رأي في قضية قومية

" جوربا العرب وقرار أل 76 ...(14) "

حسني مبارك و دوره في افساد القمم العربية

 

 

 

بقلم : محمود زاهر

          رئيس حزب الوفاق القومي المنتخب

Mahmoud_zaher1@yahoo.com

Mahmoud-zaher@hotmail.com

 

فطنت الصهيونية العالمية إلي غباء تشبثها بمقاومة عقد القمم العربية... غباء تركيز عدائها علي الوصف والشكل وخاصة بعد أن صار صلب التأسيس وتتعظم صلابته كلما أحس بالعداء ولوعة اللدغات... ولذا... أدركت حتمية تحويل عدائها إلي المضمون وليس الشكل... إلي التوظيف وليس الوصف... فبهذا تستطيع استثمار التجمع العربي وتوظيف اجتماعه بتعظيم ثغراته وهكذا يسقط الأمل فيه بمعية شعوبه... ولكن هذا يحتاج لموالي موالين لهم وتابعين لاستراتيجيتهم... يحتاج إلي أصدقاء شركاء للصهيونية عملاء...!!! بل وريادة عربية تهدي جمعية العرب إلي سوء السبيل بعد أن تزخرفه بالزينة وفتنتها بأعينهم...!!!

بالنظر الباحث المتدرس لسيرة مؤتمرات القمة بعد مؤتمر بغداد 1978 يمكننا إدراك كيف كان البحث عن تلك الريادة... وعلي من استقر ذاك البحث... فقد كان مؤتمر القمة التالي لمؤتمر بغداد في تونس التي انتقل إليها مقر الجامعة العربية وكان في 1979... أما مؤتمر 1980 فقد كان في عمان الأردن... ومن الواضح أن الريادة المطلوبة كانت اكبر من قدرات تونس والأردن وخاصة أن جمعية العرب فيها دولا كبيرة مثل العراق والسعودية وسوريا والجزائر والمغرب... ولكن ولأسباب كثيرة إسلامية وعربية وسياسية متباينة لم تكن دولا مثل السعودية أو العراق أو سوريا أو الجزائر تنفع لتلك الريادة... إذن لم تتبقى إلا المغرب... المغرب ذات الشعب الطيب المسالم المتعايش بالفكر والسياسة الغربية بعيدا عن التهاب وسط الشرق العربي... المغرب الذي يستوطنها ما يقرب من خمسة ملايين يهودي... ومن هنا... وحينذاك... عقدت الدورية القممية العادية لسنة 1981 في فاس... ثم تلتها دورتان طارئان 1984 في فاس... و1985 في الدار البيضاء...!!!

ولكن... أتضح أيضا أن المغرب لا تجوز لها الريادة... وهذا ما أكده الفاصل الزمني المتمرد بين قمة 1982 وقمة 1985... وربما استشعرت الصهيونية العالمية ذلك من بداية مؤتمر 1979... وعلمت يقينا انه "لا ريادة إلا مصر"... ولكن مصر كان بها السادات المرتكن لعدل القوة في السلام... والمعضد بنصر أكتوبر 1973... ولم يكن بالأفق بديلا عن التخلص من السادات وضمان استخلافه علي مصر الريادة بصديق... شريك استراتيجي...!!!

ثم اغتيال السادات في السادس من أكتوبر 1981... وفي نفس الشهر اعتلى حسني مبارك صهوة الجواد المصري بالفتاء...!!! اعتلى مقام الصلاحية الرائدة بفطرة وقدر مصر...!! اعتلاه كشريك وصديق استراتيجي...!!!

حسني مبارك ليس له شرعية تاريخية أو سياسية... حسني مبارك ليس له شعبية بل ربما له عكسها... حسني مبارك في حاجة ماسة إلي أي شرعية أو إنجاز يدعمه في حين انه يخشى فقدان أي مكسب مصري أتى به السادات حتى لا ينقلب عليه الشعب خاصة انه غير راغب فيه وغير راض عن التمثيلية التي أتت به... ولذا... تمسكت إسرائيل "بطابا" ضاربة بالمواثيق عرض الحائط... فعدم عودة طابا ينسف استقرار مبارك ونسبه إلي انتصار أكتوبر خاصة وأنها تعلم أن مبارك ليس تصادمي ولا مقاتل والعيش عنده هو الحياة...!!! أما عودة طابا... مضافا إليها عودة مصر لجمعية العرب وقمم مؤتمراتها... بل وعودة مقر الجامعة العربية للقاهرة... سيكون إنجازات ودعم شرعية وتثبيت قدم واستطالة قامة... ولكن... تلك المنح مقابل الشراكة الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية الصهيونية... وعلي مبارك أن يختار بين العنترية أو تكون مصر "عبلة" هانم سياسيا... ومع الأسف هبط مبارك بقدر مصر علي أرضية الاستراتيجية الصهيونية الأمريكية الإسرائيلية وأصبحت سياسة مصر "عبلة هانم" التي استعدت لريادة جمعية العرب من المضمون... من داخل الشكل والتوصيف... وكان لابد من إقامة مباراة اعتزال للمغرب علي ملعبها... وفي تلك المباراة يتسلم حسني مبارك راية الريادة العربية في اتجاه الاستراتيجية الابليسية... وحينذاك... أقيمت قمة الدار البيضاء الطارئة 1989 التي قررت عودة مصر لمؤتمرات القمة... وعودة مقر الجامعة العربية للقاهرة... وفي نفس السنة 1989 عادت طابا بعد ما قدر ثمنها المالي المهندس حسين فايق صبور وقبض العمولة ودفعت مصر المال لإسرائيل وصبور.. ودفعت بعد ذلك رفعة قدرها ثمنا لاختيار حسني مبارك..!!

حسني مبارك الذي بدأ العمل فورا بجد ونشاط... وكانت أولى محطات ريادته النشطة هي قمة بغداد الدورية العادية التي أتت بعد خمسة قمم طارئة... قمة بغداد الثورية أيضا والتي كانت تأمل في عودة وريادة مصر خيرا عربيا وإسلاميا كثيرا... قمة بغداد 1990 والتي لم تكن بعيدة عن يد العبث والخيانة الصهيونية... بل مع الأسف " كانت الأقرب"... كانت محطة رئيسية للقضاء علي ثورية العراق ورفع علم الصهيونية بخليج الشرق العربي ورفعة ريادة مبارك نحو الهيمنة الأمريكية والمسلامة والتعايش المستسلم مع إسرائيل...!!!

وبدأت ريادة مبارك بإقامة القمم الطارئة علي غرار قمم المغرب السابقة... قمم كلها تدعو إلي الاستسلام لمراد استراتيجية أمريكا الصهيونية المسلحة والتعايش الذليل تحت جناح النشر الأمريكي البديل للنسر الروماني الرمز والعلامة الصهيونية... ولذا... كانت قمة القاهرة الطارئة 1990... ثم قمة القاهرة الثانية الطارئة 1996... ثم قمة الأقصر الطارئة أيضا 2000... والتي جاءت قمة عمان الأردن العادية الدورية 2001 بشهر مارس لدعم طوارئ الريادة السياسية المصرية السابقة... وهكذا انتظمت القمم ودوريتها السنوية بشهر مارس من كل سنة... انتظمت واصطفت خلف الريادة المصرية في اتجاه الاستسلام... انتظمت من 2001 وحتى أخر قمة بالجزائر 2005 حتى الآن...!!؟

وعند هذا الحد يتحتم علينا أن نقف وقفة برهنة وتأكيد استدلال في وجه أي مدعي بأننا ظلمنا مبارك...  أو جورنا علي حكمته... أو اندفعنا لنعته بالباطل بدافع شخصي مرجعه هو جوره علي حقنا الشخصي الاجتماعي... وحقنا الحزبي السياسي... وحقنا الثقافي الإعلامي... ثم حقنا التاريخي العسكري القتالي بنصر أكتوبر 1973 ويكفينا قبل أن نقف تلك الوقفة الاستدلالية أننا نسجل رأينا المدعوم بالبرهان والدليل ونتائج الأعمال في حياة حسني مبارك وهو علي قمة سلطانه لا تخشى إلا الله ولا نبتغي سوى إحقاق الحق وإنارة الحقيقة أمام الأجيال...!!! فلسنا من هؤلاء الجرذان الذين يسترزقون من حول السلطان بحياته وهم منكسون الرؤوس كما تموت الحق ثم بعد موته يدعون الفروسية ويتقولون عليه بمثل ما قال مالك في الخمر...!!!

أما عن الموقف الدليل..." فهو قمة بيروت 2002"... والتي جاءت وقد تعلقت برؤوسها كل أمال الشعوب الإسلامية والعربية علي حد سواء... فقد جاءت بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 ووقوع أمريكا ووزارة دفاعها وأبراجها التجارية العالية ومركز إدارتها الدفاعي المركزي في بنسلفانيا تحت وطأة الهجوم بالطيران المدني الحارق... وما تبع هذا من رعونة الاله العسكرية الأمريكية علي أفغانستان... وعدتها المتوعدة بالعراق... وطائرتها القاذفة للسودان... وحليفها الإسرائيلي وحصاره المميت لرئيس دولة فلسطين المنتخب ياسر عرفات وتدميره العدائي لشعب ومزارع وبيوت فلسطين وتوسعه الاستعماري... جاءت تلك القمة والكل مستفز ومستنفر من إعلان جورج دبليو بوش الحرب الصليبية علي كل ما هو مسلم عربي... جاءت وذاك الأرعن خريج مدرسة "العظمة والجمجمة" يعد بفناء المسلمين والعرب الإرهابيين جميعا وقد سارع ومن خلفه الغرب الأوروبي في اضطهاد الجاليات المسلمة والعربية... جاءت وكل مسلم وعربي ينتظر منها الكثير... ينتظر قرارات دعم المقاومة الإسلامية العربية في كل مكان بكل شيء يدعم قوتها بما في ذلك الدعم العسكري والسلاح... ينتظر قرارات التوحد والمجابهة... ينتظر وقفة الرجال وتحدي الفرسان... ينتظر أن تكون رؤوسه كجسده بها نفس الدماء...!!!

الجميع تعلقت أماله بقمة بيروت 2002... برؤوس جمعيتها العربية وخاصة بالرأس الريادية الكبيرة مصر ورئيسها وأب قبلها... وقبل الأحداث التي واكبتها... علي تأكيد توحيد الرأي والقرار والصف العربي... علي تأكيد حتمية دورية اجتماع القمم ... علي تأكيد نصرة الحق والشرعية... بل والذي أكد بالمساء السابق لصباح أول أيام القمة علي إصراره علي الوصول لحلول جذرية في مواجهة ما يعتري امة الإسلام والعروبة مع قرنائه الملوك والرؤساء باجتماع القمة... وجاءت أولى جلسات القمة تحمل الصدمة والمفاجئة... "بل تحمل الفاجعة"... تحمل حضور رئيس وزراء مصر الدكتور عاطف عبيد نائبا عن الرئيس حسني مبارك... بل وتحمل كلمة للرئيس مبارك ألقاها عبيد وكأنه كان يلقي بالمذلة والدنس علي رؤوس المصريين... فقد كانت كلمة نيئة... باردة... لا إحساس فيها بما يعتري الصدور المصرية والعربية والإسلامية... كلمة تدعو لضبط النفس... وإطفاء حماستها... وتؤكد انه لا سبيل أمام المسلمين والعرب سوى موائد المفاوضات... والشكوى للأمم المتحدة... الخ نعم كانت كلمة لا توصف إلا أنها "كسر"... كسر قامة وقوامة ومقاومة... كسر قومية الرجال... كسر استقامة الحق... وخاصة أن ثلثيها الأخيران كانا دعوة للمعايشة ومحاولة استثمار المال والتجارة الذي يسكن نموهما في المسالمة والرضوخ للواقع وأحكامه التي يفرضها القوى من الناس...!!!

ولم يكن عجبا أن تهيمن تلك "الكلمة الكسر" علي ايجابية تفاعل الحضور إلا قليلا كان في مقدمة قلتهم العراق وفلسطين...!!!

وحتى يدعم مبارك ريادته المرفوضة... فقد استضاف قمة مارس 2003 في شرم الشيخ بدلا من انعقادها الطبيعي في دولة البحرين... والتي فيها عمق القذافي جرحه للمملكة العربية السعودية والذي بدأه بقمة بيروت... ولا عجب في تعاظم الصداقة بين مبارك والقذافي في تلك الآونة والتي قبض القذافي ثمنها برفع الحصار التجاري والسياسي عنه بكلمة من أمريكا...!!! ثم اختطف اجتماع "النيباد" من مبارك في مايو 2005...!!!

أيها المستقرئ السياسي... لك أن تعلم انه قد عقدت ثلاثين قمة عربية منذ 1946 وحتى مارس 2005... منهم تسعة عشر قمة دورية عادية وإحدى عشر قمة طارئة... مصر استضافت تسعة قمم... واستضافت المغرب سبعة... وكل من الجزائر والأردن كان نصيبه ثلاثة... أما لبنان وتونس وبغداد فكان لكل منهم استضافتين... أما الرياض والخرطوم فقد استضاف كل منهما قمة العرب مرة واحدة... ربما تلك المعلومات تساعد في رسم الخط البياني والاستبياني للريادة والقمم...!!!

وإلى لقاء إن الله شاء...

ملاحظات هامة

1.  نهاية خدمة الغز "علقة"... وما كان جزاء سنمار إلا قذفه وإلقائه من فوق القلعة الاستراتيجية التي بناها... هكذا تحاول أمريكا الآن مع مبارك بعد أن أدى دوره وصار من خلفته من "هو أو هي" أفضل منه في نظر أمريكا... فأين الحضن الدافئ المصري الذي طالما نصحنا بالحفاظ عليه... هل هو الآن موظفين الحزب الوطني وعائلية الحكم... لا أظن...!!؟

2.  من ينخلع من ميثاق الله فلا وثاق ولا ثقة فيه... ومن ينخلع من هوية الإسلام والعروبة والوطنية فقد هوى... ولن يكون المكر والكذب والاستخفاف دوى... فيا مؤسسات مصر أين الدوا... أين الدوا...!!؟

3.  قولوا لي يا أهل العلم والذكاء... أنا أوافق علي الانتخاب وارفض ما لاثه وجعله فتاء... فكيف... وعلي ما... أقول نعم أو لا أمام ذاك الهراء... الذي ملئ يوم 25/5/2005 عواء...!!! بعد ربع قرنا من الغباء...!!! يا حسني ارحل وسلم مصر لمؤسسة الأمناء...!!!

4.  بإسم كل مصري عربي مسلم شريف أعلن عن مناقصة إسلامية عربية بين الشركات القومية الأمنية عن حاجتنا لتوريد مكنسة كهربائية عملاقة... أو مبيد حشري طاغي القوة... لتطهير مقام بيتي المصري الكريم من الحشرات والزواحف الضارة التي ظهرت وانتشرت علي سطحه وفي بعض أركانه...!!! وإذا تيسرت قاذفات لهب مضادة للحيات السامة فنرجو الإسراع والتقدم بعروضها حفاظا وخوفا علي أطفالنا من لدغاتها...!!!؟

5.  قال الجار لمن جار... لقد قال شاعر النيل حافظ إبراهيم في قصيدته "مصر تتحدث عن نفسها"... أنا إن قدر الإله مماتي لن ترى الشرق يرفع الرأس بعدي"... والظاهر أن رأس الشرق كله غير مرفوعة... فهل هذا مؤشر علي أن مصر ماتت...؟؟ قال حسني مبارك... أنا لن أقول لك أن مصر ماتت...!!! (أهرام 14/5/2005)...!!!

6.  قال مبارك "بحفنة فلوس ممكن أن نأتي بمن يقولون "مش كفاية"...!!! ومن الواضح أن قوله تحول إلي واقع... واقع هزلي ومخزي... ففي 25/5/2005 رأينا لأول مرة في مصر قوات مدنية بلطجية محمولة بالحافلات ويتم توجيهها إلي حيث وجود تجمعات المعارضة... لتهبط من الحافلات رافعة صورة مبارك وهي تصيح مش كفاية... مش كفاية...!!! مع أن كلمة "كفاية" غير معبرة عن إحساس الشعب المصري الذي يصرخ من أعماق تاريخه وهو يقول "طفح الكيل"...!!!