فى ظلال الظلال :

"ولا تزكوا أنفسكم "و"انا والله لا نولى هذا العمل احد سأله"..  هذا التشبث بالحكم ؟؟!!!

 

 

بقلم : ايمان مصطفى 

 

سيظل فكر الشهيد سيد قطب مرجعا نابضا حيا ....وكيف لا ؟

وهو الذى كرس حياته لمحاولة فهم كلمات الله التى لن تنفذ الى قيام الساعة ...

ومع هوجة الاستفتاء وما سبقها وما سيتلوها وحتى يحين موعد انتخاب رئيس لجمهورية مصر العربية ربما يكون من المفيد عرض ما أورده الاستاذ سيد قطب فى كتابه .."فى ظلال القرآن "حول اختيار الرؤساء والقادة فى الاسلام فلعل المتهافتين على كرسى الرئاسة يدركون هول المسئولية فيراجعوا أنفسهم وتستيقظ عقولهم ويعلموا أنما يتصارعون من أجله لا ينبغى أن يسعوا هم اليه وانما يأتى اليهم نتيجة كفاءتهم   وباختيار حر منزه عن الغرض والمصلحة ..

 

يقول الاستاذ سيد قطب حول سورة يوسف :

 "يا ليت رجال يمرغون كرامتهم على أقدام الحكام ـوهم أبرياء مطلقو السراح ـفيضعوا النير فى أعناقهم بأيديهم ويتهافتوا على نظرة رضى وكلمة ثناء ,وعلى حظوة الأتباع لا مكانة الأصفياء

يا ليت رجالا من هؤلاء يقرأون هذا القرآن ,ويقرأون قصة سيدنا يوسف , ليعرفوا أن الكرامة والاباء والاعتزاز تدر من الربح ـ حتى المادى ـ أضعاف ما يدره التمرغ والتزلف والانحناء !!!..

فبعدما عانى سيدنا يوسف فى حياته ما عانى وحين شاءت ارادة الله اطلاق سراحه من السجن بعدما فسر للملك رؤياه "وقال الملك :ائتونى به أستخلصه لنفسى ...حذف السياق القرآنى جزئية تنفيذ الأمر لنجد يوسف مع الملك... "فلما كلمه قال :انك اليوم لدينا مكين امين "

فماذا قال يوسف ؟؟!!

انه لم يسجد شكرا".... كما يسجد رجال الحاشية المتملقون للطواغيت .ولم يقل له : عشت يا مولاى وأنا عبدك الخاضع أو خادمك الأمين , كما يقول المنافقون !كلا انما طالب بما يعتقد أنه قادر على أن ينهض به من أعباء فى الأزمة القادمة التى آول بها رؤية الملك ,خيرا مما ينهض بها أحد فى البلاد , وبما يعتقد أنه سيصون به أرواحا من الموت, وبلادا من الخراب ,ومجتمعا من الفتنة ــ فتنة الجوع ــ فكان قويا فى ادراكه لحاجة الموقف الى خبرته وكفاءته وأمانته , قوته فى الاحتفاظ بكرامته وابائه :

"قال اجعلنى على خزائن الأرض. انى حفيظ عليم "..

ولم يكن يوسف يطلب لشخصه وهو يرى اقبال الملك عليه فيطلب أن يجعله على خزائن الأرض .. انما كان حصيفا" فى اختيار

اللحظة التى يستجاب له فيها لينهض بالواجب المرهق الثقيل ذى التبعة الضخمة فى أشد أوقات الأزمة ,وليكون مسئولا عن اطعام شعب كامل وشعوب كذلك تجاوره طوال سبع سنوات لا زرع فيها ولا ضرع

فليس هذا غنما يطلبه يوسف لنفسه . فان التكفل باطعام شعب جائع سبع سنوات متوالية لا يقول احد انه غنيمة .انما هى تبعة يهرب منها الرجال ,لأنها تكلفهم رؤوسهم , والجوع كافر ,وقد تمزق الجماهير الجائعة أجسادهم فى لحظات الكفر والجنون .

ويوضح شهيد الاسلام :

قد يقول قائل  : أليس فى قول يوسف ــ عليه السلام ــ "اجعلنى على خزائن الأرض , انى حفيظ عليم "..أمران محظوران فى النظام الاسلامى :

أولهما :طلب التولية ,وهو محظور بنص قول الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ انا والله لا نولى هذا العمل أحدا سأله  ( أو حرص عليه ) .... متفق عليه .

وثانيهما :تزكية النفس , وهى محظورة بقوله تعالى : "فلا تزكوا أنفسكم "؟

ولا نريد أن نجيب بأن هذه القواعد انما تقررت فى النظام الاسلامى الذى تقرر على عهد محمد رسول الله ــ صلى الله عليه

وسلم ــ وأنها لم تكن مقررة على أيام يوسف ــــ عليه السلام ــــ والمسائل التنظيمية فى هذا الدين ليست موحدة كأصول العقيدة , الثابتة فى كل رسالة  وعلى يد كل رسول ...

لا نريد أن نجيب بهذا , وان كان له وجه لأننا نرى أن الأمر فى هذه المسألة أبعد أعماقا , وأوسع آفاقا من أن يرتكن الى هذا الوجه ,

وانه انما يرتكن الى اعتبارات أخرى لابد من ادراكها , لادراك منهج الاستدلال من الأصول والنصوص ,ولاعطاء أصول الفقه وأحكامه تلك الطبيعة الحركية الأصيلة فى كيانها ,والتى خمدت وجمدت فى عقول الفقهاء وفى عقلية الفقه كلها فى قرون الخمود والركود !!

أن الفقه الاسلامى لم ينشأ فى فراغ , كما أنه لايعيش ولا يفهم فى فراغ ! ولكنه ينشأ فى مجتمع مسلم , ونشأ من خلال حركة هذا المجتمع فى مواجهة حاجات الحياة الاسلامية الواقعية . كذلك لم يكن الفقه الاسلامى هو الذى أنشا المجتمع المسلم وانما المجتمع المسلم بحركته الواقعية لمواجهة حاجات الحياة الاسلامية هو الذى أنشأ

الفقه الاسلامى

ويقول :

  ان فقه "الحركة " يختلف  اختلافا أساسيا عن فقه "الأوراق " مع استمداده أصلا وقيامه على النصوص التى يقوم عليها ويستمد منها "فقه الأوراق"

وعلى هذا فان الحكم الفقهى الاسلامى بعدم تزكية النفس وعدم ترشيحها للمناصب ،وهو المأخوذ من قوله تعالى :"فلا تزكوا أنفسكم " ومن قول الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ" انا والله لا نولى هذا العمل أحد سأله " .

فقد نشأ هذا الحكم فى مجتمع مسلم  وليعيش فى هذا الوسط ويلبى احتياجاته  ومن ثم فهو حكم اسلامى جاء ليطبق فى مجتمع اسلامى ... ومن ثم لا يطبق ولا يصلح ولا ينشىء آثاره الصحيحة الا اذا طبق فى مجتمع اسلامى ..

أما لماذا لا يزكى الناس أنفسهم ولا يرشحون أنفسهم للوظائف ولا يقومون أشخاصا بدعاية ما كى يختاروا لمجلس الشورى أو للامامةأوللامارة ؟؟؟فلأن الناس فى المجتمع المسلم لا يحتاجون لشىء

من هذا لابراز أفضليتهم وأحقيتهم . كما أن المناصب والوظائف فى هذا المجتمع تكليف ثقيل لا يغرى أحدا بالتزاحم عليه ـ اللهم الا ابتغاء الأجر بالنهوض بالواجب وللخدمة الشاقة ابتغاء رضوان الله تعالى ــــ ومن ثم لا يسأل المناصب والوظائف الا المتهافتون عليها لحاجة فى نفوسهم .. وهؤلاء يجب أن يمنعوها !!

وقد يقال : ولكن المجتمع حين يتسع لا يعرف الناس بعضهم بعضا , ويصبح الأكفاء الموهوبون فى حاجة الى الاعلان عن أنفسهم وتزكيتها وطلب العمل على أساس هذه التزكية !!!

وهذا القول كذلك وهم ناشىء من التأثر بالمجتمعات الحاضرة .. اذ أن المجتمع المسلم يكون أهل كل محلة فيه متعارفين متواصلين متكافلين ـــ كما هى طبيعة التربية والتكوين والالتزام فى المجتمع المسلم ـــ ومن ثم يكون يكون أهل كل محلة عارفين بأصحاب الكفايات  والمواهب فيهم  موزونة هذه المواهب والكفايات بموازين وقيم ايمانية ،فلا يعز عليهم أن ينتدبوا هم من بينهم أهل التقوى والكفاية  لأى تمثيل شعبى  ولأى مجلس . أما الامارات العامة فيختار لها الامام ـــ الذى اختارته الأمة بعد ترشيح أهل الحل والعقد ــــ أو اهل الشورى ــ له ...

يختار لها من بين مجموعة الرجال المختارين الذين ميزتهم الحركة , والحركة  دائبة كما قلنا فى المجتمع المسلم , والجهاد ماض الى يوم القيامة ..

ويلفت الاستاذ سيد قطب الى :

ان الذين يفكرون فى النظام الاسلامى اليوم وتشكيلاته ــ أو يكتبون ــ يدخلون فى متاهة !!ذلك أنهم يحاولون تطبيقها فى هذا المجتمع القائم بتركيبه العضوى الحاضر !!وهذا المجتمع يعتبر بالقياس الى طبيعة

المجتمع الاسلامى وأحكامه الفقهية  فراغا لا يمكن أن يقوم فيه هذا النظام ولا أن تطبق فيه هذه الأحكام .. فالمجتمع المسلم ــ كما قلنا ــ

يقوم تركيبه العضوى على أساس ترتيب الشخصيات والفئات كما ترتبها الحركة لاقرار هذا النظام فى عالم الواقع , ولمجاهدة الجاهلية لاخراج الناس منها الى الاسلام , مع تحمل ضغوط الجاهلية وما توجهه من فتنة وايذاء وحرب على هذه الحركة , والصبر على هذا الابتلاء وحسن البلاء من نقطة البدء الى نقطة الفصل فى نهاية المطاف . أما المجتمع الحاضر فهو مجتمع راكد , قائم على قيم لا علاقة لها بالاسلام , ولا بالقيم الايمانية ...وهو ـــ من ثم ـــ يعد بالقياس الى النظام الاسلامى وأحكامه الفقهية فراغا لا يعيش فيه هذا النظام  ولا تقوم فيه هذه الأحكام .

وبناءا على ذلك فان نقطة البدء تكون فى العمل الحقيقى لاعادة الدين الى الوجود الفعلى الحقيقى  , بعد ا انقطع هذا الوجود منذ أن حلت

شرائع البشر محل شريعة الله فى خلال القرنين الاخيرين , وخلا وجه الأرض من الوجود الحقيقى للاسلام , وان بقيت المآذ ن والمساجد ,والأدعية والشعائر , تخدر مشاعر الباقين على الولاء العاطفى الغامض لهذا الدين , وتوهمه أنه لا يزال بخير , وهو يمحى من الوجود محوا !!

وقد وجد المجتمع المسلم قبل أن توجد المساجد .. وجد من يوم أن قيل للناس :اعبدوا الله ما لكم من اله غيره , فعبدوه . ولم تكن عبادتهم ممثلة فى الشعائر التى لم تكن فرضت بعد . انما كانت عبادتهم لله ممثلة فى الدينونة له وحده , وحين أصبح لهؤلاء الذين قرروا الدينونة لله وحده سلطان مادى فى الأرض تنزلت الشرائع , وحين واجهوا الحاجات الحقيقية لحياتهم هم استنبطت بقية أحكام الفقه , الى جانب ما ورد بنصه فى الكتاب والسنة ....

وهذا هو الطريق وليس هنالك طريق آخر ...