عملية الفرز الأكبر فى مصر!

 

 

بقلم :راشد عمار    

 

تتسارع الأحداث على أرض مصر و تتلاحق.. و تبدأ معالم الصورة فى الإتضاح شيئا فشيئا عبر عملية فرز و تمحيص كبرى .. ليزداد الإنقسام و تتباعد المسافات بين معسكرين رئيسيين.. معسكر الإستبداد و الفساد و العمالة.. و معسكر التغيير المطالب بالإصلاح و القضاء على الجور و الفساد..

التمحيص و الفرز و الإبتلاء من سنن الله على الأرض التى لا تتبدل و لا تتغير..

" أحسب الناس أن يتركوآ أن يقولوا أمنا و هم لا يفتنون"  2 العنكبوت

"  أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم و يعلم الصابرين" 142 آال عمران

نظام مصر المستبد المتجبر الذى ملأ بر مصر ظلما و فسادا و علا و استكبر و أوغل فى القتل و سفك الدماء و التنكيل بمناوئيه.. يعيش أيامه الأخيرة.. و إلى عهد قريب كان ما زال يبدو فى نظر الكثيرين ديناصورا عملاقا مخيفا مرعبا ينشر الرعب الخراب و الدمار كلما تحرك و أينما حل.. إلا أن قلة قليلة من أبناء الوطن أمعنت النظر فى هذا الوحش الهائل،  فارتأت من وراء الجلد السميك الغليظ دودا ينهش الأحشاء و سوسا ينخر فى العظام و قلب واه مريض أوشك على التوقف..كان مازال فى الوحش قوة تقتل .. و لكنهم-هؤلاء القلة- كانوا قد عزموا أمرهم و تقدموا الصفوف و هتفوا بسقوط الطاغية.. حبس الناس أنفاسهم و تمتموا " لقد هلكوا و الله.." و لكن ياللعجب تزلزل هذا الوحش الكاسر و اهتز بنيانه و ارتعدت فرائصه من هتافات تلك القلة..

و هكذا بدأت عملية الفرز بتقدم أفراد من حركة كفاية و حزب العمل ليفوزوا بأجر السابقين و من إستن بسنتهم من بعدهم..

ثم كان أول من إلتقط الخيط بسرعة جماعة الإخوان المسلمون، لينزلوا افرادا و زرافات إلى الشارع على إمتداد ربوع الوطن.. بعد فترة كئيبة من الدهر عانوا فيها ، ربما بسبب ضخامة الجسد المتمدد، من بطء إنتقال الشعور من الأطراف إلى مراكز الإحساس بالمخ .. فما أكثر ما ضغطت الأحداث و الأوضاع الملتهبة و الوضع المتردى على الأطراف.. و لكن فى طريقها الطويل إلى العقل كانت تفقد تأثيرها ليخرج رد الفعل على شكل تململ فى وضع الرقاد أو زمجرة ضعيفة لإثبات الوجود..

نزل الإخوان إلى الشارع ثائرين و بنزولهم بدأت كفتى الميزان فى الإتزان.. ثم ما لبث قضاء مصر أن هوى بقبضته الحديدية على المائدة ليدب الرعب فى أوصال النظام و تميل كفة الميزان إلى الحق..

و نزل أساتذة الجامعات فى مسيرة رمزية بالعشرات فى الجامعات ثم أتبعوها بعقد مؤتمرهم بأكثر من ألفى عضو لينضموا إلى قافلة الحق السائرة..

و بدأت حركة النقابات بنقابة المهندسين الذين أعلنوا نفاذ صبرهم على تنكيل النظام النظام بنقابتهم.. ثم محامون من أجل التغيير.. و تداخل مع هذا كله حركة المراقبين الجويين و التى لا يمكن النظر إليها بمعزل عن الأحداث..

حتى الأحزاب الأليفة التى عاشت فى جلباب النظام تتنعم بالقرب و تتلذذ بطيب العيش فى كنف ولى النعمة، و كانت على وشك إعلان الإندماج الكامل مع الحبيب.. قد فهمت المعادلة الجديدة و أيقنت أن ولى النعمة هالك لا محالة فسارعت بالقفز من جلبابه و إنضمت إلى القافلة.. فالمسألة أصبحت مسألة حياة أو موت و لا مجاملة لولى النعمة فى الموت..

بعد كل هذا الصخب .. بدا المعسكران فى حالة إحتشاد.. نظام يقف وحيدا مكروها إلا من أركان فساده و إستبداده و زبانيته و يتمترس خلف ترسانات السلاح الهائلة التى يمتلكها.. و معسكر التغيير و الإصلاح بفئاته التى فصلناها..

يقف ناظرا إلى المشهد خلق كثير و جموع غفيرة لم تحزم أمرها بعد, و إنضمام هؤلاء الناظرين هو القادر على تحييد سلاح المعسكر الذى يحتل الوطن، فبالرغم من رجحان كفة القوى الثائرة السابقة.. إلا أنه تبقى قوة السلاح والنيران حائلا دون إعلان الأنتصار..

الناظرون ينقسمون إلى قسمين.. قسم مازالت عيناه مسحورتان بهيئة الوحش الكاسر البادية للعيان و لا يكادون يصدقون أنه فى مرض الموت و هؤلاء ما أن يصلوا إلى النتيجة التى وصل إليها من سبقهم، حتى يسارعوا برفع راية العصيان و المطالبة بإنتشالهم من قاع مستنقع البؤس الذى حصرهم فيه النظام.. هذا القسم يتألف من باقى النقابات المهنية و جموع العمال و المواطنين..

أما القسم الثانى .. فهو هيئتى الشرطة و القوات المسلحة.. و هم لهم حساباتهم الخاصة كونهم عمد النظام.. و نعتقد أنهم حالما يرون إصطفاف الشعب كله فلن يترددوا فى الإنضمام إلى أهليهم، و لا ننس أنهم يشربون من نفس الكأس التى نشرب منها، و لن يقبلوا أبدا بارتكاب مذابح ضد إخوانهم فى الوطن.. ليسقط بذلك أخر ركن للنظام لتعقبه فرقعة السقوط العظيم..

فى هذا الحين .. ما أشد ندم الذين أعلنوا ولائهم للطاغية.. ما أشد ندم من عميت بصيرتهم عن رؤية الحق و رضوا بفتات مال حرام.. ما أشد ندم من اشتروا دنياهم بآخرتهم و اصطفوا وراء الطاغوت طمعا فى مغنم رخيص دنئ .. كيف سيعيش بيننا هؤلاء ؟ كيف سيواجهون الناس.. ؟ ألم نقل أنه فرز و تمحيص و ابتلاء عظيم ليهلك من هلك عن بينة و يحى من حي عن بينة..

إنهما رهانان.. رهان على الحق و رهان على الباطل ، و لن يفلح رهان على الباطل أبدا..

" ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله فى جهنم، أولئك هم الخاسرون " الأنفال 37