع
أن الداعي هو... «الدفاع عن حدودنا ضد أي عدوان»! ولأبي مازن، كما نعلم جميعاً،
باعٌ يطول في صد العدوان عن... «حدودنا»!
(ولنلاحظ هذه الـ«نا»
في النهاية دائماً التي توحدنا زوراً مع المعسكر الآخر!)...
وقرار منع المظاهرات
والمسيرات في الأردن، إلا نادراً أو بشروط صارمة، ليس على الإطلاق انتهاكاً لحق
التعبير الجماعي للمواطن الأردني! فليس من شيم الديموقراطيات مصادرة حق التعبير (إلا
إذا كان «فشة خلق» فردية لا تؤثر على مسار الأحداث طبعاً)، بل جاء تقنين المظاهرات
والمسيرات وكل تعبير جماعي عن الاحتجاج صوناً للوطن والمواطن من خلال منع المندسين
والمخربين من اختراق الصفوف لممارسة هوسهم المرضي بتخريب الممتلكات والسيارات
والمحلات كما يقال، الأمر الذي سيودي بحرية التظاهر والمسير في العالم الحر إلى
الزوال كما نستنتج منطقياً من هذه الذريعة!!
أما العلاقات الرسمية
أو الديبلوماسية العربية مع الكيان الصهيوني، فهي فقط «لمساعدة الفلسطينيين في
الضغط على إسرائيل»! أما المناطق الصناعية المؤهلة فهي... «لحل مشكلة البطالة»! أما
الاعتراف بالحكومة المؤقتة التي فرضها الاحتلال الأمريكي في العراق فهدفه «فتح
قناة للتأثير عليها كي لا يستفرد الأمريكيون بتحديد مستقبل العراق»!
أما المحتلون في
العراق وفلسطين، فليسوا غزاة، بل «أهل ذمة وكتاب لا يجوز الاعتداء عليهم»، وفي
النسخة العلمانية تجدهم «قوة ديموقراطية في المنطقة»، وهلم جرا... وكلها بضاعة
مدفوعة الثمن، يكثر المتاجرون بها، ولكن يتميز فيها بالأخص من كانت أذنه لحاجات
السوق.. صاغية، فبات قلاباً.. للحقائق!
وقد يدرك تجار
الأعذار، وقد لا يدركون، أن القطيعة بينهم وبين المواطن العربي جعلت من حجج «الاستهلاك
الإعلامي» هذه أكثر بهتاناً وأقل تأثيراً يوماً بعد يوم، ولو تفوق مسؤولٌ أو صحفي
ٌعربيٌ على آخر في تصنيع الهراء وتعليبه أحياناً. فالعاقل لا يغرق بالضرورة في
تسونامي إعلامية عربية من الذرائع والفذلكات، بل يطرح دائماً السؤال البديهي
التالي: من صاحب المصلحة فيها ومن يستفيد منها؟ ومن تسهل مهمته لو صدقناها؟
ولكن الذريعة التي
قدمت لتبرير الانقضاض على النقابات المهنية الأردنية، ومنعها من ممارسة أي نشاط
سياسي أو عام، جاءت فريدةً في سطحيتها: «الانفلات الذهني»!
اقتحام النقابات
المهنية الأردنية في عمان إذن، والتغول عليها، ونزع اليافطات المناهضة للتطبيع،
وحظر أي نشاط فيها يمس الهم العام، جاء رسمياً حسب الصحف يوم 13/1/2005 كعلاجٍ «لانفلات
ذهني» لا يدل وصفه أنه يحتاج لقوات أمن بل لأطباء نفسيين! وقد يوحي المصطلح بعدم
قدرة أعضاء النقابات المهنية على التركيز مثلاً بسبب تشتت الذهن.. والمقصود بالطبع
تداول أفكار وأراء في قاعات مجمع النقابات غير مرضي عنها رسمياً، وليس مساعدة
النقابات على «تركيز أفكارها». ولولا أن «انفلات ذهني» جاءت على نغم «انفلات أمني»،
لاحتار المرء فيها، ولصح القول مثلاً: يجيء تعطيل الدور العام للنقابات بسبب «عطل
فني»، أو .. «حفل رسمي»..
فإذا كان كل تداول
للأفكار المعارضة مصدراً «للانفلات الأمني»، ماذا يعني الإعلان الرسمي أن «الراغب
بممارسة العمل العام عليه الذهاب للأحزاب السياسية» سوى أن الأحزاب لا توجد فيها
أية معارضة أو «انفلات ذهني»؟ أم أن الأحزاب «المنفلتة» ستعالج قريباً كالنقابات
المهنية؟!
في الواقع، الأحزاب
وقانونها فصلا في الأردن بحيث لا تبقى قائمة لأية معارضة حقيقية أصلاً. ولو
افترضنا جدلاً غير ذلك، في أية دولة تدعي الديموقراطية يحرم المستقلون من حق
ممارسة العمل السياسي إلا عبر أحزاب ممنوعة ابتداءً من أي شيء ذي معنى سوى التأييد
والولاء؟!.