(4)  دردشة ثقافية .. نهاية العولمة ؟

 

 

بقلم :  د. صلاح عبد المتعال

samotal50@hotmail.com   

 

غالبا ما يعتقد أن هذا المسار الجديد ’ مسار العولمة يشكل ظاهرة لا رجوع عنها ’ وأنها الطريق الوحيد للمستقبل ولكن المنظور التاريخى من وجهة نظر ( هارولد جيمس ) فى كتابه نهاية العولمة 2002  وغيره يملى علينا ضرورة الحذر من إطلاق مثل هذا التعميم بإعتبار أن التجارب التاريخية للعولمة أو اشباهها تشير الى أن لكل عولمة فى التاريخ لها خصوصيتها كما يري ( جيمس ) وبالتالى فلا نستطيع أن نقول بأن ما حصل فى الماضى سوف يحصل فى المستقبل بالضرورة فالتاريخ لا يكرر نفسه بنفس الطريقة ’ أو بشكل كامل ومماثل ولكن لا نستطيع أن نهمل دروس التاريخ .

إن المقصود بتوقعات نهاية العولمة ليس العولمة باطلاق فى القرية الكونية للعالم التى أتخمت بثورة المعلومات وتقنيات الإتصالات وشاعت ملكيتها وإستخداماتها على أطراف المعمورة ولم تقتصر أسرار فنون المعرفة لها (Know How) على الولايات المتحدة . إنما المقصود هو نهاية عولمة الرأسمالية الأمريكية المتوحشة التى لا يقف فى طريق تحقيق مقاصدها الإستغلالية أى حائل فوسيلتها الاختراق بالقوى العسكرية ان ضاقت عليها السبل بالوسائل السلمية.

ألا توجد صيغة أكثر إنسانية وعدالة للعولمة ؟ الا توجد قواسم مشتركة بين مصطلحى العالمية والعولمة . حيث يستوعب الأول ( العالمية  )المردود الحضارى لكل الثقافات والمدنيات وأنساق القيم والاخلاقيات الانسانية وكل الأفكار والمعارف والعلوم النافعة للمجتمع الانسانى بتنوعاته شعوبه وأعراقة وقومياته . فالعالمية رغم بعدها الإنسانى الشامل فإنها لا تنكرالسمات القومية لشعب من الشعوب وتحترم خصائصه ؛ بينما يوحى مصطلح العولمة بانه نظام مصنوع هبط لتهديد القوميات بقصد انتهاك السيادة لحدود الدول خاصة الدول النامية وإذابة مصائر الأضعف فى مصالح الأقوى . كما  تحمل العولمة قسمات و أفكار ومذهبيات ( ايديولوجيات ) صانعيها التى ستحمل بالضرورة تناقضات وصراعات المصالح والأفكار بين الأقوى والأضعف من الشعوب . ألم تحمل الديانات السماوية الكبرى وخاتمها الاسلام سمة العالمية بقصد التوحيد والتقارب والتعارف بين البشروجعل تقوى القلوب والاحسان والإتقان فى العمل ونبذ العداوة والتآخى بين البشر جميعا هو دستور العلاقة بين الناس . أما العولمة الجديدة التى خرجت من العباءة الغربية الأمريكية فنها تسير عكس العالمية بمضمونها الفطرى والانسانى وتصطنع مواقف الصراع على المصالح مرجّحة مصالحها ولو على حساب القيم الانسانية والأخلاق وسحق المعارضين الى درجة الافناء .

ستختلف الحجج والبراهين بالنسبة لاحتمالات نهاية العولمة الجديدة إنما الكفة راجحة الآن إزاء مؤشرات زوال العولمة الراسمالية الأمريكية الجشعة ؛ فربما كانت ( سياتل ) هى بداية القرن الواحد والعشرين قالمظاهرات الضخمة التى حصلت ضد النظام الإقتصادى العالمى الذى تحاول أمريكا ترسيخه كانت تعنى أن المعركة أصبحت مفتوحة بين الظرفين وربما كان ذلك هو بداية نهاية العولمة. نقول ذلك وبخاصة أن معظم المتظاهرين كانو من أبناء الدول الغنية لا الفقيرة.

 

 

فربما دمرت الرأسمالية الجشعة نفسها بنفسها بسبب تناقضاتها الداخلية الحادة . ألم تركيف أدت الأزمات المصرفية الكبيرة فى دول النمور الأسيوية 1977 وكادت أن تؤدى اى إنهيار إقتصادها ؟ ألم تر فضيحة شركة  ( اينرون ) الأمريكية التى ذهبت بفضيحتها المليارات مع أدراج الرياح . ثمة سبب آ خر سوف يؤدى الى انهيار العولمة الرأسمالية الأمريكية الجشعة هو إهدار العدالة وتكريس الظلم والتفاوت الاجتماعى بين بلدان الشمال وبلدان الجنوب . وقد زاد هذا التفاوت عن حده فى السنوات الأخيرة بدلا من من أن ينقص . وقد يؤدى هذا الوضع الى الإنفجارات والإضطرابات والقلاقل وهو حتما سوف يزعزع النظام العالمى الجديد الذى يحاول الغرب فرضه على العالم بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية. ومهما يكن من الأمر فان العولمة الحالية سوف تنهار وتنتهى اذا ما استمرت على هذا النحو من احتقار ملايين الفقراء فى العالم . فهذه العولمة التى بدأت فى الستيتيات والسبعينيات من القرن العشرين كانت فد انهارت سابقتها فى بحلول الانهيار الاقتصادى العالمى فى مطلع الثلاثينيات ونشوب الحرب العالمية الثانية فى نهايتها حتى منتصف الاربعينيات . ومن ثم فكل نظام جائر مهدد بالانهيار  قربت ساعته أم بعدت .