هامش المناورات الأميركية يضيق في العراق!
بقلم: نصر
شمالي
ما زال المشهد
العراقي يتلخص في الطرفين المتحاربين على مدار الساعة، القوات الأميركية المحتلة
وقوات المقاومة العراقية، ولا طرف ثالث يدانيهما إطلاقاً، حيث لم تتبلور بعد أية
قوى سياسية أو عسكرية موازية في أهميتها وفعاليتها المستقلة للقوتين المتحاربتين
اللتين تملآن المشهد. وبينما يشكل الشعب العراقي بمجمله حاضنة كافية تستمد
المقاومة منها الحياة والثبات والتطور، فإن الموقف على الجبهة المقابلة يبدو
مقلوباً، حيث التشكيلات التي تصنعها وترعاها قوات الاحتلال تستمد حياتها من هذه
القوات، فكأنما هي طوال الوقت في غرفة الإنعاش والعناية المركّزة!
لقد استماتت إدارة
الحرب الأميركية لتحقيق قدر كاف من السيطرة على الأرض، كي تتمكن من تشكيل مؤسساتها
السياسية والأمنية والإدارية المحلية التابعة، القادرة على النهوض بأعباء الاحتلال
وتحقيق أهدافه نيابة عنها، غير أن مثل هذه السيطرة ظلت بعيدة المنال حتى يومنا
هذا، كما اعترف مؤخراً رئيس الأركان الأميركي، أي أن التشكيلات السياسية والأمنية
والإدارية التي أقاموها عاجزة عن النهوض بذاتها، وأنها مظهرية ودعائية وشكلية لا
أكثر، ثم ظهرت بعد ذلك وزيرة الخارجية الأميركية فجأة في اربيل معلنة الحاجة إلى
عمليات حربية فعالة ضدّ المقاومة المتصاعدة، مشيرة إلى أنها سوف تسأل الحكومة
العراقية عن احتياجاتها من قوات التحالف كي تتمكن من توجيه ضربات فعالة للمقاومة،
وإن في هذا ما يثير الاستغراب ويدلّ على حجم المأزق الذي يتخبط فيه الأميركيون،
فأية قوات محلية تابعة تستطيع تحقيق ما عجزت جيوشهم عن تحقيقه؟
الاستراتيجية
التاريخية غير المرتدّة!
بالمقابل، تفرض
المقاومة وجودها وإرادتها على أربعة مسارح للعمليات الحربية هي: مسرح الحيلولة دون
استقرار قوات الاحتلال في قواعد ثابتة وآمنة، ومسرح الحيلولة دون تمكين الشركات
الربوية السرطانية، المندمجة والمختلطة والمحاربة، من التغلغل والاستقرار في الجسم
العراقي، ومسرح الحيلولة دون تمويل الحرب ضدّ العراق من عائدات نفط العراق، ومسرح منع
قيام مؤسسات سياسية وأمنية وإدارية محلية تقوم بمهام الاحتلال نيابة عنه. إنها
مسارح استراتيجية مصيرية لا يمكن إغفال أي واحد منها، سواء من قبل المحتلين أم من
قبل المقاومة، وبالطبع ما كان ممكناً أبداً للمقاومة أن تفرض إرادتها في هذه
المسارح الأربعة لولا تأييد الشعب العراقي لها والتفافه حولها.
إن تبني المقاومة لما
وصفته بالاستراتيجية غير المرتدّة، وهي استراتيجية تأخذ بالاعتبار البعد التاريخي
للقضية، ليس في العراق وحده بل في الوطن العربي والعالم الإسلامي، هذا التبني
الصائب والخيار التاريخي العظيم يجعلها في غير عجلة من أمرها، بعكس المحتلين،
فمسألة إقامة مؤسساتها السياسية ليست ملحّة طالما أن الحسم في ميدان السيطرة
الكاملة على الأرض، أي إقامة مناطق محرّرة، لم يتحقق بعد، حيث يبدو تحقيق مثل هذا
الهدف متوقف على معالجة التفوّق الجوي شبه الكامل لقوات الاحتلال. وتجدر الإشارة
أنه، في ظل موازين القوى الحربية الراهنة، لابد من وقوع بعض الحوادث المؤسفة التي
تطال ما هو خارج نطاق أهداف عمليات المقاومة، فهذا أمر يفرضه التداخل المعقد في
الوضع الميداني، وبالطبع لا يعقل أن تتوقف العمليات لتجنب مثل هذه الحوادث، لأن
ذلك يعني توقف الحرب لصالح المحتلين!
صعوبة تقدم المحتل أو
تراجعه!
يقول رئيس الأركان
الأميركي في تصريحه الذي أشرنا إليه (أواسط أيار/ مايو الجاري) أن الحرب في العراق
يمكن أن تستمر لسنوات طويلة، و هو يعترف بكفاءة المقاومة وفعالية عملياتها من دون
أن يقدّم تصوراً أميركياً واضحاً لمسار الحرب ونتائجها، وهذا يعني، بكل بساطة،
أنها حرب مفتوحة على جميع الاحتمالات في المدى المنظور، أما في النتائج فإن مستقبل
العراقيين المنشود يقع أمامهم، طالما أنهم خسروا كل شئ ونجحوا في أخذ وضعية القادر
على استرداد كل شئ، أما المحتل فقد أصبحت أهدافه خلفه، كذكريات حلم تبدّد، فليس
ثمة مستقبل لتلك الأهداف، وأوضاعه الميدانية تزداد استعصاءً، فلا هو قادر على
التقدّم ولا هو قادر على التراجع!
لقد استشرف المرشح
الديمقراطي للرئاسة الأميركية ليندون لاروش هذا المأزق الخطير قبل عام، وتحدّث عن
ورطة الولايات المتحدة في العراق، داعياً إلى انسحاب القوات الأميركية بسرعة،
موضحاً أن لا سبب أخلاقي ولا أمل عسكري يبرّر بقاءها، لكنه قرن اقتراحه بإقامة
مؤسسات وقوات عراقية تحل محل قوات الاحتلال وتحيي أهدافها من جديد، داعياً إلى
إشراك ما أسماه دول جنوب غرب آسيا، أي بعض الدول العربية والإسلامية المجاورة، في
ترتيب الوضع العراقي قبل انسحاب الأميركيين، وأن تتحوّل واشنطن (ظاهرياً طبعاً) إلى
مجرّد راع أو شريك في هكذا تحالف إقليمي! وقد أكّد لاروش حينئذ على أن مثل هذه
التحولات لا يمكن أن تنجح من دون تغيير واشنطن لسياستها تجاه الصراع الإسرائيلي
الفلسطيني، داعياً إلى التزام أميركي غير مشروط بقيام دولة فلسطينية.. الخ!
تقاطع المسارين
العراقي والفلسطيني!
على مدى العام الماضي
رأينا الإدارة الأميركية وهي تتعامل مع اقتراحات لاروش وما شابهها من اقتراحات،
فقد أصرّت على إجراء الانتخابات العراقية في موعدها المحدّد، لكن العملية كانت
غامضة معقّدة، والنتائج جاءت مضطربة، صورية، عاجزة عن إثبات وجودها المستقل
ميدانياً! لماذا؟ لأن الاحتلال لم ينجح في تخطي المقاومة وفرض سيادة كافية على
الأرض! أما في فلسطين فقد فرض الأميركيون التهدئة تمهيداً للمفاوضات المباشرة وقيام
الدولة الفلسطينية كما زعموا، لكن النتائج جاءت هنا أيضاً غامضة مضطربة، وبقي
الوضع وما زال قابلاً لانفجار أعظم، الأمر الذي يدلّ على مدى التفاعل بين
الميدانين الشقيقين، حيث تعثّر برامج المحتل في العراق ترتب عليه تلقائياً تعثّر
مماثل في فلسطين!
الحاجة الماسة لطوق
النجاة!
لقد زجّت واشنطن
بأفضل قواتها الثقيلة العملاقة خلال المرحلة الأولى من الحرب، وعندما فوجئت
بقواتها تلك وقد تجمّدت أمام فعالية المقاومة، صادقت إدارة بوش بسرعة، في أواخر
عام 2003، على التحوّل إلى حرب التدمير الشامل القذرة، إلى حرب القوات الخاصة السرّية،
وتم ذلك تحت عنوان رئيسي هو: تصفية مجموعات البعثيين الذين يقفون وراء عمليات
المقاومة! هذا ما قاله الأميركيون مدوّناً! ومن أجل تحقيق المهمة أرسلت مجموعات
الوحدات الخاصة المؤلفة من قوات دلتا، ومشاة البحرية، ووكالة المخابرات، وقطاع
الشركات التجارية المحاربة التي تجنّد المرتزقة! وكانت على رأس الأولويات المدوّنة
لتلك القوات: تحييد المتمرّدين البعثيين بالاعتقال أو الاغتيال! وبالطبع كان ذلك
يعني القتل العشوائي للمواطنين عموماً، بحجة أنهم بعثيون أو متعاونون مع البعثيين!
أما العنوان الرئيسي الإجمالي للعمليات عموماً فهو: اصطياد البشر! هكذا بالحرف!
لقد أراد الأميركيون
التركيز على أن البعثيين هم وحدهم من يقاوم الاحتلال، لكن بعض الميدانيين منهم
سرعان ما اضطروا للاعتراف بأنه لا يمكن تجاهل الإجماع العشائري والوطني والقومي
ودور رجال الدين الذي ظهر جلياً في الفلوجة والنجف، كذلك لا يمكن الإنكار أن
المقاومة تشمل جميع المناطق العراقية!
اليوم، بعد مرور
حوالي عام ونصف على زجّ القوات الخاصة في حرب التدمير الشامل ضدّ العراق، وبعد
ارتكاب ما لا يحصى من الجرائم الفظيعة الهائلة، التي لا يمكن أبداً تجاوزها
ونسيانها لا عربياً ولا أممياً، فإن القوات المحتلة وقد تفاقم تورطها تجعل بعض
المراقبين الأوروبيين والأميركيين يتساءلون عما إذا كانت بحاجة لطوق نجاة بعد أن
ضاق هامش المناورات العسكرية والسياسية الأميركية إلى هذا الحدّ الخطير!