عورات الرجال لا تسترها الاقمشة...بل المقاومة
بقلم : د. عادل
سمارة
رام الله المحتلة
هل هو من قبيل
الإفلاس ان تلجأ دولة عظمى الى تسريب أمر صغير مثل نشر صور الرئيس الأسير صدام حسين وهو بجزء من ملابسه الداخلية، او وهو
يغسل ملابسه؟
ليس غريباً ان يعيش
صدام حياة متقشفة بين أيدي أعدائه الكثرين، عربا وعجماً وخاصة الصهاينة. وليس
غريبا ان يغسل ملابسه. وأفضل من يفهم هذه
الامور من خَبِروا المعتقلات من الثوريين من العرب ومن العالم؟ لا بل إن الكثير من
الثوريين العرب لا يحظون في سجون الاحتلال الكمبرادوري المحلي حتى بغسل ملابسهم. ذات
يوم، وفي ذات معتقل في دولة عربية قطرية جداً جداً كانت على أجسادنا قطعان من
القمل. لم نحظى بالاستحمام ولا بغسل وجوهنا. وفي معتقلات الاحتلال في رام الله 1967-1968
اضطروا لرش أجسادنا العارية ب ال دى دي تي
للتخلص من القمل. ولا نعتقد ان صدام لم "يحظ" بمجاورة القمل، لكن
الاميركان لن ينشروا هذا لأنه يفضحهم أكثر.
لكن بين الروم والاميركان، يكمن فارق! فحينما وقع أبو فراس المداني "الأمير
ألأسير" بأيدي الروم قبل أكثر من ألف عام قرر الروم إبقاء ملابسه عليه ولم
يلبسوه ثياب الأسر. ورغم ذلك تحداهم بقوله المأثور:
يمّنون أن خلّوا
ثيابي وإنما عليّ ثياب
من دمائهم حمر
ترى كم منا يعرف
الفارق بين هذا الأمير وأمراء اليوم، وبين هذا الشاعر والكثير من شعراء اليوم. وكي
لا يهنأ المتغربنون من مثقفينا فيتهمون هذه المقارنة بالتغني السلفي، فهذا استلهام
تراث وليس انغلاقا سلفياً.
وليس جديداً على صحافة الغرب الراسمالي
التي يسيطر عليها الانجيليون في بريطانيا وأمريكا خاصة، والتي تُخضع الدين لراس
المال عبر هجمة من التعبئة الدين-عرقية لإظهار الصراع وكأنه ديني، فينجو رأس المال
من كافة الإدانات على جرائمه. فتضيع في سبيل ذلك دماء البسطاء.
فقد نشرت صحيفة "الصن" نفسها
مرات عديدة صوراً أكثر حقارة مما فعلت مع الرئيس صدام. ففي عددها ليوم 23 كانون
الثاني 1986 نشرت هذه الصحيفة صورة للشاب الليبي نزار الهنداوي الذي كان قد غادر
بريطانيا في أعقاب مصرع شرطية بريطانية في لندن عام 1984 بسبب إطلاق نار من محيط السفارة الليبية هناك. وكانت
الشرطة البريطانية قد اتهمت حرس السفارة الليبية بالقتل وحصرت التهمة بالرجل. وعندما
عاد الرجل الى بريطانيا لينضم الى زوجته البريطانية جين ماري التي كانت حاملاً
آنذاك، اعنقلته الشرطة البريطانية. اما هذه الصحيفة فنشرت صورته تحت عنوان رئيسي
بارز هو "الصن ترصد جرذا عربياً ". كما نشرت رسما كرتونيا يوم 15 ايار 1986
وكتبت تحته "حتى الخنازير تأنف ان تسمى عرباً". وبما أن الكرتون ليس عن
حدث سياسي بتاريخ محدد، فلماذا لا نراه ضمن تنسيق مخابراتي ثقافي صهيوني لأن 15
ايار هو يوم اغتصاب فلسطين؟ وعلى نفس الطريق نشرت صحيفة ديلي اكسبرس 10 –8-1986
دفاعاً عن "الصن".
أما ما يثير الضحك فهو ان، مارجريت
تاتشر، اشد نساء الارض كرها للعرب كانت آنذاك قد شجبت ما قامت به "الصن"
(انظر جريدة الشرق الاوسط في لندن يوم 8 حزيران 1986). وقد فعل جورج بوش الامريكي
نفس الشيىء بعد نشر "الصن" صور الرئيس الأسير صدام حسين. نفس المدرسة
ونفس النهج، وكذلك نفس مواقف الحكام العرب! لكن مع فوارق. فجورج بوش يئن من ضربات
المقاومة العراقية التي تضرب قوات الاحتلال بسيف عربي صقله صدام نفسه. وإلا، فما
فائدة محاولة إهانة الرجل بعد قرابة عامين في الأسر؟ أم هي رداً على الإهانات التي
وجهها صدام لرامسفيلد وبوش مؤخرا عندما ساومه رامسفيلد على الخروج من الأسر شريطة
دعوة المقاومة لإلقاء السلاح! وهنا في هذا الموقف تَمثَّل صدام موقف ابي فراس
الحمداني. أما المخيال الشعبي في الارض المحتلة فيردد اعتقاداً بأنه إثر اعتقال
صدام، حمله الاميركيون الى البيت الآبيض كي يتشفى به بوش. وعندما التقى الرئيس
الاسير المكبل بالرئيس المالك للاسلحة النووية شتم بوش صداماً فما كان من صدام إلا
أن بصق في وجهه، فقام احد الحراس بضرب صدام على راسه. هل هو المخيال أم الحقيقة،
لا ندري.
ليس غريباً ولا جديدا على صحافة راس
المال ان تفعل اي شيىء بحثا عن الربح وخاصة "الصن" التي هي صحيفة
فضائحية. لكن المسألة ليست مجرد فضائح وحسب. فاستهداف العرب هو مشروع استثماري
هائل لهذا النمط من الصحافة، بمعنى انها لا بد تقبض على ذلك من اللوبي الرأسمالي
الصهيوني الذي يشن على العرب حرباً دائمة. فهذه الاخبار والصور نوع من الإعلانات
الدائمة. ومرة أخرى، لكنها ليست مجرد قبض جراء نشر الفضائح. فلو كان الامر هكذا
ببساطة لكانت "الصن" والصحيفة الاميركية الاخرى قد نشرتا صور الرئيس
الاميركي السابق كلينتون وهو في الحكم عندما كان يضع السيجار في مكان ما من جسد
السيدة لوينسكي، وهو الأمر الذي لم تتحرك ضده "الحركة النسوية الاميركية قط"!
وهو الرئيس الذي حاز على جائزة نوبل، وفي هذه الايام يحظى باستقبال حافل في
الاردن، وهو الذي دمر بغداد عام 1998!
وبعيداً عن كل ما يُقال حول هذا الأمر،
أليس نشر مثل هذه الاخبار مقصود به تغذية الجانب الديني والثقافي في الحرب للتغطية
على سببها الحقيقي وهوراس المال؟ فالرئيس الاميركي الذي قال ان هذه الصور لن تزيد
المقاومة في العراق لأن المقاومين "إرهابيين وسلفيين و و و". يتلوى بين
الكذب وعدم المعرفة. فهذه الصور تستفز كل إنسان في العالم طالما هو إنسان. وهي لا
شك سوف تزيد كراهية العرب والمسلمين لأمريكا. وعليه، فإن ما قصده بوش هو ان كل
العرب إرهابيين، فلماذا لا يعذبهم الرئيس الاميركي بتلذذه بنشر صور الرئيس
العراقي؟ هذا هو "عمى" رئيس الدولة الأعظم!
وإذا كان كشف العورة عقدة في تراث أناس
ما، فليست العرب بالتأكيد، وإنما ورثة تراث واصولية عورة "نوح". بل
لعنته، فهل يتلوى الرئيس الاميركي ألماً لانكشاف هذه العورة التي لم تكن قد أدركت
عهد الملابس الداخلية.
ولكن لا شك ان هناك جذر صهيوني في الأمر. فالصهيونية
حريصة على "تنشيط" الجانب السلفي لدى العرب والمسلمين وتحريك بل استفزاز
المستوى العاطفي لدى العرب والمسلمين كي يبدو التناقض كما لو كان دينياً، وكي
نتمترس وراء الدين ولا نتنبه لما قد يبدو تعصبا من جانبنا او ما يسهل على الاعداء
ان يفسروه تعصبا فيزداد عدد أعدائنا.
من هنا اهمية الدقة والحرص في معالجة
هذه الامور والرد عليها، ليس بتفسير ديني في الأساس وإنما بتفسير اقتصادي أولا. فالامريكيون
يحتلون العراق وياسرون صدام ليس من أجل المسيحية بل من أجل راس المال، وحتى رأسمال
الشركات الاميركية الكبرى التي تمتص دماء فقراء وعمال العالم باسره. ولا رد على
هذا سوى بالمقاومة وبثورة تنموية وثقافية وليس بتعصب ديني.
وأخيراً، فإن عورة
الرجال لا تسترها أذرع القماش، فما أكثر الحكام الذي يغطون أنفسهم بعشرات اذرع
القماش عباءات أو بذلات اوروبية، لكن الواحد منهم هو نفسه مجرد عورة.